الفصل 59: فارس الذئب
الفصل 59: فارس الذئب
مدّ غالوس جناحيه، وصعد في الهواء لولبيًا وسط الليل المحيط به
كانت تيارات الهواء فوق وادي الإبر الورقية تحمل رائحة الكبريت النفاذة المميزة
عدّل ارتفاعه
وجعل الظل الذي تلقيه أجنحة التنين يمسح فوق قمم الأشجار من دون أن يزعج الكائنات في الأسفل
خفض غالوس نظره، محدقًا إلى الأسفل، فرأى الدببة العنيفة في الوادي، بعضها يغفو، وبعضها يحك ظهره بالصخور الخشنة الصلبة
كان موبل، زعيم الدببة الجديد، مستقرًا حاليًا بين الدبات الأم
يفرك رأسه بها، ويلعق فراءها، ويبني علاقات مع الدبات الأم
رأى سامانثا ترفع مؤخرتها، وتعبث بالنمل، وهي تلعب لعبة طفولية وغير ناضجة
كانت مستمتعة وراضية وحدها
ولاحظ تنينة الجان فيرا مستلقية على أغصان الشجر، جناحاها وذيلها متدلية وهي نائمة بقلق، تبدو كأنها ستسقط في أي لحظة، لكنها لا تسقط أبدًا، مما يغري المرء بدفعها دفعة صغيرة
من هذا الارتفاع، كانت تفاصيل الأرض في الأسفل واضحة للعيان
من دون أن يكشف وجوده
“لنذهب ونلقي نظرة على جيراني”
بعد أن دار حول الوادي ثلاث مرات، اختار غالوس اتجاهًا شماليًا شرقيًا ليبدأ استكشافه
تحت غطاء الليل، حلّق بين الرياح المنجرفة والغيوم العائمة
كانت جناحاه الهائلتان تخفقان ببطء، وهو يتحكم في السرعة والصوت لتجنب لفت الانتباه
ثبّت نظره على الأرض في الأسفل
جبال، وبرية، وغابات، وبحيرات… انعكست المناظر المختلفة في عيني التنين الخاصتين بغالوس
راقب بصمت، ولاحظ كثيرًا من الوحوش الضارية والوحوش وهي تصطاد في الليل
كانت برية سيل جنة للوحوش الضارية والشياطين
وبالمقارنة
كان عدد العشائر القبلية التي شكلتها الأنواع الذكية أقل، وكان الموطن هنا خطيرًا، لكن أي قبائل برية تبقى على قيد الحياة تكون عادة شرسة وقوية
كان الوقت يمر مع إيقاع خفقات جناحي غالوس
بعد نحو نصف ساعة
مختبئًا بين الغيوم، ثبّت غالوس نظره إلى الأسفل، وأطبق بصر عينيه المشقوقتين على وادٍ على شكل هلال
في قاع الوادي
في المناطق التي لم يمسها ضوء القمر
كانت مجموعة من الكائنات رمادية الفرو تتحرك
كانت تمشي منتصبة، وتتجاوز هيئة البالغ منها مترين في الارتفاع
ظهورها المنحنية مقوسة بعضلات مبالغ فيها، مغطاة بطبقة من الفرو القاسي الشبيه بالإبر، وحول أعناقها عرف من الشعر الرمادي يشبه عرف الأسد الذكر، مع خطوم بارزة مليئة بأنياب متشابكة
— المستذئبون رماديو الفرو
فرع من المستذئبين
يُقال
إن أصل أسلاف المستذئبين كان بشريًا في يوم من الأيام
وبعد أن أساؤوا إلى حاكم القمر وأغضبوه، لُعنوا ليتحولوا إلى وحوش نصف بشرية ونصف ذئبية متعطشة للدماء، رغم وجود حكايات أخرى تقول إن أسلاف المستذئبين حوّلوا أنفسهم إلى هذه الحالة من خلال تجارب مظلمة محرمة
منذ العصور القديمة حتى الحاضر
تطور المستذئبون إلى فروع مختلفة كثيرة
بعض المستذئبين يستطيعون إظهار هيئة تشبه البشر في حياتهم اليومية، ويتحدثون ويفكرون بلا فرق عن البشر العاديين
لكن بمجرد أن يتعرضوا للاستثارة، أو يغتسلوا بضوء القمر الكامل، يتحولون إلى كائنات نصف بشرية ونصف ذئبية متعطشة للدماء
أما المستذئبون رماديو الفرو، الذين عاشوا طويلًا في الأرض الهمجية، فقد تخلوا تمامًا عن مظهرهم البشري
إنهم يعيشون عادة في هيئة المستذئبين، بطباع عنيفة، لكن بذكاء البشر
إذا أضاءهم وهج القمر الكامل، أو وقفوا على حافة الموت، تصبح مشاعرهم عالية ومشتدة
فيتحولون أكثر إلى هيئة ذئاب عملاقة، مما يعزز قدراتهم القتالية بوضوح، ويفقدون عقلهم تدريجيًا، وينغمسون في القتال والذبح
في وادي الهلال، بُنيت بعض البيوت من الخشب الصلب والحجر
كان الخارج جدارًا طبقيًا من كتل الرخام المتراصة، ملتصقة معًا بالجص والغراء
داخل الجدار
في المنطقة المفتوحة بجانب الجرف الصخري للوادي
كان المستذئبون البالغون يدربون صغارهم، فيلقون خشب البتولا الحديدي الثقيل والصلب في الهواء، فتقفز الجراء فورًا إلى ارتفاع ثلاثة أمتار، وتعض بأسنانها الحادة الغضة، تاركة انبعاجات بأعماق مختلفة
“أكثر اجتهادًا بكثير من فراخ عرق التنانين، فهم يعرفون حتى كيف يتدربون”
فكر غالوس بصمت
كان عرق التنانين يملك وفرة من المواهب الفطرية
كل فرد من عرق التنانين يولد وهو يعرف أنه سيقف عند قمة لا يستطيع معظم الكائنات بلوغها، وهذا ما ينمي كسل عرق التنانين، أما الحالات الغريبة مثل غالوس فهي قليلة جدًا
أثناء وجوده في إقليم سيدة التنين الحديدي
التنينة الحمراء سامانثا والتنين الحديدي غوردون
كان الاثنان يقضيان يومًا بعد يوم، باستثناء الأكل والنوم، في التجول بلا هدف، رغم أن إرثهما يحتوي على معارف ثمينة لا تُحصى، يصعب على الناس العاديين طلبها، فضلًا عن تدريب أجسادهم وصقل مخالبهم وأنيابهم
“هل يمكن أن يكون التنين الشرير يطرد فراخه ليجبرها على التغلب على طبيعتها الكسولة بالضغط الخارجي؟”
خطرت فكرة في ذهن غالوس
لكن بعد أن أعاد التفكير، شعر أنه يبالغ في التفكير
الأرجح أن سيدة التنين الشرير كانت كسولة أكثر من أن تعتني بنسلها
جمع غالوس أفكاره، وواصل تمشيط وادي الهلال بنظره
كان لجدار الإقليم بعض الأبراج العظمية المائلة
وقف حراس من المستذئبين رماديي الفرو على الأبراج العظمية، يحملون أقواسًا طويلة، وكانت أعينهم غير متأثرة بالظلام وهي تمسح المحيط، وآذانهم ترتعش، منصتة لأي حركة مريبة حولهم
وفوق ذلك، كان بعض الفرسان على ذئاب عملاقة يقومون بدوريات
وعندما توقفوا للراحة، أعطوا الأولوية لإطعام مطاياهم وسقيها بدلًا من أنفسهم
حتى إن بعضهم أظهر سلوكًا شديد القرب، إذ كانوا يفركون وجوههم ببعض ويلعقون فراء بعضهم بعضًا
على خلاف العلاقة النموذجية بين الفارس والجواد
لاحظ غالوس ذلك
في البداية ارتبك، ثم ‘بحث’ في معرفة إرثه، وفهم الأمر
إذا بقي المستذئب في هيئة الذئب العملاق طويلًا جدًا، فإنه يستسلم تدريجيًا لطبيعته الحيوانية، ويفقد نفسه تمامًا، ويعجز عن العودة إلى كونه مستذئبًا، فيصبح وحشًا من الذئاب العملاقة
ولا يستطيع تهدئته سوى مستذئب تربطه به أقرب صلات الدم، ويتواصل معه روحيًا عبر السلالة
في مجتمع من المستذئبين المتحولين كليًا إلى هيئة حيوانية مثل المستذئبين رماديي الفرو
توجد غالبًا روابط سلالة بين الفرسان ومطاياهم
ربما كانوا في السابق أزواجًا، أو والدًا وولدًا، أو إخوة، أو ما شابه ذلك
تؤدي هذه الرابطة إلى تفاعلات غير مألوفة بين هؤلاء الفرسان ومطاياهم، وتجعلهم أكثر تناغمًا وقوة من الفرسان المعتادين
“في هذا الإقليم أكثر من ثلاثين من فرسان الذئاب العملاقة، من دون احتساب الصغار أو المراهقين، ومعهم ما لا يقل عن مئة مستذئب بالغ”
“ما زلت لم أر زعيمهم، ولا أي شامانات سحرة”
ظل غالوس مختبئًا في الغيوم، يقيم مستوى هؤلاء ‘الجيران’ بصمت
بالنسبة إلى قبائل بهذا الحجم، في الظروف العادية، يجب أن يكون هناك على الأقل ساحر أو شامان، وكان غالوس قد لاحظ أعمدة الطوطم القائمة داخل إقليمهم
وبينما استمر نظره في التمشيط، عندما وصل إلى الزاوية الغربية من وادي الهلال، ضاقت عينا غالوس
رأى بقايا معدنية لمركبة نقل، مغطاة بآثار عض وتمزيق، وكانت عدة جراء ذئبية تطحن أسنانها على جلدها الحديدي
لقد أغارت قبيلة الذئب الرمادي هذه على قافلة مرت عبر علامة الألف أفعى

تعليقات الفصل