تجاوز إلى المحتوى
الزراعة الروحية بدأت بتوقيع موهبة الخالد

الفصل 356

الفصل 356: السلف ملتهم الأرواح، إصبع واحد يقتل

«لا… بما أنني وصلت إلى هنا، فأنا أريد أن أحاول»

قال جيانغ هاو: «لقد عشتَ في بحر العالم السفلي طويلًا، فلا بد أنك تعرف طريقة للعبور، أليس كذلك»

«آه… اقتحامُه قسرًا مستحيل»

نظر إليه الغرابُ السفلي نظرةً معناها: لا طاقة لي بك، وحطّ على كتف جيانغ هاو الآخر، وفي صوته وقارٌ غير مسبوق

«جدار التنهدات يلتهم أي كائن حي يحاول اختراقه بالقوة، وكلما قاومتَ أسرعْتَ في الغرق، علينا أن نجد نقطة ضعف له، أو… ننتظر صدعًا طبيعيًا يظهر أحيانًا»

«نقطة ضعف؟ صدع»

قطّب جيانغ هاو حاجبيه

«نعم، هذا الجدار ليس كتلةً صلدة، فثمة مواضع تكون أضعف نسبيًا لاختلاف المكوّنات أو لاضطراب الزمان والمكان

وفيضُ المدّ والجزر في بحر العالم السفلي نفسه يمزّق أحيانًا فجواتٍ مؤقتة هنا

لكن العثور عليها يحتاج إلى حظ، وأكثرَ من ذلك إلى وقت»

شرح الغرابُ السفلي: «ثم حتى لو وجدنا واحدة، فعبورها في غاية الخطورة، فإن لم نعبر قبل انغلاق الصدع، أو إن أقلقْنا وجودًا مرعبًا، فالعواقب لا تُتصوّر»

لكنهم ما إن همّوا بالاقتراب من فضاء مستقر نسبيًا حتى وقع شذوذٌ مفاجئ

خواطر سماوية خبيثة، كشبكة عملاقة غير مرئية، هبطت فجأةً من مجال الفراغ القاتم أمامهم، وأطبقت عليهما بإحكام

«هممم؟ غرابٌ من العالم السفلي، و… حشرةٌ صغيرة من عِرق البشر»

انبعث صوت أجش

تموّجت دوائر في مجال الفراغ، وبرزت هيئةٌ رويدًا رويدًا

كان الوافد يرتدي عباءةً سوداء كليلٍ مُدْلَهمّ، يغشى الظلُّ من تحت قلنسوته وجهَه، ولم يُرَ سوى عينين أزرقاوين داكنتين، يفوح جسده بطاقة الموت الكثيفة وضغطٍ يفوق مرتبة الذهبي لذوي العمر الطويل بكثير، ولا ريب أنه مزارع قوي أقام طويلًا في بحر العالم السفلي يزاول أسلوب زراعةٍ غير مستقيم

«يُقال إن الغربان السفلية تعرف أسرارًا كثيرة عن بحر العالم السفلي، وهي كائنات خاصة بهذا البحر لكنها تتجنب سائر الكائنات ويصعب التواصل معها، أمّا أنت أيها الفتى فتستطيع محادثةَ غرابٍ سفلي، بل وجعله يقودك إلى الكنوز، أي أسرار تحملها»

وقع نظرُ ذي العباءة السوداء كالأفعى السامة على جيانغ هاو، مفعمًا بالتمحيص

«بُنيتك لا بأس بها…»

انتفشت ريشاتُ الغراب السفلي في لحظة، وأطلق صرخةً حادة مُهدِّدة

«كااااه! ما أنتَ! أتطمع في السيد غراب»

هبط قلبُ جيانغ هاو، وفهم حالًا أنه صادف مزارعًا شريرًا، فمَن يقيم طويلًا في بحر العالم السفلي لا يمكن أن يكون صالحًا

وقد تبيّن للطرف الآخر بوضوح فرادةُ الغراب السفلي، وأراد استنطاقه

لكن… جيانغ هاو حقًا لا يعرف ما الذي فيه جذبَ الغرابَ السفلي إليه

أدار قوته السحرية خفيةً، فعلى الرغم من علمه بهوّة الفارق في القوة، فلن يقف مكتوف اليدين ينتظر الموت

«أيها الكبير، لا نقصد الإساءة، إنما نعبر هذا المكان فحسب، من فضلك دعنا نمر»

ضمّ جيانغ هاو قبضتيه وقال بصوت عميق محاولًا تهدئة الموقف

«نمرّ»

قهقه ذو العباءة السوداء ببرودة تقشعرّ لها الأبدان

«هذا السلف ملتهم الأرواح لم يعرف قط معنى “المرور” في بحر العالم السفلي هذا! سلّم أسرارك، وقد يفكر هذا السلف في منحك موتًا سريعًا، مُصفّيًا روحك الذهنية في راية الأرواح الكثيرة لديّ، وسيكون ذاك حُسنَ طالعك

وأمّا أنت أيها الغراب السفلي، فلستَ تخشى الموت، لكنني لن أدعك تموت بهذه السهولة»

قال ذلك ثم ابتسم بسخرية

لم يُعرْهما أيّ اعتبار

فأي مشكلة قد يثيرها حشرةٌ صغيرة في مرتبة الذهبي لذوي العمر الطويل مع غرابٍ سفلي لا حول له ولا قوة

صرخ الغراب السفلي: «أظنك أنت طالبَ الموت! أتظن فعلًا أن السيد غراب بلا قدرات»

«أوه»

ولمّا سمع هذا استشعر السلف ملتهم الأرواح قليلَ تحفّظ

وفي الثانية التالية اندفع الغرابُ السفلي للفرار سريعًا

وكان جيانغ هاو على وفاقٍ ضمني، فأطلق تعويذةً روحية محاولًا الهرب

لكن كيف لخصمهما أن يدعهما يفلتان

بمجرّد خاطرة من السلف ملتهم الأرواح، وفي طرفة عينٍ غمر جيانغ هاو والغرابَ السفلي نطاقٌ شبحيّ يحجب السماء، يحمل بردًا ينخر العظام وقوةً تُفسد الروح الذهنية

وكانت تلك السطوة تهدف بوضوح إلى قمع جيانغ هاو تمامًا، والبحث في روحه، ثم أسرِ الغراب السفلي

شعر جيانغ هاو فورًا بجسده يهبط كأنه في وحل، والفضاء من حوله مكبّلٌ بقوة هائلة تجعل الحركةَ نفسها بالغةَ العسر

واخترق الصراخُ بحرَ وعيه مباشرةً، فآلمتْ روحه الذهنية ألمًا شديدًا يكاد يتهدّم

وانكشف الفارقُ المطلق بين ذهبي الاتحاد العظيم لذوي العمر الطويل وبين الذهبي لذوي العمر الطويل بلا ريب في هذه اللحظة

فحركةٌ عابرة من السلف ملتهم الأرواح كفيلة بأن تُذيق جيانغ هاو، الذي يكاد لا يُقهَر بين أنداده من مرتبة الذهبي، ألمًا لا يُحتمل

«انتهى الأمر… أهذا الفتى ليس سوى غرّ حقًا»

تمتم الغرابُ السفلي مع نفسه

شعر أنه كان عاطفيًا أكثر من اللازم

وفي هذه اللحظة دوّى صوتٌ هادئ فجأةً في الفضاء الصامت الموحش لبحر العالم السفلي

«مُزعِج»

غير أن هاتين الكلمتين البسيطتين بدتا كأنهما تحملان قوةً عُظمى تُغيّر السماء والأرض

فما إن وقع الصوت حتى تحطّم على الفور نطاقُ الأشباح من الأرواح الساخطة الذي يحجب السماء

شقّ نورُ نجمٍ الظلامَ، ومعه ظهرت هيئةٌ برداءٍ أخضر بلا ضجيج أمام جيانغ هاو

بدا كأنه كان هنا دائمًا، أو لعلّه قدم من زمنٍ قديم، ولمّا يطفح حوله سَطْوٌ قوي ظاهر، ومع ذلك صار تلقائيًا مركزَ هذا العالم المطلق

«أيها الأخ الكبير هان»

لمّا أبصر جيانغ هاو هان شوانجي غمر الفرحُ قلبه

كأنه وجد عمادَه، ثم طأطأ رأسه خجلًا

أما الغرابُ السفلي فتوقف عن الفرار من فوره، وبدا العبث في عينيه

تجمّدت ابتسامةُ الزهو على وجه السلف ملتهم الأرواح، وكأن يدًا خفيةً عظمى قبضت على أصل طاقة الموت المندفعة حوله فخمدتْ دفعةً واحدة

وأحسّ أن صلته بسنن الداو في بحر العالم السفلي قد قُطعت قسرًا، وأن زراعته التي تكفي للهيمنة على البحر صارت في هذه اللحظة ضئيلةً عاجزة كإنسان عادي

«السلف ملتهم الأرواح: ذهبي الاتحاد العظيم لذوي العمر الطويل من التحوّل السابع، سلف طائفة الأشباح لذوي العمر الطويل، كان أصله مزارعًا بشريًا حرًا، واتحد مصادفةً بشيء غريب في بحر العالم السفلي، ومع أنه تحول إلى جسدٍ لا هو إنسانٌ ولا شبح، فقد تسارعَتْ زراعته كثيرًا بمعونة طاقة بحر العالم السفلي»

أيّ طريق جانبي هذا

كان هذا أول ما خطر لهان شوانجي، ثم أدرك سريعًا

ذهبي الاتحاد العظيم من التحوّل السابع، زراعته لا بأس بها

وفي عالم ذوي العمر الطويل سيكون شخصيةً تُقيم طائفةً وتغدو سلفًا

عفوًا عفوًا

راجع هان شوانجي نفسه في قلبه، فلا يجوز أن يغترّ مثل هذا الذي أمامه

«هممم؟ من أنت»

اتّسعت عينا السلف ملتهم الأرواح الزرقاوان الداكنتان رعبًا، وسأل بعدم تصديق: «أيمكن أن تكون… بدئيًا»

ولم يُتمّ قوله

إذ رفع هان شوانجي في اللحظة التالية يده وبسط إصبعًا

فانبعث من طرف إصبعه نورُ فوضى عظيم مكثّف إلى الغاية، كأنه يكتنز أعمقَ قوةٍ بدئية منذ مطلع المنشئ، واندفع في سكون

لا دويّ ولا انفجار

وحيث مرّ النور… مُحيَتْ كلُّ آثار وجود السلف ملتهم الأرواح كأنها مُمسِحة، وتحولت إلى مجالِ فراغٍ بدئي

تبددت هالته كليًا في بحر العالم السفلي، كأنه لم يوجد قط

وبين السماء والأرض لم يبقَ إلا طاقةُ الموت في بحر العالم السفلي وهي تهدأ تدريجيًا، ومعها جيانغ هاو والغرابُ السفلي واقفان في مكانهما مشدوهين

وكان الغرابُ السفلي أول من استفاق، فهبطتْ ريشاته المنتفشة ببطء، وضمّ عنقه، ونظر بحذر يمينًا ويسارًا، واهتزّ صوته غير مصدّق: «كاااه… هكذا… هكذا ببساطة اختفى»

التالي
356/396 89.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.