الفصل 362
الفصل 362: عنقاء التسع أغوار الآكلة
«قااق ما هذا ألا يُشبهه»
كان المعلّم الغراب غارقًا في أجواء مأساوية، فلمّا أزعجه جيانغ هاو اشتعل غضبه فورًا وصاح وعنقه منتصب: «حين كان المعلّم الغراب يهيمن على العالم آنذاك لم تكن أسلافك حتى الجيل الثامن عشر قد وُلدوا بعد»
في الحقيقة لم يكن يذكر شيئًا، وحتى اسم «عنقاء التسع أغوار الآكلة» لم يعرفه إلا قريبًا من هان شوانجي
ظنّ الاسم حسنًا، فخمًا ومهيبًا
«لا… مظهرك…»
ارتعشت شفة جيانغ هاو: «الوصف في النصوص القديمة يقول: أجنحة تغطّي السماء، نيران عظيمة تحرق العالم، عينان كقمري دم… أليس الفرق فاضحًا جدًا ومع هيئتك الحالية دع عنك ابتلاع العوالم، أرى أن سرقة بيضة طائر ستُتعبك»
«أنت وما أدراك يا هذا»
قفز المعلّم الغراب من شدّة الغضب ونفش ريشه: «النمر إذا سقط إلى السهول عبثت به الكلاب، والعنقاء إذا ضاقت بها الحال غدت أدنى من الدجاج، ألا ترى أن المعلّم الغراب في مأزق الآن ولم يبق إلا خيط من روح باقية آنذاك… آنذاك…»
أطال «العودة إلى آنذاك» زمنًا، لكنه وجد أن تلك الذكريات المجيدة قد غامت، ولم يبقَ سوى ألم صَقلِه بالختم وإحباط حياةٍ مضطربة، فخفتت هالته ولاح في صوته نحيب
«من ذا الذي يمكنه أن يذكر بوضوح ما حدث آنذاك على أي حال، كان المعلّم الغراب قويًا جدًا من قبل، قويًا إلى أقصى حد»
ثم أدار رأسه ونظر إلى هان شوانجي بعينين مُستعطِفتين وقد تبدّلت ملامحه بسرعة عجيبة: «يا سيّدي عليك أن تُنصفني، فهذا الفتى يزدري شأني، إنه لا يفهم الفخر والحسرة في قلب متسلّط قديم»
راقب بيستود نيم هذا المشهد من الجانب وهو يطرف بعينيه، وجذب كمّ هان شوانجي برفق وهمس: «يا معلّم، يبدو… مسكينًا حقًا، وأشعر أنه لا يكذب، فلا بدّ أنه كان قويًا جدًا من قبل… وإن بدا الآن قليلًا… حسنًا… لا يشبهه تمامًا»
كانت كلمات بيستود نيم صفعة جديدة لقلب المعلّم الغراب
ومع أن جيانغ هاو لم يقرّ بذلك لفظًا، إلا أنه كان قد آمن في قرارة نفسه بهذه الحقيقة الغريبة
ففي النهاية الذي كشف هويته هو هان شوانجي، ومهما بدت مبالغًا فيها فالأرجح أنها صحيحة
نظر إلى الغراب الأسود الذي لا يزال يشهق بأنفاس متقطّعة، وتداخلت مشاعره
من جهة، بدا له التباين عظيمًا يصعب تقبّله، ومن جهة أخرى، فإن التفكير في متسلّط قديم تضاءل إلى هذه الحال يبعث على التأمل ويثير طرفًا من الطرافة
لم يملك جيانغ هاو إلا أن تنهّد وقال للغراب: «حسنًا حسنًا، لنقل إنك كنت عنقاء التسع أغوار الآكلة من قبل، ولكن في حالتك الآن، حتى لو ساعدك الأخ الأكبر هان على كسر الختم فهل تستطيع استعادة قوّتك السابقة لا تقل إننا سنُطلق… آه… دجاجة ضعيفة»
«قااق دجاجة ضعيفة تجرؤ على وصف المعلّم الغراب بالدجاجة الضعيفة»
كاد المعلّم الغراب يُغمى عليه من الغيظ، ورفرف بجناحيه وهمّ أن ينقر جيانغ هاو
«يا فتى النتِن، حين يستعيد المعلّم الغراب أصله وينال عُشر… لا، نصف عُشر قوّته، ريشة واحدة تكفي لسحقك، سترى سترى»
ولمّا رأى هان شوانجي الرجل والغراب يبدآن الجدل مجددًا هزّ رأسه عاجزًا
نظر إليهما وتكلّم بنبرة حاسمة: «يكفي»
فأسكتت هاتان الكلمتان البسيطتان المعلّم الغراب وجيانغ هاو على الفور
وقع نظر هان شوانجي على المعلّم الغراب
«أستطيع أن آخذك إلى الأرض المختومة، لكن كسر الختم إن أمكن وكيفيته فمرهونان بالوضع، وعليك أن تقطع قسم الداو: إن نلت الحرية فلا تؤذي عامّة الناس، وتُطيع أوامري»
«أطيع، سأطيع قطعًا»
تهلّل وجه المعلّم الغراب وطفق يومئ مرارًا
«ما دمت ستخلّص الغراب… الغراب الصغير من هذا الختم الملعون وتردّ إليه حريته، فدع عنك طاعتك، سأكون مطيّتك أو خادمك أيضًا»
وخشية أن يرجع هان شوانجي عن قوله أدّى على الفور قسم الداو الذي لا يجرؤ على مخالفته
جعل هذا التزلّف فم جيانغ هاو يرتجف
أَهكذا فقط
ثم إنه يزعم أنه عنقاء التسع أغوار الآكلة، لقد خاب ظنّ جيانغ هاو بهذه الكائنات المرعبة
أومأ هان شوانجي قليلًا وقال لبيستود نيم: «ما دمت تشعر بإحساس فلتقد الاتجاه»
«نعم يا معلّم»
أومأ بيستود نيم طائعًا، وأغلق عينيه يتحسّس مجددًا، ثم أشار إلى جهة معتمة للغاية في عمق بحر الخفاء: «هناك»
«صحيح صحيح، هناك»
وافق المعلّم الغراب في حماسة
وبإرشاد بيستود نيم وتأكيد المعلّم الغراب المتزايد حماسةً، مضى هان شوانجي يقود الجميع، من غير أن ينسى أن «يسجّل» عند مواقع عظمية على الطريق
وأخيرًا، لمّا اجتاز الجميع «عين بحر الخفاء» بلغوا ركنًا من أرض الغويشو
ومن بعيد رأوا جزيرة عملاقة غير عاديّة بوضوح
«هي هذه»
أومأ بيستود نيم مؤكّدًا الموضع
ارتجف المعلّم الغراب من شدّة الانفعال، وانطلق صوته مشحونًا بفرح لا يُضبط: «صحيح، هي هنا، أنا… إنّي أشعر بها»
حدّق الجميع بانتباه، وخارج الجزيرة كانت أرواح الخرائب التي لا تُحصى على أشكال شتّى تخمش الحاجز، لكنها بوضوح عاجزة عن خرق هذا الدرع المتين
وحتى من خلال الحاجز، استطاع الجميع أن يستشعروا بوضوح الهالة المرعبة المنبعثة من الجزيرة، فاضطربت قلوبهم
«يبدو أن هذا الحاجز حماية وعائق معًا»
نظر جيانغ هاو بجدية إلى أرواح الخرائب وهي تهاجم الحاجز بجنون، ثم رمق المعلّم الغراب بطرف خفي: «يبدو أنك تجذبها جذبا قاتلًا»
وحين رأى ذلك عضّ المعلّم الغراب على نابه: «ووو… جسدي… هذه الأرواح اللعينة للخرائب، لحسن الحظ لحسن الحظ لم يحدث خلل»
شعر بخوفٍ كامن، وشكر لِمتانة الحاجز الذي صمد حتى الآن
«لا… في الحقيقة لقد حدث خلل في الداخل»
رنّت كلمات هان شوانجي، فأفزعت المعلّم الغراب في الحال
«آه»
«وإلا لكان هذا الختم انحلّ تلقائيًا في الظروف العادية»
شرح هان شوانجي
لقد نصب «السامي فناء الداو» هذا التشكيل العظيم لا ليقمع عنقاء التسع أغوار الآكلة إلى الأبد، بل ليمحو طبيعتها الشيطانية، غير أن الزمن طال، وغاب «السامي فناء الداو»، فتعرّض باطن هذا التشكيل العظيم لعطب
وما إن سمع ذلك حتى طار المعلّم الغراب أمام هان شوانجي وعيناه تغرورقان وهو يتضرّع: «يا سيّدي، أرجوك أسرع في ابتكار طريقة»
ولمّا رأى جيانغ هاو حال المعلّم الغراب الموجعة وقلبه مكسورًا رقّ قلبه قليلًا وتلاشت خواطره الساخرة السابقة
أومأ هان شوانجي، وحمى بيستود نيم وجيانغ هاو وهو يطير بهم نحو الجزيرة
وسارع المعلّم الغراب يتبعهم
فلمّا رأت أرواح الخرائب القوم وقد قدموا تفرّقت جميعًا ولم تجرؤ على اعتراضهم، سواء مهابةً لهان شوانجي أو لِبيستود نيم

تعليقات الفصل