الفصل 159
الفصل 159: جميع الكائنات
«أنا؟»
تجمّد لي وينتيان ولم يملك إلا أن يسأل: «لقد أولاني السيّد فضلًا عظيمًا، فإن كان ثَمّ ما أستطيع المساعدة فيه… فتفضّل بالأمر»
«غير أن هذا التلميذ بليد، ولا يدري أيَّ نفعٍ يمكن أن يجلبه»
«هاهاها»
قهقه السلف الأكبر لابتلاع السماء وقال: «يا تلميذي الصالح، عليك أن تزرع في هدوء، وجميع موارد الطائفة مبذولةٌ لك كما تشاء»
«ومهما كان أقوياء السماوات التسع أشدّاء، فهذا السلف ليس بالهين كذلك»
«هممم»
رفع لي وينتيان رأسه فجأةً، وفي عينيه حيرةٌ وشيءٌ من نذير السوء، لكنه قال بأدب: «شكرًا لك، يا سيّدي»
…
وعلى الجانب الآخر
وبينما ذاع صيتُ سيف قاتل الشياطين ذي العمر الطويل في السماوات التسع، كان هان شوانجي قد غادر السماوات التسع خفيةً وبلغ فوق البحر اللا متناهي
وقد بلغَت خطوات تايشو التسع عنده مرتبة الإنجاز الكبير الآن
فكل خطوةٍ يخطوها تعبر أميالًا لا تُحصى، وإذا جمعها بجزمة وطء النجوم للسماوات التسع صار اجتياز عالم الروح لحظةً عابرة
غير أن الاستهلاك لم يكن هيّنًا بطبيعة الحال
«شارفتُ على الوصول»
وقف هان شوانجي ويداه خلف ظهره، واهتزّ قلبه اهتزازًا خفيفًا
وبذاكرةِ ما ظفر به من تفتيش الروح، وبالهالة التي قفلها، لم يلبث أن قطع جزرًا لا تُحصى حتى بلغ قارة لين يوان
وكان السلف الأكبر لابتلاع السماء من طراز مَن ينمّي قوّته في الخفاء، ولم يُرِد هان شوانجي بطبيعة الحال أن يظل عدوٌّ كهذا متواريًا، فحسمُ أمره عاجلًا أريحُ للنفس
وكان الأهم أن هذه الطريقة في الزراعة الروحية شريرةٌ أكثر من اللازم
«ومع أن هالة هيئة السلف الأكبر لابتلاع السماء قوية، فإنها لم تتجاوز نطاق مرحلة الصعود العظيم»
«إن مزارعي هذه القارة لمنكودو الحظ حقًا»
وتحت حدقتيه المزدوجتين رأى كم كان البشر العاديون والمزارعون العاديون على هذه القارة في بؤسٍ شديد
قارة لين يوان، مدينة الحجر الأسود
السماء معتمة، وريحٌ باردةٌ تهبّ بلا انقطاع
وكان الجو مشبعًا برائحة دمٍ لاذعة، وعبقِ عفنٍ لا يوصف
وكان رجلٌ في منتصف العمر، تفوح منه رائحةُ انحلال، يُسحب على يد اثنين من تلاميذ إنفاذ القانون بثيابٍ سوداء معيارية خارجَ ساحةٍ آيلةٍ للسقوط، وكان الطوق الحديدي في عنقه لافتًا على نحوٍ خاص
كان وجهُ الرجل شاحبًا كالميّت، ومحاجرُ عينيه غائرةً جدًا
«كح كح… ارحم… ارحمني…»
كان صوتُ الرجل الأجشّ واهيًا
«لقد سُلبت زراعتي… امنحاني قليلًا من الوقت»
«تف»
بصق الرجلُ الأسود الثوب في غيظٍ، ثم ركل ساق الرجل، وقال غاضبًا
«خردة بلا نفع»
«لقد سلّمت زراعتك مرةً واحدةً فقط وصرتَ على هذه الحال، لقد بلغتَ مرحلة تأسيس الأساس يومًا بالاستعارة، والآن فحتى استخراج زراعتك لا يقدر أن يصوغ أدنى «حبة أصل شيطاني»»
«فأيُّ نفعٍ لك إذن»
«الأجدى أن نُدخلك لتكملة العدد ونزيد بك مادةً لـ «بركة الدم الشيطانية»»
وما إن سمع «بركة الدم الشيطانية» حتى فاض الرعب في عيني الرجل في منتصف العمر
«لا… لا…»
راح يتخبط متوسّلًا
«دعاني أعيش، ما زلتُ نافعًا… ما زلتُ أستطيع الزراعة»
«أأنت، على هذه الحال، لا تزال تقدر على الزراعة»
وأخرج رجلٌ طويلٌ آخر بثوبٍ أسود سوطًا شيطانيًا عن خصره في ضيقٍ، ولَسَع به جسدَ الرجل في منتصف العمر لَسعةً قاسية
«أتزعم أن لك جذرًا روحيًا من رتبةٍ عميقة، فكيف تكون بهذه الوضاعة»
طَقّ
صوتٌ صافي
وقد مزّقت الهالةُ الشيطانية الآكلةُ الملتصقة بالسوط جلد الرجل من فوره بشقٍّ عميقٍ يبدو منه العظم
فصرخ الرجلُ صرخةً حادّة، وارتجّ جسده بعنف، ووَهَت هالته أكثر في لحظة
«خذوه»
اذكر الله قليلًا، ثم أكمل رحلتك مع الأحداث.
قالها صاحب الثوب الأسود ببرود، ثم سحبوا الرجل الذي بات ككيسٍ ممزّقٍ نحو ساحة المدينة في الوسط، حيث تفوح رائحةُ دمٍ كثيفة
وكان المزارعون على الطريق ينظرون ببلادة، لا تعاطف في عيونهم، بل خوفٌ أعمق، وشيءٌ من… الارتياح لأنهم لم يُسحبوا
كان هان شوانجي يرقب المشهد في صمت
«أهذا… هو العالمُ تحت حكم طائفة ابتلاع السماء الشيطانية…»
تمتم هان شوانجي في قلبه، وفي عينيه برودُ جليدٍ عتيق يمتد لآلاف السنين
وفي حدقتيه المزدوجتين انعكس أصلُ الرجل وقد تآكله الخللُ من ثقوبٍ لا تُحصى كأن ديدانَ خشبٍ أكلته
وكان بحرُ طاقة دانتِيانه ذابلًا منكمشًا، وروحُه خافتةً كفتيلة زيتٍ توشك أن تنطفئ
وأما الطوق الحديدي في عنقه فكان كدودةٍ على العظم، تمتصّ بجشعٍ آخر ما تبقّى من حيويته
وكان هذا الرجل في الأصل إنسانًا عاديًا كُشفت ملاءمتُه للزراعة الروحية، وفي منظومة طائفة ابتلاع السماء الشيطانية يمكن القول إن مصيرَه كان مرسومًا بجلاء
وكان في انتظاره أن تُسرق زراعته، ثم يصير غذاءً لبركة الدم الشيطانية، ويباد تمامًا في ألمٍ لا ينتهي
وأولئك هم صورةُ معظم المزارعين على هذه القارة
«يا سلفَ ابتلاع السماء… لَتستحقّ أن تموتَ عشرة آلاف مرة»
تنهد هان شوانجي قليلًا
ولم يشهر سيفًا، ولم يزِد فعلًا فوق ذلك
وإنما حدّق قليلًا في التلميذين العابسي الوجوه
فنزلت عليهما حالًا قوةٌ غير مرئية
وتجمّدت ابتسامتاهما الخبيثتان من فورهما
وكتمثالين منمنمين، ثبُتا في مكانهما، لا تتحرك حتى مقلتاهما قيد أنملة
وحملق الرجل في منتصف العمر في المشهد الغريب أمامه ذاهلًا، لا يفهم ما وقع
وتقدّم هان شوانجي بخطىً وئيدة حتى بلغ جنب الرجل
وألقى نظرةً إلى الطوق الحديدي المنذِر بالشؤم، وقطّب حاجبَيه قليلًا
ثم مدّ سبابة يده اليمنى وربّت رَبْتةً خفيفة على الطوق
فشش
صوتٌ خافت
وتهشّم الطوق الحديدي، المصنوع من معدنٍ خاصٍ والمنقوش بنقوشٍ شيطانية معقّدة، إلى غبارٍ في لحظة
وزال فجأةً شدُّ الامتصاص الذي كان يقيّد جسد الرجل
فشعر الرجلُ بخفّةٍ في بدنه كأن حملًا وزنه ألف رطلٍ قد أزيح عنه
وعلى أن جسده ما يزال شديد الضعف، إلا أن الإحساس المفزع باستنزاف حياته المتواصل قد زال أخيرًا
ورفع نظره إلى هان شوانجي في ذهول، وعيناه ممتلئتان بصدمةٍ لا تُصدّق
«شكرًا… شكرًا لك… أيها السيّد من ذوي العمر الطويل لإنقاذ حياتي…»
اختنق صوته، فهو أجشّ
ولما أبصر هان شوانجي ظنّ أنه رأى ذا عمرٍ طويلًا حقًا
ولم يُجب هان شوانجي، وإنما لمع في عينيه خيطُ ضوء
وعلى أن هذا الومض لا يقدر على ترميم أصلِه المثقّب تمامًا، إلا أنه كافٍ ليستبقي آخر خيطٍ من حيويته فلا يموت قريبًا
وانحنى الرجلُ في منتصف العمر شاكرًا، ثم قال
«أيها السيّد من ذوي العمر الطويل، عليك أن تغادر سريعًا، فإن علمَ أهلُ الطائفة المكرّمة فلن يدَعوك وشأنك»
«لا بأس»
كان صوتُ هان شوانجي هادئًا، وفيه قوةٌ لا تُردّ
«أنت، عليك أن تبحث عن مكانٍ تعيش فيه أولًا»
«وسيمضي كل شيءٍ قريبًا»
…
مدينة ابتلاع السماء المكرّمة
وعلى نقيض ما في مدينة الحجر الأسود من قحطٍ ويأس، كانت هذه نواةَ حكم طائفة ابتلاع السماء الشيطانية، وموضعَ اجتماع خلاصة الأرواح التي لا تُحصى
وفي داخل المدينة انتظمت مبانٍ مهيبة ومجمعاتُ قصورٍ فسيحة في صفوفٍ منسّقة
وتحرّك عددٌ لا يُحصر من تلاميذ الطائفة الشيطانية الأقوياء بهالاتٍ شيطانيةٍ هادرة، في حللٍ فاخرة ووجوهٍ متعالية، وكان أدنى مقامٍ بينهم فوق مرحلة تحوّل الروح
وهنا ترى أصحابَ مرحلة عودة الفراغ في كل مكان، وبين الفينة والأخرى تلوح أشباحُ أصحاب مرحلة اتحاد الجسد ومرحلة عبور المحنة
كانت جنّةً للأقوياء، وجحيمًا للضعفاء

تعليقات الفصل