الفصل 188
الفصل 188: هل يريد الراهب الأكبر قبول تلميذ؟
عند هذه الكلمات خيّم الصمت على القاعة
لا عائلة تشتكي من وجود تلاميذ نوابغ كُثر
عَبَس السيّد ذو العمر الطويل يانيانغ قليلًا، فمع أنّ قمة القبة الأرجوانية هي القمة الرئيسة لمسلك الحبوب، فإن طلب شخص بهذه المباشرة «المتسلطة» كان نوعًا ما
بدا الشيخ تشينغمُو كأنه قرأ أفكار الجميع، فابتسم ابتسامة خفيفة وتابع قائلًا
قال: «ليس هذا قصدي، بل هو قصد سيّدة القمة»
وما إن سمعوا ذلك حتى تغيّرت تعابير الجميع في القاعة على الفور
تجمّد وجه السيّد ذو العمر الطويل يانيانغ بوضوح، إذ بدت سيّدة القمة تريده هو، فهل يا ترى كانت السيدة ذات العمر الطويل المكرمة يُهِنغ قد علمت بأمر ذي الحدقتين هذا
لقد تولّت السيدة ذات العمر الطويل المكرمة يُهِنغ، سيّدة قمة مسلك الحبوب، رئاسة مسلك الحبوب في قصر لينغشيو السماوي لعشرات الآلاف من السنين، وكانت زراعتها الروحية عصيّة على القياس، وبلوغها في طريق الحبوب عميقًا للغاية
بل حتى في نطاق لينغشيو لذوي العمر الطويل، لا بل ضمن البشر كافة، كانت نادرة المثال بين أساتذة طريق الحبوب الكبار
كم من النوابغ تَمنّوا أن يصبحوا تلاميذها فلم يقدروا
وطوال زمن طويل لم تكن تقبل إلا النوابغ الفذّة تلاميذ، ولم تكن تلتفت إلى ذوي المَلَكة الممتازة، وغالبًا ما كانت تأخذ التلاميذ على أساس المَقدَر
وحتى الآن كانت السيدة ذات العمر الطويل المكرمة يُهِنغ قد قبلت أكثر من مئة تلميذ مُسمّى، لكن خمسةً وثلاثين تلميذًا شخصيًا فقط، ولم تقبل تلميذًا منذ آلاف السنين
أيمكن أن سيّدة القمة توشك أن تقبل تلميذها السادس والثلاثين
إن حدث ذلك فسيُحدث بلا شك ضجّة كبرى في مسلك الحبوب كله، إذ ينبغي العلم بأن مسلك الحبوب قد قبل على مرّ السنين تلاميذ نوابغ كثيرين، وهؤلاء لم تكن زراعتهم الروحية عالية فحسب، بل تعلّموا طريق الحبوب منذ الصغر، متفوّقين على أقران لا يُحصَون
والآن، تلميذ جديد تمّ اختياره بعين بصيرة من سيّدة القمة لا بد أن يُحدث ضجة
سعل الشيخ تشينغمُو خفيفًا وقال: «هذا قصد سيّدة القمة، وأنا مجرد مُبلِّغ، فالأفضل ألا نتكهّن»
ابتسم الشيخ تشينغمُو ابتسامة خفيفة، لكن كبرياءً عميقًا في عينيه كان واضحًا
أومأ السيّد ذو العمر الطويل يانيانغ وهو يشعر بانقباض
فهم لا يجرؤون على التشكيك أدنى تشكيك في قصد سيّدة القمة، وقدرة مسلك الحبوب على أن يكون مسلكًا رئيسًا في قصر لينغشيو السماوي وأن ينافس حتى على المراتب الثلاث الأولى إنّما يقوم في جوهره على قدرة سيّدة القمة
فكثير من حبوب ذوي العمر الطويل ذات ثماني دورات لا تستطيع صوغها إلا سيّدة القمة، وتأتي قوى وأعراق كثيرة من نطاقات أخرى لذوي العمر الطويل تطلبها
قالت السيدة بيبو بعد صمت قصير وتبادل نظرات: «أن تُقدّره سيّدة القمة فذلك حقًا حظّ هذا الفتى»
وأبدى سائر سادة القمم والشيوخ موافقتهم أيضًا
لكن هان شوانجي زفر قليلًا، كأنه تعرّض بلا تفسير لنظرة شخصية عظيمة الشأن
لم يشعر بالسرور
فخُطّته الأصلية كانت أن يبقى منخفضًا، وتلميذٌ حقيقي في قصر لينغشيو السماوي الفسيح لن يلفت كثيرًا من الانتباه، أمّا إن قدرته سيّدة القمة فسيجذب الأنظار حتمًا
وبعض التلاميذ خلفه نظروا إلى ظهر هان شوانجي بعين الحسد
لماذا يحالف الحظ غيرهم هذا القدر
ورغم أنه لم يُقَل إنه سيؤخذ تلميذًا، فإنه سيحظى يقينًا بعناية خاصة لاحقًا، ولن تكون معاملته سيئة
عاد نظر الشيخ تشينغمُو إلى هان شوانجي مرة أخرى، ولاحظ أن تعبير هان شوانجي لم يتغير
لا تهزّه النعمة ولا الفضيحة، حسن
وقد يكون أيضًا أنه توقّع ذلك
فإن صحّ فهذا يزيده فرادة
وبينما يفكر في هذا وجد الشيخ تشينغمُو أن منظره يزداد قبولًا في عينه، فقال برفق: «شوانجي، من اليوم صرت تلميذًا في قمة القبة الأرجوانية، آمل أن تركّز على طريق الحبوب وألا تُضيّع موهبتك الفطرية»
انحنى هان شوانجي بهدوء وقال: «التلميذ يطيع توجيهات الشيخ بإجلال»
في الحقيقة ارتاع قليلًا، ثم بعد تفكير متأنٍ وجد أنها مجرد إشارة ولم يُقَل إنه سيُؤخَذ تلميذًا
ولوهلة لم يدرِ هان شوانجي أيفرح أم يَحزن
وانتهى النزاع حول مكان هان شوانجي
غادر هان شوانجي القاعة الكبرى بعد ذلك، وما إن رآه بعض التلاميذ يخرج حتى تركزت عليه أنظار لا تُحصى فورًا
حسد وفضول ولَمْحة غَيرة غير مخفية قليلًا… عواطف شتى تشابكت في الهواء
قال بعضهم همسًا: «تلميذ آخر ذو مَلَكة ممتازة، تُرى على يد من سيتتلمذ»
وقال آخرون: «الإدراج تلميذًا حقيقيًا يعني معاملةً أفضل بكثير من التلميذ الرسمي»
وتدفقت الهمسات كالموج
وحافظ هان شوانجي على سكينة تعبيره كأنه لم يسمع، يكتفي باتّباع المكلف شوانمينغ وهو ينهض في الهواء متجهًا نحو قاعة النقل
وكانت قمة القبة الأرجوانية، بوصفها القمة الرئيسة لمسلك الحبوب، تفوق سائر القمم فخامةً بكثير
فجسد القمة كله بدا بلون يشم أرجواني دافئ، والغيوم والضباب تدور حولها، وأنوار تتلألأ، والروحانية الكثيفة تكاد تتجسّد فتشكّل خيوط ضباب روحي تتهادى بين الجبال
غطّت الزهور النادرة والأعشاب النفيسة الجروف، وعشّشت الوحوش الروحية الثمينة في الغابات، وتخللت المكان أجنحة وأبراج وتانبو وحدائق أدوية لا تُحصى في مشهد ذي بهاءٍ خرافي
قاد المكلف شوانمينغ هان شوانجي إلى قاعة النقل، وكان فيها غير قليل من التلاميذ دخولًا وخروجًا، ووراء المنضدة الوسطى مزارع روحي في منتصف العمر
قال: «القادمون الجدد يأتون إلى هنا لاختيار كهوف ذوي العمر الطويل. غير التلاميذ الحقيقيين لا يختارون إلا المناطق الخارجية مهما دفعوا من أحجار الروح لذوي العمر الطويل، ويحصل التلاميذ الرسميون على خصم بنسبة 50%»
ولم يكن هان شوانجي وحده من انضم اليوم، فقد رأى أيضًا بعض المزارعين الروحيين بوجوه حائرة يصلون، على الأرجح يترددون ويفكرون في موضع كهوفهم، فلو أمكنهم القرب من ساحة الطريق في القمة الرئيسة لكان ذلك الأفضل طبعًا
وبما أن هان شوانجي وافد جديد فقد رصده سريعو الملاحظة بيسر، لكنه لم يجذب كثير انتباه
كان المزارع الروحي في منتصف العمر يحمل لوحًا من اليشم غارقًا فيه، ولما شعر بوصول هان شوانجي لم يرفع رأسه حتى
قال: «الأدنى عشرة أحجار روح لذوي العمر الطويل في الشهر، وللقادمين الجدد أول عشر سنوات مجانًا، اختاروا بأنفسكم»
كان الإيجار مرتفعًا بحق
فبعد القدوم إلى العالم العلوي تغيّرت كلفة المعيشة تمامًا
سعل المكلف شوانمينغ خفيفًا وقال موضحًا هوية هان شوانجي: «أخانا الأكبر داويانغ، هذا أخونا الأصغر هان، التلميذ الحقيقي الجديد، فلا تُهمله»
وما إن سمع حتى ارتجف «الأخ الأكبر داويانغ» الغارق في لوح اليشم كله، وكاد أن يُسقِط اللوح من يده
رفع رأسه فجأة، فتلاشت الكسل من وجهه من فورها بلا أثر، وحلّت محلها دهشة ولمحة هلع
قال: «يا ساتر يا أخي الأصغر شوانمينغ، لِمَ لم تقل ذلك من قبل»
هبّ الأخ الأكبر داويانغ واقفًا فجأة، وانفرج وجهه عن ابتسامة وُدٍّ مفرطة، بل فيها قليل تملّق، على خلاف تام مع بروده وعدم رفع رأسه قبل قليل
ولما وقع بصره على اللوحة اليشمية في خصر هان شوانجي، التي ترمز إلى مكانته كتلميذ حقيقي، انكمشت حدقتاه قليلًا، وقال سريعًا: «يا أخي الصغير… لقد قصّرت آنفًا، هذا حقًا تقصير، تقصير»
فلا ينبغي أن يترك انطباعًا سيئًا لدى هذا التلميذ الحقيقي، فهؤلاء جميعًا شخصيات عظيمة في المستقبل
وشهِد التلاميذ القريبون أيضًا هذا التحول السريع في استقبال الأخ الأكبر من متعالٍ إلى متواضع، فأبدوا جميعًا وجوهًا كأنهم رأوا شبحًا
وأخذوا يتهامسون في خلفية أذهانهم حول خلفية هذا الشاب الوافد الذي استطاع أن يُربك الأخ الأكبر داويانغ، المسؤول عن توزيع كهوف ذوي العمر الطويل والذي يكون له عادةً مهابة غير قليلة
ظلّ تعبير هان شوانجي هادئًا، واكتفى بأن أومأ قليلًا وقال: «تبالغ يا أخي الأكبر داويانغ، أنا جديد هنا، فلتجرِ الأمور وفق القواعد»
قال الأخ الأكبر داويانغ وهو يلوّح بيديه مرارًا وابتسامته تتسع: «القواعد جامدة والناس أحياء، فكيف يُعامَل الأخ الأصغر هان، وهو تلميذ حقيقي، معاملة التلاميذ العاديين»
وبينما يتكلم رمق التلاميذ الجدد الفضوليين بنظرة خاطفة، فجعلهم ضغطٌ غير مرئي يطأطئون رؤوسهم سريعًا فلا يجرؤون على مزيد نظر
وفي الوقت نفسه مسح بنظره سريعًا المكلف شوانمينغ، وفيه سؤال ولمحة تملّق لا تكاد تُرى
وقد التقط المكلف شوانمينغ ردّة فعل داويانغ ففهم
سعل قليلًا وتقدم خطوة نصفية كأنها عفو الخاطر أقرب إلى داويانغ، ثم بصوت منخفض وفيه مسحة غموض لا يسمعها سوى الاثنين قال: «أخانا الأكبر داويانغ، أخونا الأصغر هان ذو مَلَكة «ممتازة»، ويمتلك موهبة نادرة جدًا، وقد قُدِّر من قِبَل جهة عليا، فلا بُدّ أن تهيّئ له موضعًا حسنًا ولا تُقَصِّر معه»
ولم يصرِّح كثيرًا، لكنه ألمح بما يكفي، فخطر لداويانغ أمرٌ ما
لقد كان أحدهم قد طلب منه سابقًا أن يجري ترتيبات، قائلًا إن نسلَ شخصية عظيمة سيأتي، وعليه أن يوليه اهتمامًا
ويبدو أنه كان الأخ الأصغر هان الواقف أمامه

تعليقات الفصل