الفصل 153
الفصل 153: المقامرة على مستقبل الطائفة
حين تطوّع الحاكم المكرم مبيد الساميين من تلقاء نفسه، بدأ كثير من التلاميذ في القاعة يتناقشون بحماس
«طالما سمعت أن سيف هدم السماء وتحطيم الأرض عند الحاكم المكرم مبيد الساميين لا يُجارى، تُرى هل سنحظى بمشاهدته هذه المرة»
«يُقال إنه متى أُطلق هذا السيف خيّم الصمت على السماء والأرض، وصارت القوانين كلها باطلة»
«إن موت مزارعي قارة الولايات التسع على يد سيف الحاكم المكرم مبيد الساميين هو شرف لهم»
«فرصة طيبة لنجعل هؤلاء الضفادع في قاع البئر يرون ما هي القوة الحقيقية»
كثير من المزارعين الحاضرين لم يشعروا بضغوط كبيرة، فطائفة شياطين ابتلاع السماء قوية إلى حد مذهل، ومع أن قارة الولايات التسع كانت قوية يومًا فقد خَبَت قوتها منذ زمن
وكانوا يريدون أن يروا من ذا الذي يتجرأ على معارضتهم هذا العمى
جلس حاكم بحر الكارثة في المقعد الرئيس، وكانت نظرته عميقة كهاوية
راقب تلهّف الحاكم المكرم مبيد الساميين وهو يوازن الخيارات
ومع أن زراعة الحاكم المكرم مبيد الساميين ليست من الطبقة الأعلى، فإن براعته في درب السيف فريدة حقًا، ولا سيما حركته «أسياف الإبادة الستة رقم 23»، فقوتها استثنائية، ولا يجرؤ غير الحُكّام الأربعة الأوائل أن يزعموا تمكنهم من صدّها بثبات
«جيّد»
تكلّم حاكم بحر الكارثة بتمهّل، وصوته الخفيض غطّى ضجيج القاعة
«ما دام لدى الحاكم المكرم مبيد الساميين هذا الاهتمام، فلتكن خطوتك أنت وتقدّم الهدية الكبرى الأولى لقدوم طائفتنا المكرمة إلى الولايات التسع»
ثم حوّل نظره إلى الحاكم المكرم مبيد الساميين
«لكن أنهِ الأمر بسرعة، لا تؤخّر العمل الأساس، ولا تتوغّل فتُحدث المتاعب»
كان في نفسه شيء من القلق من تدخّل رجال أرض القداسة في الولاية الوسطى
ارتسمت ابتسامة على شفتي الحاكم المكرم مبيد الساميين، وتلألأ قصد السيف في عينيه
«اطمئن يا أخي الأكبر بحر الكارثة، سيف واحد يكفيني»
ثم التفت إلى تلميذه وقال
«هاتِ نبيذًا روحيًّا وسخّنه. ومتى ذبحت ذلك الجاهل عدت لأستلذّ هذا النبيذ الطيّب ونحتفل بالافتتاح»
«أمرُك»
فأجابت امرأة بثوب أحمر من بين الحشد باحترام، وقدّمت إبريقًا يَشَميًّا بعناية
«دعني أسخّن لك إبريقًا»
أومأ حاكم بحر الكارثة إيماءة خفيفة ونقَر بإصبعه، فتحوّلت نفحة من طاقة شيطانية نقية إلى لهب أزرق هادئ، علِق تحت الإبريق اليشمي وراح يحترق ببطء
ومع تسخين النبيذ الروحي باللهيب الشيطاني انبعثت منه خيوط عطرٍ منعشة
«شكرًا لك يا أخي الأكبر»
ضمّ الحاكم المكرم مبيد الساميين كفّيه، ولمعت في عينيه لمحة زهو
فمجرد أن يُسخّن له الأخ الأكبر بحر الكارثة النبيذ بنفسه يزيده وجاهة
ولم يقل المزيد، بل تأرجح ظلّه وتحول إلى ضوء أسود قاتم شقّ الفضاء، فاخترقه في لحظة واختفى في السماء
ثم أخرج الشاب ذو الشعر الأزرق مرآة عتيقة تستطيع أن تعرض كل ما يحدث في الخارج في الهواء
فرأى الجميع المشهد واضحًا كأنهم فيه
…
كانغتشو الشرقية
في تلك اللحظة أخذ الخبر عن طائفة شياطين ابتلاع السماء ينتشر تدريجيًا في أنحاء الأرض
وفي طائفة شنشوان اجتمع جميع الشيوخ، ومنهم لو فان ولي تايتشينغ وغيرهما، وكان معظمهم يقطّبون الوجوه
جلس شوان وي تسي في مقعد سيّد الطائفة، وإلى جانبه الشيوخ الكبار، حتى هؤلاء لم يكن عندهم جواب
لقد ازداد عدد تلاميذ طائفة شنشوان أضعافًا عمّا كان، وبالمقابل تعقّدت شبكات العلاقات كثيرًا، وصارت المصالح الراسخة أكثر بكثير من قبل
ولم يكن الجميع مستعدّين لأن يتعايشوا أو يفنَوا مع الطائفة
وبالطبع لم يكونوا يفكرون بأنفسهم فقط، بل كذلك بالقوى التي وراءهم، وبذريّاتهم وتلاميذهم
بمعنى آخر، في الأحوال العادية يتمتعون بمنافع الطائفة، فيلوذون بطاعتها طوعًا، أما حين يصل الأمر حقًا إلى لحظة الحياة والموت فلهُم رأي آخر
«آه»
تنهد شوان وي تسي
لقد غدت الطائفة أقوى
الشخصيات خيالية، حتى لو حملت مشاعر قريبة من الحياة.
لكنها، مقارنة بما كانت عليه حين قاومت طائفة الشيطان السماوي، بدت كأنها فقدت شيئًا من روحها، شيئًا من حميّتها
وكان هذا مما توقعه، لكن حين جاء اليوم حقًا شعر بحزن لا يُدرى سببه
كان لي تايتشينغ تلميذ هان شوانجي، فانتماؤه لطائفة شنشوان أمر طبيعي، لكنه لم تكن له روابط كثيرة بالطائفة نفسها، فلما رأى بعض الناس يخططون للفرار خوف التورّط لم يتمالك الغضب
غير أن لو فان هز رأسه وجذبه إلى الوراء
لم يكن ذلك لأنه لا يؤيد لي تايتشينغ، بل لأنه أراد أن يرى كم من الناس مستعدّ للثقة بالطائفة وبهان شوانجي
ظلّ الهواء ساكنًا زمنًا طويلًا
وعاد وجه شوان وي تسي إلى طبيعته تدريجيًا، فأخذ نفسًا عميقًا وقال
«إذا كان الأمر كذلك، فمن أراد الرحيل فله ذلك، لكن جذور طائفة شنشوان هنا، ولو رحلت أنا سيّد الطائفة فهل أجعل أسلاف الطائفة أضحوكة»
«أنوي البقاء»
وما إن حسم أمره حتى تنفّس شوان وي تسي الصعداء
وفي أسوأ الأحوال ليس إلا الموت
والحقيقة أنه لم يستسلم للمصير، بل وثق بهان شوانجي، أو قل إنه راهَن
راهَن أن قوة هان شوانجي تفوق خياله
لأن معرفته بهان شوانجي أعمق من كثيرين
فلو لم تكن هناك فرصة للفوز حقًا لما تحرّك هان شوانجي
وبالطبع لم يفهم كثيرون ذلك
لكن لي تايتشينغ ومن معه ارتسمت على وجوههم ابتسامات، وأومؤوا سرًا
لقد كان سيّد الطائفة حقًا جديرًا بالإعجاب
وما إن همّ لي تايتشينغ أن يقسو في القول ليجعلهم لا يندمون لاحقًا
حتى كان خارج بوابة جبل طائفة شنشوان في كانغتشو الشرقية
السماء ملبّدة، وريح الجبل تعوي
وارتدّ صوت من فوق السماوات التسع يهز الغيوم
«أنا هذا الحاكم، الحاكم المكرم مبيد الساميين من طائفة ابتلاع السماء المكرمة، سأسحق طائفة شنشوان اليوم لتكون عبرة، لأن سيد سيف من طائفة شنشوان قتل واحدًا من تلاميذ طائفتنا»
ارتدّ صوت الحاكم المكرم مبيد الساميين البارد الخالي من العاطفة كأنه حكم للدرب الكوني، مجلجلًا في الآفاق
وما إن انتهت الكلمات
حتى انتاب الجميعَ في طائفة شنشوان قشعريرة في الظهور
وشعروا بقصد سيف مرعب كأنه من أعماق العالم السفلي، يهبط كموج طامّ ينهي العوالم
وفي لحظة اصطبغت السماء كلها بلون رمادي كئيب
وأنّث الأرض، واهتزت الجبال والأنهار، وبدت الموجودات كلها توشك على الوفاة، وكل ذي إدراك للموت شعر باليأس
وظلّ سيف أسود حالك لا يُوصف ضخامته، كأنه من العالم السفلي، يحمل قوة تفني الأحياء جميعًا
«أسياف الإبادة الستة رقم 23»
كان هذا السيف زبدة ما درس من درب السيف طوال حياته
وفي داخل طائفة شنشوان ارتعد لا حصر له من التلاميذ تحت سطوة هذا السيف المُهلِك للعالم، وشحبَت وجوههم
وكادت عينا شوان وي تسي والآخرين تنشقّان وهم يفعّلون تشكيلة حماية الجبل، لكنهم شعروا–أمام قصد السيف ذاك–كأنهم يصدّون عربة بذراع فرس النبي
وعند هذه اللحظة فقط أدركوا كم هو مرعب العدو الذي يواجهونه
«أهذا هو العدو الذي كان المعلم يواجهه دائمًا»
قبض لي تايتشينغ قبضتيه محاولًا أن يحافظ على هدوئه
وعلى الجانب الآخر وسّع تلاميذ طائفة شياطين ابتلاع السماء عيونهم وتوقفت أنفاسهم
فحتى عبر المرآة العتيقة استطاعوا أن يستشعروا قصد السيف ذاك الذي يفني كل شيء
هذه هي سطوة الحاكم
وهذا هو سيف هدم السماء وتحطيم الأرض؛ وقد خُيّل لهم أنهم يرون طائفة شنشوان تتحول إلى غبار
وأومأ حاكم بحر الكارثة قليلًا هو الآخر، فسيف الحاكم المكرم مبيد الساميين
قوته معتبرة، حتى هو ينبغي أن يأخذه على محمل الجد وألا يستهين به

تعليقات الفصل