الفصل 109: غضب العاجز
الفصل 109: غضب العاجز
بعد مغادرة ذلك المتجر، أخرج أورساكا خريطة بلا مبالاة، وبدأ يقرأها وهو يسير
وعندما فتحها ورأى النصوص والعلامات المختلفة التي توضح المنتجات المميزة لكل منطقة في تلك الدولة، شعر كأنه يقرأ مجلة جغرافية، وقد فاجأه ذلك قليلًا بالفعل، فابتسم وتنهد قائلًا: “إنها تتضمن حتى شروحًا مصورة”
وفكر في نفسه: ‘ربما تكون هذه نسخة فاخرة’
وفي الواقع، كان الأمر كذلك فعلًا
رغم أن المال الذي دفعه تجاوز قيمتها الحقيقية بكثير
في هذه اللحظة، وعلى خلاف الوقت الذي فُتحت فيه بوابات المدينة للتو، أصبحت الشوارع التي كانت هادئة قليلًا تعج بالحركة تمامًا، مع التدفق المستمر لمختلف المارة، وانتشرت في كل مكان أصوات الباعة المتداخلة
كانت عيناه الجانبيتان تنظران باهتمام إلى الخريطة في يديه، بينما بدأت العين الموجودة على جبهته تتحرك في كل اتجاه، وتجمع مختلف المعلومات من هذا المكان
ولا بد من القول إن التحسين الخفي الذي جلبته القوة الخارقة جعل الحدين الأعلى والأدنى لمظاهر الأنواع المختلفة في هذا العالم يتجاوزان بكثير نظيريهما في العوالم منخفضة الرتبة، فالجميل كان جميلًا بصورة استثنائية، والقبيح كان قبيحًا بصورة استثنائية، تمامًا كما في الهاوية، حيث يمكن للمرء مقابلة شتى أنواع الوسيمين والمشوهين
أما المشكلة الصغيرة الوحيدة، فهي أن دروع الممارسات لم تتفق مع التقاليد المعتادة، فقد بحث أورساكا طويلًا، لكنه لم ير أي دروع استعراضية لافتة، وهو أمر وجده مخيبًا للآمال إلى حد ما
وللتعبير عن عدم رضاه، عدل رؤيته بصورة انتقائية، وفعّل جزءًا من قدرته على الرؤية النافذة، وحجب تلقائيًا كل ما لا يهمه، وبذلك استعاد الشعور الذي كان يبحث عنه
ثم شعر بفتى صغير يحاول طلب الموت
قال بهدوء إلى الصبي الذي اقترب منه عمدًا محاولًا سرقة شيء منه: “أنصحك شخصيًا بأن تصفع نفسك عدة مرات، ثم تغرب عن وجهي بسرعة”
ارتجف جسد الصبي، الذي كان يبلغ نحو عشرة أعوام، فور سماع كلامه، ثم تظاهر بالهدوء وسأله بوجه بريء يوحي بأنه لا يفهم: “يا أخي الكبير، عم تتحدث؟”
تجاهل أورساكا أفكاره، ولم يتغير تعبيره، بل نظر إليه ببرود وقال: “أكره تكرار كلامي. هل فهمت ما أعنيه؟”
وأمام نظرته، ورغم أن الصبي لم يشعر بأي نية قتل، فإن غريزته، التي صقلتها أعوام العيش في قاع المجتمع، جعلته يشعر بذعر هائل
كانت نظرة موجهة إلى ماشية
وعرف أنه استفز شخصًا لا يمكن العبث معه
ولو استمر في التظاهر، فقد يموت!
وسيقتله الطرف الآخر كما تُذبح الماشية!
ولذلك، لم يعد قادرًا على الحفاظ على البراءة المصطنعة على وجهه
وتحول تعبيره فورًا إلى خوف شديد
وتحت نظرات المارة الحائرة، ضعفت ساقاه وركع على الأرض مرتجفًا، ثم صفع نفسه بقوة أكثر من عشر مرات، حتى نزف جانب فمه
“جيد جدًا”
أومأ أورساكا برضا، ولم يعد يهتم به، ثم استدار ليغادر
وعندما رأى المارة المحيطون ذلك، ورغم أنهم لم يعرفوا تفاصيل ما حدث، فقد فهموا الأمر بصورة تقريبية بعد قليل من التخمين
وخصوصًا بعدما تعرف بعض السكان المحليين إلى هوية الصبي بصفته ممارسًا، اتضحت الإجابة فورًا
وبدؤوا يتناقشون في الأمر علنًا وهم يبتسمون
وكان ذلك بلا شك نوعًا من الإذلال العلني، مما جعل الصبي نصف الراكع يشعر بمزيد من الخزي، حتى تمنى لو يجد شقًا في الأرض ويزحف داخله
عقد شاب كان يراقب من الجانب حاجبيه قليلًا أمام هذا المشهد، ثم تقدم وقال لأورساكا الذي كان على وشك المغادرة: “يا صديقي، أليس هذا مبالغة بعض الشيء؟ فأنت لم تخسر شيئًا في النهاية، أليس كذلك؟”
وعندما سمع الصبي أحدهم يتحدث دفاعًا عنه، شعر بتحسن طفيف في قلبه، وسارع إلى النظر نحو الشاب
ورغم أنه كان المخطئ، فإنه بصفته الطرف الأضعف، أراد أيضًا أن يتقدم شخص في هذه اللحظة ويدافع عن ما يسمى بالعدالة من أجله!
لم يوقف أورساكا خطواته، وسأل من دون أن يلتفت: “ومن تكون حتى تستحق أن أكون متسامحًا من أجلك؟”
ولم تحمل كلماته أدنى نية لمنح الطرف الآخر أي اعتبار
لأنه كان يكره بشدة أن يتكرم الآخرون بأشيائه نيابة عنه
لكنه كان حاليًا في عمق أراضي العدو، ويريد التحفظ قليلًا، ولم يرغب في بدء مذبحة وجذب الانتباه
وإلا، فبمزاجه، لما أراد حتى التحدث، بل كان سيتحرك مباشرة
أما ذلك الشاب، فلم يسبق له أن تلقى معاملة كهذه، وأمام احتقار أورساكا الصريح، برزت عروق جبهته فورًا، وأراد سحب سلاحه ومواجهته لمعرفة من الأقوى
لكن رفاقه الواقفين إلى جانبه، بعدما رأوا أن الوضع يسير في اتجاه سيئ، تقدموا فورًا لمنعه، لأنهم لم يرغبوا في تضخيم مسألة لا علاقة لها بهم
ففي النهاية، رغم عجزهم عن رؤية قوة أورساكا، فإن مظهره لم يوح بأنه شخص يسهل استفزازه، سواء من حيث ملابسه أو تصرفاته وهيبته، وكل ذلك جعل هؤلاء الأشخاص العاديين يتراجعون أمامه ولا يرغبون في إثارة غضبه
وأمام محاولات رفاقه لثنيه، ورغم أن الغضب ظل ظاهرًا على وجه الرجل، فإنه اضطر إلى التفكير في المكاسب والخسائر
ففي النهاية، وعلى خلاف أورساكا الذي لم يكن يضع السماء نفسها في اعتباره، وكان يثير المتاعب متى رأى شخصًا لا يعجبه ويتصرف في الأساس وفق رغباته، كان على معظم الأشخاص الطبيعيين مواجهة الواقع في النهاية
وأمام هذا الوضع، لم يشعر الصبي وحده بخيبة الأمل، بل أظهر المتفرجون الذين أدركوا أن القتال لن يقع خيبة أمل كبيرة أيضًا
وبدأ بعضهم يطلق صيحات الاستهزاء مباشرة، محاولين إشعال الفوضى حتى يتمكنوا من متابعة العرض حتى نهايته، كحال أولئك الذين يحبون مشاهدة المتاعب ولا يخشون تضخمها
لكنهم لم يعلموا أن أورساكا، متى تحرك فعلًا، لم يكن يمتلك أي حدود، بل كان سيقتل المتفرجين جميعًا دون استثناء، ولم يكن لديه ما يسمى بالتحكم في نطاق الهجوم
أو بعبارة أخرى، كان المارة جزءًا من أهداف هجومه، وينتمون إلى المكاسب الإضافية التي يمكن أخذها في الطريق
وفي هذا الجانب، لم يكن أي شيطان ليرفض ذلك من تلقاء نفسه
ولذلك، لم يكن يوجد عادةً في الهاوية ما يسمى بجماعة المتفرجين، فعندما يتقاتل الآخرون، إما أن تنضم الحشود المارة إلى القتال، وإما أن تهرب مبكرًا، وما دامت قد اختارت البقاء، فلا معنى للقول إنها تورطت ببراءة
فلا أحد بريء هناك، ويمكن قتل الجميع
وكان أورساكا يطبق هذه النظرة تلقائيًا على جميع العوالم، وحتى الآن، لم يقابل أي كائن جعله يشعر بأنه عاجز عن مهاجمته
ومن زاوية معينة، كان بالفعل من أكثر الشياطين تميزًا، فبسبب ما تبقى لديه من إنسانية حياته السابقة، أصبح أكثر عقلانية وأكثر جنونًا، ولم يمتلك أي طيبة أو حدود
وبعد وقت قصير، تفرق الحشد، وكان الشاب قد هدأ بالفعل، فنظر إلى الصبي ذي الخدين المتورمين، وتنهد قليلًا وقال: “كن أكثر حذرًا في المستقبل، ولا تستفز من يبدو أنه لا يمكن استفزازه، وإلا فقد يأتي يوم لا تستطيع فيه النهوض مجددًا”
وبعد إنهاء كلامه، استدار بعجز وغادر مع رفاقه
ولأن خلفياتهم كانت متشابهة، كان هذا كل ما يستطيع فعله، أما تقديم مساعدة أكبر، فلم تكن لديه القدرة عليها

تعليقات الفصل