تجاوز إلى المحتوى
شيطان هاوية العوالم

الفصل 87: الشر القديم

الفصل 87: الشر القديم

بعد بضعة أيام

رغم أن أورساكا كان قد غادر منذ وقت طويل، فإن موجة الشياطين لم تنتهِ إلا للتو، وكان كثير من الجنود المغطاة أجسادهم بالجروح يجمعون الجثث خارج المدينة

كان هنري موير، بصفته قائد خط الدفاع، يمسك بيديه تقارير الخسائر وكشوف استهلاك المؤن، وشعر بصداع شديد

مجرد إلقاء نظرتين على الأرقام جعل عينيه تؤلمانه، وشعر كأنه عاجز عن جمع الشجاعة لمواصلة قراءتها

لأنها كانت تعني أنه سيضطر إلى خوض جولة أخرى من الجدال الكلامي مع ممثلي الممالك والأعراق المختلفة

كان التعامل مع مجموعة كبيرة من أصحاب النفوذ المنتمين إلى أعراق وخلفيات مختلفة تمامًا مهمة مرهقة للغاية بالنسبة إليه، بصرف النظر عن رأي الآخرين، بل كانت أصعب بكثير من خوض مبارزة فردية ضد شيطان عالي الرتبة

رغم أن هذه الأعراق والممالك أُجبرت تحت قبضة الحكام الحديدية على الاندماج في قوة واحدة، وبدأت مختلف المعارف التي كانت شديدة السرية في الماضي تُتبادل باستمرار، كما تكاملت تقنيات كل عرق وأسس قوته مع الأعراق الأخرى

فإن عالم ميلينغ، الذي ما زال غارقًا حاليًا في نيران الحرب، كان يعيش إلى حد ما حالة ازدهار غير مسبوقة، إذ تمكنت مختلف الأعراق للمرة الأولى في التاريخ من التخلي عن حواجز الماضي، مما أدى إلى حالة من الانسجام الداخلي

لكن الاستنزاف المستمر طوال الأعوام المئة الماضية ظل يجعل جميع الفصائل تشعر بألم شديد

كانت مئات خطوط الدفاع التي تصد وحوش الشياطين أشبه بجروح تنزف باستمرار، وتستنزف مواردهم بكميات هائلة

وفي كل مرة تقع فيها موجة شياطين، كان ذلك يعني ظهور عجز كبير في المؤن والقوات يجب تعويضه، مما يجبرهم على شد أحزمتهم والتنهد من صعوبة الحياة

ومن هذا المنظور، اضطر هنري موير إلى الإعجاب بأصحاب النفوذ أولئك لقدرتهم على الحفاظ على الاستقرار الداخلي خلال حرب لا تنتهي كهذه، فقد كان ذلك عملًا يحتاج حقًا إلى مهارة كبيرة

وبينما كان يفكر في كيفية طلب مختلف المؤن والقوات، أظهر الغرض السحري الذي يرتديه فجأة استجابة غريبة، فظهرت لمحة دهشة في قلبه

وبعد أن أمسك الغرض السحري بقوة، تغير مجال رؤيته، وأصبح قادرًا على رؤية أشياء أكثر

وبفضل ذلك تحديدًا، اكتشف كمية هائلة من الطاقة السوداء تنجرف باستمرار نحو مكان بعيد

كانت مصادر تلك الطاقة السوداء شديدة الفوضى، وتراوحت بين التراب العادي وجثث مختلف الأعراق، دون وجود أي رابط واضح بينها

رغم أنه لم يعرف ماهية تلك الطاقة السوداء، فإن شعورًا غريزيًا بالنفور جعله يدرك أنها ليست شيئًا جيدًا، فسحب السلاح عند خصره دون وعي وضربها مباشرة

“دوي!”

مرّت قوته مباشرة عبر الطاقة السوداء وضربت أشياء أخرى، دون أن يكون لها أي تأثير عليها

بدا الأمر كما لو أنها غير موجودة في هذا العالم

عندما رأى هذا الوضع، عقد حاجبيه قليلًا

فهم هنري موير أن الأمر ليس بسيطًا، وأنه قد يتسبب على الأرجح في كارثة هائلة، لذلك اتصل فورًا بأصحاب القوة الكثيرين داخل خط الدفاع وأبلغهم باكتشافه

جذب هذا الوضع انتباههم بسرعة، وبعد وقت قصير، أضاءت البوابات الواحدة تلو الأخرى، وظهرت إلى جانبه شخصيات كثيرة

بعد أن خرج شيخ بشري نحيل وهزيل من إحدى البوابات، عقد حاجبيه وهو ينظر إلى المشهد من حوله، فقد استطاع أن يشعر بوضوح بوجود شيء مقزز في المناطق المحيطة، رغم أنه لم يكن مرئيًا بالعين المجردة

بعد أن فكر للحظة، ألقى نظرة على زملائه الذين كانوا يعقدون حواجبهم أيضًا، ومد إصبعه الذابل

وفجأة، انطلق تيار ذهبي من طرف إصبعه مباشرة نحو السماء، ثم انفجر فجأة على ارتفاع مئات الأمتار، وتحول إلى قطرات لا تُحصى من الضوء الذهبي النقي، هبطت ببطء من السماء، وكأن مظلة ذهبية هائلة تغطي المناطق المحيطة

وفي هذه اللحظة تحديدًا، وتحت إضاءة تلك الأضواء الذهبية، تمكن الجميع، بما في ذلك الجنود الذين كانوا ينظفون ساحة المعركة، أخيرًا من رؤية وجود تلك الطاقة السوداء…

“شهقة…”

“ما هذا الشيء بالضبط…”

راقبوا الطاقة السوداء التي كانت تتدفق باستمرار نحو مكان بعيد من خط الدفاع بأكمله، بل ومن خارجه أيضًا

وشعر كثير من أنصاف الحكام بموجات من التوقعات المشؤومة، فقد كان ذلك قلقًا نابعًا من المجهول

وفجأة، انبعثت من أحد أنصاف الحكام هالة غريبة، وكانت قوة تكشف عن إحساس بالاتساع والسمو

ومع ظهور هذه الهالة، بدا أن الطاقة السوداء التي لم تكن تهتم بهم سابقًا قد تعرضت لاستفزاز شديد، فانفصل جزء منها فجأة وتحول إلى مد أسود اندفع نحوه

“أزيز…”

بملامح قبيحة، لم يستطع نصف الحاكم سوى مراقبة القوتين وهما تستهلكان بعضهما هناك

وبخلاف شعوره بأن القوة داخل جسده تشعر بنفور شديد من تلك الطاقة السوداء، لم يعرف أي شيء آخر

عندما شاهد نصف حاكم من عرق الإلف هذا المشهد، شعر فجأة بأنه مألوف نوعًا ما، وكأنه رأى وصفًا مشابهًا في مكان ما، لكن لأن تلك الذكرى نفسها لم تكن مهمة، ولأنها كانت بعيدة جدًا، لم يتمكن من تذكرها للحظة

وبعد بضع دقائق، بينما كان الجميع يناقشون ما إذا كان عليهم التوغل داخل [الأرض الملوثة] ضمن خط الدفاع للتحقيق في الوضع

“دوي مدوٍّ!!”

ترافق ذلك مع صوت رعد مرتفع

وتحولت السحب في السماء من صافية ومشرقة إلى قاتمة خلال غمضة عين، مما جعل الناس يشعرون ببعض الاختناق

“هطول، هطول، هطول…”

وجاء المطر الغزير بصورة مفاجئة تمامًا مثل تغير السماء

مد نصف الحاكم من عرق الإلف يده ليلتقط بعض قطرات المطر الحمراء بلون الدم المتساقطة من السماء، وتذكر أخيرًا تلك الذكرى البعيدة

كان ذلك شيئًا رآه في الأساطير القديمة لعرقه عندما كان صغيرًا

وإذا كان عرق الإلف، الذي ينتمي إلى الأنواع طويلة العمر، يعد ذلك من الأساطير القديمة، فمن السهل تخيل مدى قدمه

“دوي…”

رفع رأسه ونظر إلى آلاف الصواعق الحمراء التي كانت تتقلب باستمرار داخل السحب في السماء، وتصبغ الفضاء القريب بلون أحمر كالدم

وبعد أن تردد قليلًا، قال نصف الحاكم من عرق الإلف للشيخ المجاور له، الذي أطلق الضوء الذهبي قبل وقت قصير: “هل سبق أن سمعت عن الشر القديم؟”

“همم؟”

ظهرت الحيرة على وجه الشيخ الهزيل عند سماع سؤاله

بدا ذلك الأمر بعيدًا عنه حقًا، ففي النهاية، كان جزءًا من تاريخ أسطوري يعود إلى مئات الآلاف من الأعوام

“همم!”

لكن بعد أن فكر في الوضع الحالي، اهتزت ملامحه

ولم يستطع منع نفسه من توسيع عينيه وهو ينظر إلى السماء بعدم تصديق

وبعد أن تذكر السجلات السرية الكثيرة داخل عرق الإلف، قال بملامح شديدة القبح: “هل تقصد أن شرًا قديمًا يوشك على الاستيقاظ في مكان قريب؟”

نظر نصف الحاكم من عرق الإلف إلى العدد المتزايد من الصواعق الحمراء كالدم في السماء، وأجاب دون يقين: “هناك هذا الاحتمال…”

كشف الشيخ عن أسنانه، ثم تنهد بملامح قلقة: “…هذا خبر سيئ للغاية حقًا…”

“وأنا أرى ذلك أيضًا”

وافقه نصف الحاكم من عرق الإلف بشدة

كان ما يُسمى بالشر القديم كيانًا شريرًا قويًا تطور من كمية لا تُحصى من الطاقة السلبية في بداية ولادة العالم

وأمامهم، كان الحكام الشريرون الذين يكرههم الجميع أشبه بأطفال طيبين ومطيعين

كانوا مجانين وأقوياء ومتعطشين للدماء!

ولأنهم كانوا تجمعًا سلبيًا من العالم، ويرمزون إلى جزء معين من قوانينه، فلم تستطع أي وسيلة قتلهم، حتى الطرق التي تدمر كل جزء من لحمهم وأرواحهم، ويمكن وصفهم بأنهم أقوياء ومقززون في الوقت نفسه

وفي هذه الحالة، لم يكن بين الحكام سوى عدد ضئيل جدًا من أصحاب القمة القادرين على مواجهتهم

دُمرت أعداد لا تُحصى من الكائنات الحية بأيديهم، حتى نهاية العصر القديم، حين عجز الحكام الكثيرون عن تحملهم أكثر، فاتحدوا مع أعراق لا تُحصى من الفانين، ودفعوا ثمنًا هائلًا لنفيهم إلى عوالم أخرى، وجعلوا عودتهم مستحيلة إلى الأبد

كانت تلك معركة عظيمة تضاهي غزو الهاوية!

وقيل إنها تسببت مباشرة في اختفاء نصف اليابسة والمحيطات، كما انخفض بسببها العدد الإجمالي للكائنات الحية في العالم كله إلى النصف

وفي هذه اللحظة، عندما سمع الشيخ الهزيل بعلامات ظهور ذلك الشيء في مكان قريب، شعر فورًا بخوف عميق، وأراد حقًا اغتنام الوقت والفرار بأسرع ما يمكن

لم يكن ذلك الشيء حقًا مما يستطيعون التعامل معه، إذ كان لا بد على الأقل من نزول حاكم بمستوى الحاكم الرئيسي حتى يتمكن من مجاراة الشر القديم

أما الاعتماد على هذه المجموعة وحدها، فإن واجهوه حقًا، فلن يكونوا سوى ذاهبين لتقديم حياتهم، وسيموت كل من يتقدم نحوه

دون أي قدرة على المقاومة

التالي
87/110 79.1%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.