تجاوز إلى المحتوى
الزراعة الروحية بدأت بتوقيع موهبة الخالد

الفصل 190

الفصل 190: التدرب في الكهف

في هذه الأثناء تحوّل هان شوانجي إلى خيط من الضوء، وانطلق بسرعة في الاتجاه الذي أشارت إليه صور قرص اليشم

تلاطمت حوله السحب والضباب، وكلما توغّل ازداد صفاء الطاقة الروحية، حتى توقّف أخيرًا أمام فجوة جبلية يغمرها توهّج خافت من الفوضى الأولى

عند المدخل انتصب نصب من الحجر الأزرق في هيبة، وقد نُقشت عليه بثلاثة أحرف قديمة عبارة حديقة الظواهر التي لا تُحصى بخطوط قوية كأنها تحمل إرادة لا حدّ لها من فجر تكوّن العالم، فتجعل سجية القلب ترتجف عند النظر

أخرج هان شوانجي رمزه، وما إن اقترب حتى أضاء النصب بضوء أزرق، وانفتح القيد غير المرئي أمامه

لمّا خطا إلى الداخل انجلت الرؤية فجأة

لم يكن هذا كهفًا عاديًا لذوي العمر الطويل

بل كان بجلاء عالمًا مصغرًا قُطع قسرًا ونُقل إلى هنا على يد مستخدم قدرة عظمى

كانت المساحة الداخلية أوسع بما لا يُقاس مما يُرى من الخارج، بتضاريس متموجة، وتلال حاضنة، وجداول صافية تُغرغر، وأودية عميقة تشوبها غلائل من الضباب

أشجار عتيقة ملتوية كأنها تنانين ارتفعت إلى السماء، ونباتات غاية في الكثافة، وأزهار ونباتات نادرة تنمو بحرية وتنفث أنوارًا روحية شتى، فتُضيء العالم كله كالحلم

وسرت في الجو هالة لا توصف، فالطاقة الروحية هنا ليست من سِمة واحدة، بل طاقات لا تُحصى من قوى السماء والأرض المتمايزة والمتعارضة أحيانًا—معدن وخشب وماء ونار وتراب ورياح ورعد وجليد ونور وظلام—تتشابك وتجري هنا في حالٍ غريب كأنها في الفوضى الأولى

رفع هان شوانجي رأسه، فإذا السماء كأنها ستار يتبدّل ألوانًا على الدوام، تارةً مثل لهيب ملتهب في الأفق، وتارةً كصقيع يغطي الأرض، ثم يغدو في لحظة مجرةً سائلة، كأنه إسقاط مصغر لطاقة الأصل في العالم كله

يا لها من حديقة الظواهر التي لا تُحصى، فوضى أولى تستوعب كل شيء، وتعقيد سِمات الطاقة الروحية هنا واتساعها يطابقان تمامًا جسدي الروحي الحق للفوضى وصيغة ذوي العمر الطويل للبداية العظمى

فاضت في قلب هان شوانجي فرحة لا تُكبح، وأخذ نفسًا عميقًا، فاندفعت الطاقة الروحية الشاملة إلى أطرافه وعظامه، حتى كأن كل خلية تهتف

ومع أرض كنوز كهذه، لِمَ القلق من عدم بلوغ الدرب العظيم، فاليوم الواحد من الزراعة الروحية هنا قد يفوق مئة يوم من الكدّ في العالم الأدنى

وبينما كانت سجية قلبه تتدفق وهو يتذوق بعناية هذا المحيط النادر، جاءت من عمق الحديقة تذبذبات طاقة دقيقة وقوية في آن، واقتربت سريعًا من بعيد

شقّت ثلاث هيئات الضباب الروحي الدوّار، وبلغت سريعًا أمام هان شوانجي، وكانت حركاتهم متناغمة تمامًا وهم ينحنون تحيةً، وقد امتلأت أصواتهم توقيرًا قائلين: تحياتنا يا سيدنا، مرحبًا بك في حديقة الظواهر التي لا تُحصى

كان المتقدم شيخًا برداء رمادي ووجهٍ نحيل، لكن في عينيه بريق فطنة

وخلفه رجلان قويان بُسِطا درعين من ذهب غامض ثقيل، وعضلاتهما تتورم كجبال، منتصبين كالصنوبر، وهالاتهما عميقة راسخة

ومع أن الثلاثة بهيئات بشرية لا يختلفون في الظاهر عن الناس، فإن هان شوانجي، بعد تدقيق، علم أنهم ليسوا من بني البشر، بل دمى روحية

دعوا الرسميات

تماسك هان شوانجي ومسحهم بنظرة هادئة

من الذي أبقاكم هنا

تقريرًا يا سيدنا

أجاب الشيخ الرمادي وانغ فو بانحناءة واحترام، وصوته خالٍ من الانفعال

هذا الخادم العجوز وانغ فو، ومعه القويان تشاو لونغ وتشاو هو، كلّنا دمى خاصة صاغها بعناية كبرى كبير أساطين صياغة الأدوات في الطائفة، وقد أوكل إلينا الاعتناء بالنباتات الروحية العديدة في الحديقة، وتشغيل شتى القيود في الكهف الخاص بذوي العمر الطويل، والتكفّل بكل شؤون اليوميات

وتتصل قيودنا الأساسية بمركز الكهف، وبحمل السيد للرمز يستطيع أن يأمرنا في جميع الأمور

ومهما يأمر السيد، ولو كان اقتحام النار والماء، فلن نتردد في الموت عشرة آلاف مرة

أومأ هان شوانجي قليلًا

لقد صدّق قصر لينغشو السماوي سمعته كعملاق من العالم الأعلى بموارد مذهلة، فحتى خَدَم الكهف الداعمون هم دمى عالية المستوى، توفّر على السيد ساعات لا تُحصى من إدارة الصغائر، وتضمن الولاء والكتمان تمامًا

الزراعة الروحية للنبات لا تنفعني كثيرًا، لكنها خيرٌ من عدمها، كما أنها تُحسّن البيئة

ومضت في ذهن هان شوانجي خواطر عدة في لحظة، ثم أمر

حسنًا، ليقُم كلٌّ منكم بعمله، ولا تقتربوا أو تُزعجوني ما لم أستدعكم

كما يأمر السيد

انحنى وانغ فو والآخران مرةً أخرى بخضوع شديد، ثم تراجعوا ببطء وذابوا في مشهد النباتات الروحية الكثيفة، وتلاشت هالاتهم سريعًا كأنهم لم يكونوا

ولم يُطِل هان شوانجي البقاء، ومشى برويّة نحو الجناح العتيق في المنطقة المحورية من الحديقة

وما إن اقترب حتى توهّجت تعاويذ معقدة مرصّعة على الباب الرئيس للجناح واحدةً بعد أخرى، وجرت فيها الأنوار الروحية، وانزلق الباب الثقيل إلى الداخل صامتًا

واندفعت موجة من الطاقة الروحية الخاصة بذوي العمر الطويل، أزكى وأصفى من خارجها

وكان الفضاء الداخلي للجناح واسعًا، وتصميمه مهيبًا بسيطًا

غرف للزراعة الروحية، وغرف للكيمياء الروحية، وغرف لصياغة الأدوات، ومكتبات، وغيرها، كلها مُجهّزة تمامًا، مبنيّة من يشم ذوي العمر الطويل المشحون بالطاقة الروحية أو خشب عتيق، تنفث نفَسًا استثنائيًا وسط البساطة

وتبدو الحِرفة في كل مكان، والرفاهية حاضرة في تصميم متواضع

وكان هدف هان شوانجي واضحًا، فسار مباشرة إلى أهم غرفة للزراعة الروحية

وقد التزم دائمًا قاعدة أن المرتبة قبل كل شيء

فالزراعة الروحية هي الأهم

أما مسلك ميريديان الدان فموكول إلى النصيب

وقد انضم هان شوانجي إلى ميريديان الدان لأجل الفوائد التي يمنحها هذا الاختصاص، لا لأنه يُعلي من شأن قدرة الكيمياء الروحية

أُغلق الباب الحجري الثقيل بصمت خلفه، ولمعت التعاويذ على الباب، فعزلت الداخل عن الخارج في لحظة، وخيّم السكون

تابع دائمًا من المصدر الأصلي: موقع مركز الروايات. مكتبة بلا إعلانات وقراءتك معنا تضمن استمرار الترجمة.

وكانت في الحجرة الهادئة مصفوفة تجميع طاقة رفيعة الطراز بالغة التعقيد والعمق تعمل

أخرج هان شوانجي وسادة الاستنارة، وقد شرع جسده الروحي الحق للفوضى يعمل بأقصى سرعة، مثل ثقب أسود بلا قاع يلتهم بجنون الطاقة الصافية المتدفقة

دويّ

جرف سيل مهيب من الطاقة الروحية مساراته، وصقل لحمَه ودمَه وعظامَه، حتى تلاقت أخيرًا في بحر طاقة الدانتِيَن، حيث صارت تُصفّى سريعًا إلى قوة سحرية نقية لا توصف بواسطة صيغة ذوي العمر الطويل للبداية العظمى، بكفاءة تفوق العالم الأدنى بأكثر من مئة مرة

أهذه هي قاعدة طائفة رفيعة في العالم الأعلى، لعل التلاميذ العاديين لا يتخيلونها

وانغمر هان شوانجي في لذة التحسّن السريع، مُدركًا مرة أخرى بعمق أهمية المنصّة والموارد

وكان تفرّد الوريد الروحي وانشيانغ ينسجم على نحو غامض مع بنيته وتقنيته، فجعل عملية الزراعة الروحية سلسة على نحو لا يصدق، بل وحتى فهمه لقوانين الدرب صار أوضح

وبعد دورات عدة من التشغيل، تحسّن حاله تدريجيًا

رمز قصر النجوم

خطر هذا الشيء فجأة على بال هان شوانجي، وقد ظل في مخزن النظام طويلًا

وهو إرث من العالم الأعلى على أي حال؛ فلا بد أنه فوق العادة

وبخاطرة ظهرت الرمز في كفه

وسابقًا لم تُجدِ محاولات عدة في العالم الأدنى، لكنه جرّب الآن تنقيته بقطرة دم مرة أخرى

فما إن لامس الدم الرمز حتى امتصّه لحظة، وتوهّج نقش النجوم عليه بنور خافت

وتنشّأت في سجية قلبه صلة غريبة، وتدفّقت معلومة تلقائيًا إلى أعماق وعيه

هكذا إذن… ينبغي أن أمسك هذا الرمز وأدخل سبات التأمل لأتحسّسه بوعيي السماوي فأُقاد إلى ما يُسمّى قصر النجوم

فهم هان شوانجي فجأة، لكنه عقد حاجبَيه قليلًا

يبدو قصر النجوم تنظيمًا مرنًا، يسمح حتى بتعدد الهويات، ولا يعترف إلا بما يسمّونه قدر النجوم، وهذا مثير للاهتمام

لكنني الآن تلميذ حقيقي في قصر لينغشو السماوي، وهويتي حساسة

وربما لا يُبالي قصر النجوم، لكن هذا لا يعني أن كبار قصر لينغشو السماوي سيقبلون بتلميذ أساسي تحت إمرتهم ينضم إلى مكان آخر ولو كان تنظيمًا مرنًا بالاسم فحسب

وإن كُشف الأمر فقد يجرّ متاعب

لمحت الحيطة في ذهنه، ومع كثرة الأقوياء في قصر لينغشو السماوي فلن يكون هان شوانجي بالغ الحماقة في استخدام الرمز فورًا

هذا الأمر يحتاج إلى تمحيص، وعلى الأقل ينبغي أن أستوضح أولًا موقف الطائفة من حالات كهذه

وحاليًا يبقى تحسين زراعتي الذاتية هو الأساس

كبح هان شوانجي رغبته في التجربة حالًا، ووضع الرمز بعناية، واستعاد تركيزه، وغاص أعمق في الزراعة الروحية

وبينما كان هان شوانجي يجتهد في الزراعة الروحية داخل حديقة الظواهر التي لا تُحصى، كان خبر تلمذته في ميريديان الدان وصيرورته تلميذًا حقيقيًا لقمة القبة الأرجوانية قد أحدث تموّجات داخل سلسلة ميريديان الدان في قصر لينغشو السماوي، كصخرة عملاقة قُذفت في بحيرة ساكنة

وتطايرت رسائل من نور روحي لا تُحصى بين القمم والردهات، تنقل هذا الخبر

قمة القبة الأرجوانية نالت تلميذًا حقيقيًا آخر، بل لقد حظي باهتمام الرئيس

أتُراه سيأخذ تلميذًا جديدًا، إذن علينا أن نُعد هدية كبيرة مسبقًا

ليس بالضرورة، فالرئيس لن يأخذ تلميذًا ببساطة، فالموهبة وسجية القلب لا غنى عنهما معًا

وقد أبدى سادة القمم وشيوخ سلسلة ميريديان الدان اهتمامًا بالغًا بهذا الأمر

فمنصب التلميذ الشخصي للرئيس ذو دلالة استثنائية، والموارد والسلطة المستقبلية التي يرمز إليها تكفيان لإثارة خواطر كثيرين

وفوق ذلك فإن هذا التلميذ السادس والثلاثين له شأن غير مألوف، فقد يكون آخر تلميذ شخصي للرئيس

وكان خبر هان شوانجي لا يدور إلا بين عليّة قصر لينغشو السماوي، ولم يكن كثيرون يعرفون التفصيلات

تلميذ حقيقي آخر، من هو، علينا أن نعرف

في ردهة فسيحة على قمة القبة الأرجوانية قال شاب برداء من اليشم الذهبي بنبرة فاترة

يا للعجب، منافس آخر، تُرى كيف هي زراعته في مسلك ميريديان الدان

وعلى قمة تُغشّيها غلالات من الضباب الأخضر هتف داوي برداء أرجواني

وفي أعماق قمة القبة الأرجوانية، داخل كهف ذوي العمر الطويل الغامض العظيم

كان الضباب يرسو، وكراكي سماوية تصدح

وكان شاب داوي برداء تلميذ حقيقي من يشم أبيض، ملامحه وسيمة للغاية لكن مزاجه بارد كالجادّ، يلعب غو وحده أمام رقعة من يشم بارد

وكانت أمامه رُقيمة تواصل من اليشم بشأن هان شوانجي، وقد خفّ ضوؤها رويدًا

توقّفت يده القابضة على حجر غو قليلًا، ثم وضعه فأصدر صوتًا رنانًا

ولم يرفع عينيه حتى، وإنما ترددت في الكهف الخالي عبارة باردة إلى الغاية

وماذا لو اهتمّ الرئيس، فقبل وجودي كلُّ من يعترض الطريق يصير غبارًا

التالي
190/396 48.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.