الفصل 251
الفصل 251: مضت خمسون سنة، ولي تايتشينغ يصعد إلى العالم السماوي
نظر هان شوانجي إلى الأمام، فرأى نهر القدر يهدر، وتتلاطم فوق أمواجه عشرات الأشكال المتناثرة
في تلك اللحظة
ابتسم مزارع يقف أمام هان شوانجي وقال
«اسمي الرمزي تشينغ لوان، بماذا أناديك يا رفيق الدرب»
عند سماع ذلك، أجاب هان شوانجي بلا تكلّف
«نادِني يان يون»
«إذًا فأنت الرفيق يان يون»
انبعثت قهقهة خافتة من الشخص الذي سمّى نفسه تشينغ لوان، كان صوته رقيقًا وفيه لمحة تعب لا يخفيها
«لقاؤنا هنا قَدَر، ويبدو أنّك أنت أيضًا لمحتَ لتوّك طريق الطريق الأعظم للقدر، واخترت هذا… الدرب الأكثر مشقة وإيلامًا»
أومأ هان شوانجي قليلًا ولم يزد، منتظرًا منه أن يُكمِل
تتحدث كثيرًا، تابع أنت أولًا
بدا أنّ تشينغ لوان معتاد على قِلة كلام المزارعين هنا، فتنهد في نفسه وقال
«هل يدري الرفيق يان يون كم من الوقت نقضيه جلوسًا هنا، وكم يلتهم كلُّ تقدم خطوة واحدة من أعمارنا
أحيانًا تحتاج لمحة تبدو غير مهمة إلى عقود من الزمن»
«لا تنظر إليّ لمجرد أنّني أتقدّمك ببضع عشرات من الخطوات، فالوصول إلى هذا الموضع يتطلب في الحقيقة مئات السنين على الأقل، بالطبع أنا لم أحتج إلا إلى ثلاثين سنة»
تأمل هان شوانجي وقال
«يبدو أنّ لدى الرفيق قدرة استيعاب جيدة»
«عادية فحسب»
داخل صوت تشينغ لوان نفحة عجز
«ما أشقّ فهم القدر، مع أنّ العالم الخارجي يلقّبني بعبقري قدرة الاستيعاب، كثيرًا ما أجدني أتعثر»
«الشيء الجيد الوحيد أنّ المكان هنا آمن إلى حد كبير، ولا يوجد غرباء يزعجوننا»
«لكن عليك أن تعلم…»
تحوّل نظره إلى نهر القدر الجاري بلا نهاية أمامهما، بما فيه من أسرار وأخطار لا تُحصى، فغدا صوته جادًا
«القدر متقلّب، وارتداده شرس على نحو خاص
إن لم تكن الإرادة صلبة، وحاول المرء قسرًا استنباط قدره أو أقدار الآخرين، فأدنى غفلة قد تُغرق عقله في سيل لا ينتهي من معلومات القدر الفوضوية، وفي أحسن الأحوال يُصاب أساس الطريق بضرر، وفي أسوئها… تندمج الروح البدئية في هذا النهر، تصبح جزءًا من شظايا القدر التي لا تُعدّ، وتغوص إلى الأبد»
«آه…»
عند سماع هذا، قال هان شوانجي
«بما أنّني وطئتُ هذا الموضع، فلابدّ أنني مستعد»
فهم الأمر، كل من دخل إلى هنا منافس، أهو يحاول إخافته ليتراجع
«أرى طاقتك الروحية متكثفة، فلا بدّ أنك من طائفة كبرى، لكن مع ذلك فليس أمام هذا الطريق ما يُعوَّل عليه إلا القليل، إنه أقرب إلى التخبط وحيدًا كالمشي على جليد رقيق
خطوة خاطئة تقود إلى هلاك أبدي
منافسة الكون والأرض على الحظ، ومنازعة جميع الكائنات على القدر، صعوبتها تفوق سائر الطرق العظمى بكثير
اختيارك هذا الطريق شجاعة تُحمد، لكن… الطريق أمامك طويل، آمل أن تكون قد أعددت نفسك جيدًا»
كانت كلمات تشينغ لوان حافلة بالتردد
ردّ هان شوانجي بهدوء، وصوته ثابت لا يتزعزع
«شكرًا على التنبيه، أيها الرفيق تشينغ لوان»
في هذه اللحظة، تكلّم فجأة ظلّ بعيد
«يا تشينغ لوان، أما زلتَ تحاول ثني الوافدين الجدد، إن فهم الطريق الأعظم للقدر ليس خطِرًا كما تصفه»
«لا خطر في التأمل فيه عند هذا النهر، فلا تقلقوا، حتى إن تشتّت وعيك فلن تفقد إلا فكرة عظمى، أما إن كشفت هويتك الحقيقية، فهنا عليك أن تحذر»
«وأيُّ ثني… إنما أُذَكِّر بلطف فحسب»
تمتم تشينغ لوان ردًا
أومأ هان شوانجي قليلًا، وراح يعتقد أنّ هذا الموضع ليس خطِرًا إلى ذلك الحد
ما ذكره تشينغ لوان لا يتعدى أسوأ النتائج، شيء لا يقع إلا إذا جُنّ المرء وهو يتأمل الطريق الأعظم، أليس كذلك
سحب هان شوانجي خواطره، وغاص بعقله، وبدأ يتأمل الطريق الأعظم للقدر
القدر، القدر، أن تصبح أقوى يعني أن تسيطر على قدرك
هنا بدا الزمن يفقد معناه
تهادى وعيه في سيل تشكّل من خيوط قدر لا تُحصى، يشهد صعود أقدار الكائنات وهبوطها، وميلاد العوالم وخرابها وولادتها الجديدة، وذروة المزارعين وأفولهم
رأى مستقبل سو مينغ، قد يبلغ القمة ويضيء بقوة، ورآه محاصرًا يقاتل بيأس، ولمح مشاهد يختفي فيها طريقه ويفنى جسده في خاتمة حزينة… ورأى أيضًا مسارات مستقبل تلاميذه القدامى في العالم السفلي، أفراحهم وأتراحهم، بدايات صِلاتهم ونهاياتها
في البداية تذبذبت عواطفه لا محالة، تارةً يتنهد وتارةً يندم
لكن كلما رأى أكثر ازداد قلبه سكينة، ولم تكن تلك بلادة
بل كان إدراكًا أنّ المنشئ أجمع يتخبط ويطفو في النهر، وأن ما يطلبه هو أن يتجاوزه، أن يسيطر على قدره بدل أن يجري مع التيار
عليه أن يتجاوز القدر، ويضبط القدر، لا أن يضبطه القدر
ولبلوغ ذلك، ما زال يحتاج إلى زراعة دؤوبة
انغمس هان شوانجي في سعة الطريق الأعظم للقدر، لا يشعر بمرور الوقت
وكانت هيئته تتحرك إلى الأمام مع جريان النهر
لم يلاحظ تشينغ لوان في البدء، لكن بعد سنة واحدة فقط وجد أنّ هان شوانجي قد تجاوزه بالفعل
ومضت بضع سنوات أخرى، فلم يعد يقدر حتى على رؤية ظهر هان شوانجي
«هس… أيمكن أنني التقيت حقًا بعبقري لا نظير له من الأساطير»
ساور تشينغ لوان بعض الشك في نفسه
كان قد قرأ في الكتب بوضوح أنّ بلوغ هذا الموضع خلال ثلاثين سنة عُدَّ عبقرية
فماذا يُسمى من يتجاوزه في سنة واحدة
سريعًا ما جذبت أفعال هان شوانجي انتباه كثيرين، لكن بما أنّ هويته لم تُؤكَّد، لم يكن في وسعهم إلا جمع المعلومات خفية
فبين العشائر والطوائف في العالم العلوي يختبئ عباقرة لا نظراء لهم، وجمع المعلومات عن عباقرة القوى الأخرى إجراء أساسي
وفجأة، مرّت خمسون سنة كجريان الماء
فتح هان شوانجي عينيه ببطء، وأدرك أنّه قطع في هذا الموضع مسافة بعيدة على ما يبدو
في عمق عينيه كانت مليارات خيوط القدر تومض وتخبو، وصارت هالته أشد عمقًا وعُسرًا على الإدراك، كأنه موجود منذ العصور الأولى
زفر نفسًا عكرًا في هدوء، يحمل أثرًا من سِحر الطريق العميق
«الزراعة في نهر القدر حقًا أمر عجيب…»
تنهد هان شوانجي
الطريق لا حدّ له، وكل غوصة عميقة في الفهم تجعل الزمن يطير
ولم يزد هذا الانقطاع فهمه للطريق الأعظم للقدر كثيرًا فحسب، بل إن زراعته أيضًا اخترقت بهدوء إلى الطبقة الرابعة من مرتبة ذوي العمر الطويل الذهبي
لقد كان تأمل الطريق الأعظم يزيد سرعة زراعته كذلك
خمسون سنة، من دخول حديث إلى مرتبة ذوي العمر الطويل الذهبي إلى بلوغ المرحلة الوسطى من هذه المرتبة
هذه السرعة ينبغي أن تكون سابقة لم يُسمع بمثلها، لن يصدقها أحد لو رواها لهم
ومع ذلك حقق هان شوانجي ذلك حقًا، من غير أن يعتمد على مساعدة النظام، معوّلًا كليًا على قدرة استيعابه… عالم الروح تايشو
طائفة شِنشُوان
وقف لي تايتشينغ وحيدًا فوق قمة الطريق، وثوبه الأبيض يرفرف في الريح العاتية من غير أن تلوثه ذرة
«أخيرًا… قد حلّت هذه اللحظة»
همس بهدوء، صوته ساكن وفيه خيط خافت من الانفعال
مئات السنين من الزراعة الشاقة واحتمال المكاره كانت لأجل هذا اليوم، أن يتجاوز هذا العالم ويصعد إلى العالم العلوي
مسح بنظره المساحة في الأسفل
في البعيد كان لو فان ونانغونغ وينجيان ولين بوتيان والنمر الأبيض الصغير وغيرهم من الأصدقاء القدامى جميعًا حاضرين، وأبعد قليلًا وقف كثير من المزارعين الذين قدموا من قارة جيوتشو ليشهدوا المراسم
لم يتقدم أحد منهم لمقاطعته، بل اكتفوا بالمشاهدة بصمت، وامتلأت نظراتهم بالرهبة والغبطة

تعليقات الفصل