تجاوز إلى المحتوى
شيطان هاوية العوالم

الفصل 103: الوحوش التي تتحرك وحدها

الفصل 103: الوحوش التي تتحرك وحدها

في الوقت نفسه الذي انهار فيه الخط الدفاعي، شعرت أليسون ومجموعتها، التي كانت قد وصلت للتو إلى مواقع الممالك الخلفية، بما حدث على الفور

كما تلقت أداة الاتصال في أيديهم ترتيبات هنري موير الأخيرة لمختلف الشؤون، وظل أسلوبه في معالجة الأمور ثابتًا وموثوقًا كعادته

لكنهم، وهم يقرؤون تلك المعلومات، أدركوا في أعماق قلوبهم أنه لا بد أنه قد مات بالفعل

وأمام هذا الوضع، شعر حتى أولئك الذين لم تكن علاقتهم به جيدة عادةً بمزيج من المشاعر المعقدة

وظهر على وجوههم قدر من الحزن

لكن ذلك لم يدفعهم إلى الحداد طويلًا، لأنهم كانوا يعلمون أن أمامهم أمورًا أكثر يجب إنجازها، ولم يكن بوسعهم إهدار الوقت بسبب بعض الحزن

كان أول ما يتعين عليهم فعله الآن هو تقديم كمية كبيرة من المعلومات إلى الممالك المختلفة، وكانت تتضمن الوسائل المتنوعة التي جمعوها بعناية طوال أعوام من التعامل مع الوحوش الهاوية، إلى جانب تقارير المراقبة المتعلقة بتلك الأوبئة

كانت هذه المعلومات ثمينة، فقد جُمعت بالدم والعرق مقابل تضحيات لا تُحصى، وكان كل حرف فيها قادرًا على منع المزيد من المآسي، لذلك لم يكن بوسعهم التأخر

وإلى جانب ذلك، لأنهم لم يكونوا متأكدين تمامًا مما إذا كانوا قد أصيبوا بالوباء خلال المعركة الأخيرة، كان على فريقهم أيضًا التوجه إلى منطقة حجر شُيدت خصيصًا، والبقاء فيها مدة من العزل والمراقبة

كانت هذه أيضًا خطة لمنع انتشار الوباء، لخصوها بعد دفع ثمن باهظ من التضحيات

وبعد وقت قصير، تلقت عشرات الممالك الواقعة خلف الخط الدفاعي معلومات تفيد بأن الخط الدفاعي قد انهار بالكامل

كانوا يظنون في الأصل أن أمامهم شهرًا أو شهرين آخرين للمماطلة، لكنهم وقعوا فورًا في الفوضى

وبعد فترة من الجدال الحاد، أعلنت الممالك المختلفة في ذلك اليوم نفسه—بعد أن كانت تملك متسعًا من الوقت لممارسة الألعاب السياسية، وإزعاج بعضها بعضًا، وانتزاع السلطة ما دام الخط الدفاعي صامدًا—أن جميع ممالك عالم ميلينغ إخوة من آباء وأمهات مختلفين، وأن صداقة الجميع ساطعة ودائمة مثل الشمس في السماء، وتعهدوا بالتقدم والانسحاب معًا!

وهكذا، وُقعت معاهدات مختلفة مملوءة بالصداقة الصادقة، ونُقلت شتى الإمدادات الثمينة والقوات النخبوية بسرعة إلى الخطوط الأمامية مهما كانت التكلفة، وساد جو من الانسجام العظيم، حتى إنهم كادوا يقسمون على الأخوة في مكانهم

ولا يمكن القول إلا إن هؤلاء الذين يشغلون المناصب العليا ويستطيعون الحفاظ على مقاعدهم قد لا يكونون أذكى من عامة الناس، لكنهم كانوا أفضل فهمًا لفن الموازنة بين المكاسب والخسائر، وكانوا دائمًا أكثر حسمًا بكثير في لحظات الحياة والموت

وكان من المتوقع أنه حتى لو اختُرق ذلك الخط الدفاعي، فلن تتمكن الوحوش الهاوية غالبًا من التعامل مع هذه الممالك خلال وقت قصير

فلأن هذا العالم عالي الرتبة، كان لا بد لأي جهة قادرة على تأسيس دولة فيه من امتلاك بعض الأوراق الخفية بدرجات متفاوتة، وربما كانت دولة أو دولتان تمثلان مشكلة صغيرة للوحوش الهاوية، لكن اجتماع عشرات الدول معًا سيشكل حتمًا مشكلة حقيقية

وفوق ذلك، فإن الديانات المختلفة التي أسسها حكام هذا العالم لن تقف مكتوفة الأيدي وتتجاهل الأمر

ومن المفترض أن مختلف قوات العقاب قد بدأت بالفعل في التحرك

ويمكن القول إن اختراق ذلك الخط الدفاعي لم يكن بالنسبة إلى الوحوش الهاوية سوى مقبلات في بداية الغزو، يرمز إلى أن مسمارًا آخر قد ترسخ رسميًا في عالم ميلينغ، لكنه ما زال بعيدًا جدًا عن تحقيق تأثير حاسم

ورغم أن أورساكا فهم هذه الأمور، فإنه لم يهتم بها مطلقًا

لأن التزامه قد انتهى، ولم تعد تلك الأمور تعنيه

وما تبقى هو وقت استمتاعه

في هذه اللحظة، كان يحلق بسرعة هائلة في السماء، ويتحرك جسده مثل خط من الضوء بسرعة تبلغ عشرات أضعاف سرعة الصوت، وعبر الخط الدفاعي الذي كان يستحيل تجاوزه بسبب الحاجز خلال ما يزيد قليلًا على عشر دقائق

وشاهد بعينيه الهوة الهائلة الممتدة أفقيًا في الأسفل لمسافة مجهولة من الكيلومترات

كما شاهد بعينيه الحالة البائسة للوحوش الهاوية في الأسفل، بعدما تكبدت خسائر فادحة

وكانت الوحوش الهاوية التي تعرضت لانفجارات تركتها بين الحياة والموت مثيرة للشفقة خصوصًا، فقد انخفضت قوتها بشدة حتى أصبحت فريسة يلتهمها أبناء جنسها، وكان المشهد بائسًا للغاية، مما جعله يشعر بالحزن ويتنهد من صعوبة حياة الشيطان

“هاهاهاها!!” في هذا الوضع، وبعد أن اختبر بنفسه قوة ذلك الضوء الأبيض، شعر من موقعه كشيطان بتعاطف عميق، فضحك بصوت عالٍ من شدة الحزن

كما انتهز الفرصة وجمع بعض الأرواح التي كانت على وشك التبدد، ليعوض الحزن المتدفق من قلبه

فبصفته شيطانًا، لا يمكنه نسيان أصله، وكان عليه أن يستفيد من الأشياء المجانية!

وفي النهاية، كان تدوير رفاقه خيارًا مقبولًا

بعد أن حلق فوق تلك الأطلال، رأى أورساكا في طريقه إلى المناطق الأخرى آثار عدد غير قليل من الشياطين

الانتقال، والحفر، والركض، والطيران… كانوا يستخدمون تقريبًا كل وسيلة متاحة

وكان واضحًا أن الفكرة التي يحملها هؤلاء كانت مشابهة لفكرته، فقد أرادوا جميعًا التوجه إلى مناطق أخرى والاختباء فيها

لكن أورساكا أراد التكاسل والعثور على بعض المرح، أما دوافعهم فكان من الصعب تحديدها

كانت هويات هؤلاء مماثلة لهوية أورساكا في الأساس، فقد كانوا من أولئك المنفردين الذين اختاروا تسليم عشر أرواح من الرتبة نفسها عند قدومهم، ولم يكونوا خاضعين لسلطة كارتو، وكان كل واحد منهم يريد إثارة ضجة كبيرة

وبالنظر إلى طبيعتهم، فلم تكن نواياهم تتجاوز التوجه إلى المناطق النائية لارتكاب المذابح، أو نشر الطوائف، أو إعداد تضحيات دموية وما شابه ذلك

فإذا كانت الشياطين الخاضعة لسلطة كارتو تسلك طريق ساحة المعركة الأمامية، وتحاول سحق العالم بأكمله وتدميره بالقوة، فإن هؤلاء ينتمون إلى فرقة انتحارية متكاسلة، تحمل مؤونتها بنفسها وتشتري تذاكرها بمالها، ويريد أفرادها جميعًا الالتفاف من الأطراف، وإثارة المتاعب، وجني الفوائد

ورغم أن أعدادهم لم تكن تقارن بالقوة الرئيسية التي تقاتل على الخطوط الأمامية، فإن هؤلاء، الذين لم يكونوا أقوى نسبيًا فحسب بل كانوا أيضًا أكثر جنونًا في عقلياتهم، قد لا يقل ضررهم على هذا العالم، خصوصًا أنهم كانوا يريدون استعادة تكلفة تذاكرهم

لكن استراتيجية التحرك منفردين هذه، رغم أنها قللت عدد المنافسين على الفوائد، جعلت مستوى الخطر يرتفع بصورة مباشرة

وكان ذلك صحيحًا خصوصًا في عالم عالي الرتبة كهذا

ففي العوالم منخفضة الرتبة، وبسبب محدودية الوسائل، كان المرء يستطيع عادةً التوجه إلى مكان ناءٍ والاختباء فيه دون أن يصادف أي خبير، أما في هذا النوع من العوالم عالية الرتبة، فكانت الحواجز موجودة في كل مكان، ولم يكن أحد يعرف متى قد يُكتشف، وقد تؤدي لحظة واحدة من الإهمال إلى الوقوع في حصار والتعرض للضرب مثل كلب

ويمكن القول إن هذه كانت مهمة خطرة نسبيًا، فإذا نجح المرء جمع ثروة، وإذا فشل تحول في مكانه إلى مواد ثمينة وأسهم في دعم هذا العالم

وبعد أن تفحص أورساكا هذه المجموعة من الرجال الممتلئين بروح المغامرة الجديرة بالاحترام مثله، لم ينوِ إزعاجهم، واختار مباشرة طريقًا للتقدم اعتمادًا على الذكريات التي نهبها

وبعد وقت قصير، قطع مسافة تزيد على 1,000 كيلومتر ووصل إلى منطقة بحرية لا نهاية لها

ومن دون تردد، اندفع برأسه إلى داخلها، وغاص مباشرة في أعماق البحر التي تجاوزت 10,000 متر، وواصل التقدم نحو البعيد

وفي الوقت نفسه، بدأ شكله يتغير بسرعة، فتحول من هيئة جسده الحقيقي، التي نما طولها إلى قرابة عشرة أمتار، إلى هيئة بشرية

وبعد عدة ساعات، وعلى ساحل مملكة بلوم، خرج شخص أحمر الشعر يرتدي ملابس بالطراز المحلي لعالم ميلينغ من مياه البحر تحت غطاء الليل، بينما كانت الأمواج ترتفع وتهبط باستمرار

رفع رأسه ونظر إلى حاجز الاستطلاع العملاق المخفي في السماء، وظهر في قلبه قدر ضئيل من الاحتقار

فمن وجهة نظره، كان هذا الحاجز أضعف بعدة مستويات من الحواجز الموجودة عند الخط الدفاعي، ولم يكن من الممكن اعتباره مصدر إزعاج

ولم يفعل شيئًا آخر، بل استخدم مباشرة تأثير التمويه الكامن في قدرته الفطرية [الهيكل الخارجي – القرمزي]، ودخل دون إصدار صوت

وحرك أنفه مرتين، وتمكن عبر الرائحة المنتشرة في الهواء من تحديد موقع المدينة القريبة بوضوح، ثم أخذ يتجول نحوها ببطء

التالي
103/110 93.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.