الفصل 198
الفصل 198: التعلّم مدى الحياة لذي العمر الطويل
على قمة القبة الأرجوانية أُقيمت ساحة طريق مهيبة واسعة مسندة إلى الجبل، بدرج من اليشم الأبيض وأرض مرصوفة بالذهب الأخضر، وفي نهاية الساحة قاعة عتيقة شامخة تتدلّى على بابها لوحة منقوش عليها أربعة أحرف تقول «ساحة طريق سراب السحاب» تتخللها نغمة الطريق الطبيعية
خارج الجرف تلاطم بحرٌ من السحب، وقد هبطت تباعًا مئات خيوط الضوء، كلهم تلاميذ مسلك الحبوب تعلوهم هالات عميقة وتفوح حولهم رائحة الحبوب
هبط هان شوانجي خفيفًا إلى جوار جيانغ يوان الذي كان ينتظر هناك وقال وهو يومئ برأسه: «أخي هان، لقد جئت مبكرًا»
قال جيانغ يوان مبتسمًا: «هل أجرؤ على التأخر والسيّد ذو العمر الطويل يلقي درسًا في الطريق»
ثم مسح بنظره سريعًا وخفض صوته بنبرة ألفة وتعريف: «أخي هان، لقد كنت في عزلتك طويلًا، ولعلك لست ملمًّا بقواعد هذه الدروس، أليس كذلك»
قال هان شوانجي شاكرًا وهو يومئ: «كنت على وشك أن أسأل» وتحرك وعيه السماوي، فإذا به يستشعر عددًا لا يُحصى من الهالات القوية والضعيفة تتوافد إلى هنا، وما زالت خيوط الضوء تَخْط السماوات، مما يدل على عظمة هذا الدرس
حقًا، كان عليه أن يفهم القواعد أولًا
قاد جيانغ يوان هان شوانجي إلى الأمام وهو يرسل صوته سرًّا، مشيرًا إلى قاعة جانبية بجوار ساحة الطريق تزداد عندها الروحانية كثافة: «انظر يا أخي هان إلى تلك القاعة «تيانشينغ»، فهي كهف ذو العمر الطويل للأخ الأكبر جي تيانشينغ، تلميذ حقيقي من الجيل السابق، يمتلك جذرًا روحيًا لذوي العمر الطويل من الدرجة العليا، ومَلَكته تعد ممتازة، وموهبته في صوغ الحبوب لافتة، غير أنني لا أدري لِمَ لم يتّخذ معلمًا بعد»
أوه؟ اضطرب قلب هان شوانجي قليلًا، فأصحاب المَلَكة التي تُقوَّم بالممتازة نادرون غاية الندرة
ففي العالم العلوي يُعَدُّ نابهًا، وفي العالم السفلي يكون شخصيةً لا تُرى إلا في دهر
في تلك اللحظة خرج رجل برداء أبيض من القصر، وجهه وسيم، وخلفه ظاهرة من بخار أرجواني يرتفع كالموج، بالغة الخفاء والقوة
اهتز قلب هان شوانجي قليلًا وأعمل نظره
【جي تيانشينغ: ذو العمر الطويل السماوي، المستوى السابع، سيّد صوغ الحبوب من الرتبة الثالثة، قدرة إدراك استثنائية، مَلَكة جذر روحي لذوي العمر الطويل من الدرجة العليا، وموهبة صوغٍ لافتة جدًا. لأنه يريد من كل قلبه أن يصير تلميذًا شخصيًا للراهب الأكبر فقد رفض حتى عرض سيّدة قمة القبة الأرجوانية أن تتخذه تلميذًا. وهذه المرة يريد أن يُظهِر موهبته أمام الجميع لعلّه يجذب انتباه الراهب الأكبر】
يا للعجب، لا تريد أن تكون تلميذ سيّدة القمة بل تريد أن تكون أخًا أصغر لشخص آخر
ومع هذه المَلَكة لم يستطع أن يصير تلميذ الراهب الأكبر، فكيف بالخمسة والثلاثين الذين سبقوه، أكانوا كلهم بهذه المَلَكة
يبدو أن نوابغ هذا العالم العلوي لا ينبغي الاستهانة بهم
قال هان شوانجي في نفسه، وقد راوده فضول ليرى مقام أولئك التلاميذ الشخصيين
قال جيانغ يوان: «انظر، الصفوف الأولى من الوسائد الأقرب إلى السيّد ذو العمر الطويل محجوزة لتلاميذه الشخصيين أو لأبناء أبناء إخوته، ولا يحق للتلاميذ العاديين تجاوزها»
«أما التلاميذ الداخليون فيدخلون القاعة لسماع الطريق، والتلاميذ الخارجيون لا يسمعون إلا خارج القاعة…»
قال هان شوانجي: «هكذا إذن» وفهم أخيرًا معنى «التلميذ الداخلي»
فاتضح أنهم حقًا لا يستطيعون دخول الطائفة
«إن دروس السيّد ذو العمر الطويل يونمياو خارقة، فتارةً يعرض أصول طريق صوغ الحبوب عرضًا منظّمًا، وتارةً يحلل تحليلًا عميقًا وصفةَ حبوب لا نظير لها، وتارةً يخرج فرن الحبوب عفو الخاطر ليُريَ عملية الصوغ، مستمدًا قوانين السماء والأرض في مشهد بديع
ومن يلتقط منها قليلًا يغنيه عن مئة عام من الزراعة الروحية الشاقة»
«ثم…» خفض جيانغ يوان صوته أكثر وفيه لمحة غموض: «في كل مرة يلقي درسًا، إن كان في مزاج حسن يختار عشوائيًا بعض التلاميذ ليسألهم ويجيبهم أو ليمتحن طرق صوغهم، فإن أثرتَ اهتمام السيّد قد تنال مكافأة إضافية
في المرة الماضية منح السيّد أختًا كبرى نفحةً من «عبق إدراك الطريق» فاخترقت رتبة في مكانها»
قال هان شوانجي بصوت منخفض: «شكرًا لك يا أخي جيانغ على إعلامي»
وبتعريف جيانغ يوان صار فهمه أوضح وتوقُّعه لهذا الدرس أكبر
قال جيانغ يوان: «لقد وصلنا، وبحكم كونك تلميذًا حقيقيًا يمكنك أن تجد لنفسك مقعدًا في الصفوف الأمامية، وسأذهب أنا إلى الخلف»
قال هان شوانجي: «حسنًا، شكرًا لتوضيحك، وإلا لكنت تهت تمامًا»
ضحك جيانغ يوان: «هذه توافه، إنما أخونا هان متكاسل عن الالتفات إليها فحسب»
وبعد تبادل كلمات قليلة مضى جيانغ يوان إلى مقعد أبعد، كما جذبت هيئة هان شوانجي أنظارًا غير قليلة
مع ذلك لم يجذب إلا نظرات يسيرة، إذ كان معظم الناس ينظرون إلى شخصٍ يتقدم بخطى واثقة، قامته باسقة مستقيمة، وهالته باردة، جلس في الصف الثاني المخصّص لتلميذ سيّدة القمة الشخصي، وهو موضعٌ يجلس فيه عادةً التلاميذ الحقيقيون المخضرمون
«لا بد أنه النابغ من أسرة جيانغ، أليس كذلك»
«بلى، سمعت أن عينه السماوية قوية جدًا ترى كل شيء، وقد كشف كثيرًا من جواسيس مسلك الشياطين»
«ترى كيف هي زراعته في صوغ الحبوب»
لم تكن القاعة ساكنة تمامًا، فقد ظلت همسات تدور، يحيّي بعضهم بعضًا ويبدأ آخرون بالقيل والقال
تنبيه للقارئ: الرواية للمتعة والخيال لا للمحاكاة galaxynovels.com
«أخي جي، طال العهد، ويبدو أنك جئت مستعدًا هذه المرة…»
«هاها، نِلْتُ مكسبًا صغيرًا…»
مسح هان شوانجي بنظره المكان، وكلما اقترب من القاعة الرئيسة ازداد شعوره بضغط غير مرئي ينبعث من الجالسين متربعين وإن لم يُظهروا هالاتهم، وهو ضغط تولّده زراعة روحية عميقة
وفي الصفوف الأمامية كان جلّهم من خبراء مرتبة ذو العمر الطويل الحق ومرتبة ذو العمر الطويل العميق
ويُظن أنهم التلاميذ الشخصيون لسيّدة القمة
كانت الوجوه والهيئات في شيء من التغبيش، فاكتفى هان شوانجي بنظرة عابرة ولم يتبيّن حقائقهم، ولم تعاوده رغبة في تعرّف كل واحدٍ منهم
وبعد تفكر يسير وجد هان شوانجي وسادة في زاوية بمنتصف القاعة فجلس بصمت
ولسببٍ ما شعر بتوتر لطيف، كأنه عاش طويلًا في المجتمع ثم عاد فجأة إلى المدرسة بعد انقطاع، إحساسٌ غريب بالفعل
وفي تلك اللحظة ظهر تلميح النظام بصمت
【تم رصد موضع تسجيل بست نجوم: ساحة طريق سراب السحاب، هل تريد التسجيل】
«النظام، سجّل» تلاها هان شوانجي في قلبه بصمت
【تهانينا للمضيف على نجاح التسجيل في ساحة طريق سراب السحاب، لقد حصلت على «الشرح التفصيلي لطريق صوغ الحبوب مدى حياة السيّد ذو العمر الطويل يونمياو»】
وبدا هذا استثنائيًا
فبوصفه التلميذ الأكبر للراهب الأكبر لمسلك الحبوب كان طريق صوغ الحبوب لدى السيّد ذو العمر الطويل يونمياو خارقًا بطبيعة الحال، ونيل علمه مدى حياته مفاجأة عظيمة
وفي طرفة عين انسكب إلى بحر وعي هان شوانجي علمٌ واسع في صوغ الحبوب كالبحر، كأنه قد استنار
انطبعت في ذهنه صيغ حبوب لا تُحصى، وتحوّلات الخواص الدوائية وامتزاجها، وأسرار ضبط النار وتكوير الحبوب، ورؤى السيّد يونمياو الفريدة في صلة طريق صوغ الحبوب بقوانين السماء والأرض
«هذا…» ارتج قلب هان شوانجي بعنف ثم علت في صدره موجة فرح عظيمة
لم يكن هذا ضخًا مباشرًا للزراعة، بل منْحًا كاملًا لخبرة وحكمة سيّد صوغٍ من مرتبة ذو العمر الطويل الذهبي مدى الحياة
وبالمقارنة مع كتب الحبوب الكثيرة التي سجّلها في حديقة الظواهر الكثيرة فهي جداول أمام أنهار وبحار، لا وجه للمقارنة
ومع أن زراعته تحدّه فلم يستطع بعد صوغ كثير من الوصفات المتقدمة، فإن مفاهيمه وتقنياته وبصيرته تجاوزت ما يقدر عليه سيّد صوغٍ من الرتبة الثالثة، رافعةً إياه إلى علوّ جديد تمامًا
وفي هذه اللحظة ينبغي أن يكون علمه النظري في صوغ الحبوب قد جاوز معظم مزارعي الحبوب في قصر لينغشيو السماوي
«صيغ حبوب لذوي العمر الطويل من الرتبة السابعة، واثنتان وسبعون تقنية صوغ، ومن أصل طريق الصوغ إلى تطوّره، كل شيء مضمّن»
«رائع على نحو لا يوصف…» تمتم هان شوانجي سرًّا، وسرعان ما هدّأ نفسه وبدأ يهضم هذا المكسب المذهل
وعلى الجانب الآخر
لاحظت لي تشيانلو وصول هان شوانجي ورأته يختار موضعًا متواريًا كهذا فهزت رأسها قليلًا
متواضع أكثر مما ينبغي
كثيرًا ما تكون السمعة ليست اسمًا فارغًا، فبدون منافسة مباشرة كلما علت السمعة كان نيل الاعتراف من الطائفة أيسر والحصول على موارد مميَّزة أكثر، وقد جاء هو ليسمع الطريق أيضًا ليُريَ وجهه أكثر أمام سيّدة القمة أملًا في أن تُقدّره فتتخذه تلميذًا
وأبدى كثيرون على وجوههم لمحة ازدراء
كما هو متوقع من قرويّ من العالم السفلي، يفتقر إلى الجرأة
وفي الوقت نفسه انتشر ضغط لا يوصف واسعٌ لا حدّ له كالموج، فغطّى الساحة كلها في لحظة
وخمدت الهمسات كلها بغتة
ورفع الجميع رؤوسهم عفوًا
فعلى المقعد الرئيس في المنصة العالية كانت هيئة قد جلست على نحوٍ لا يُعرف متى، يرتدي رداءً بسيطًا أنيقًا بلا أضواء لذوي العمر الطويل تبهر الناظر، لكنه بدا كأنه مندمج مع العالم كله، ووجهه مموّه كأنه مُجلَّل بأنغام طرق لا تُحصى، ولم يبرز منه إلا عينان عميقتان كبحر نجوم تنظران بهدوء إلى الأسفل
لقد حضر السيّد ذو العمر الطويل يونمياو
وساد الصمت الساحة كلها من فورها، ولم يبقَ إلا أصوات الطريق الأعظم كأنها تتولّد طبيعيًا من أعماق عالم الفراغ، تَسْري في قلوب كل سامع

تعليقات الفصل