الفصل 485: التعطش للدم [3]
الفصل 485: التعطش للدم [3]
دوي!
مزق انفجار مرعب الهواء
اهتز المحيط، ومعه السلاسل المتدلية في الأعلى، إذ تأرجحت بعنف في كل الاتجاهات
لكن لم ينتبه أحد إلى ما كان يحدث حوله
في تلك اللحظة، وقعت كل الأنظار على الشذوذ، وتوقفت القلوب دفعة واحدة
وخاصة قلب كاثرين
“…..”
“…..”
هبط صمت ثقيل بينما ارتفع الغبار في الهواء
لم يعرف أحد ما الذي حدث، لكن في تلك اللحظة، شعر بعضهم بالأمر أكثر من غيرهم…
الموت
للحظة عابرة فقط، شعرت كاثرين بالموت يحدق في وجهها مباشرة، وقد شحب وجهها تمامًا وهي تقف ساكنة بالكامل، وتجمد جسدها من الصدمة بينما بدأت النسخ من حولها تتلاشى واحدة تلو الأخرى
كان جبينها الآن غارقًا تمامًا في العرق، وكانت عيناها الخضراوان الزمرديتان ترتجفان بعنف وهي تدير رأسها ببطء لترى الغبار يستقر، كاشفًا الجزار وهو يقف أمام جزء محطم من الغرفة
“…..”
وقف في صمت، ولم يقل كلمة واحدة
ومع ذلك—
شعرت هي والآخرون بذلك بوضوح
ذلك… الإحساس الملتوي والمفزع بالبهجة داخل نظرته
كأنه عثر على لعبته المفضلة ليلهو بها
سواء كاثرين أو الآخرون في الغرفة، شعروا جميعًا بذلك في اللحظة نفسها. انتصب الشعر على ظهور أيديهم، واقشعرت جلودهم بينما تعثرت أنفاسهم. ازداد الضغط الجاثم على الغرفة اختناقًا، مجبرًا بعضهم على الإمساك بحناجرهم وهم يتراجعون مترنحين
“هـ-هذا…”
“كـ-كيف يفترض بنا… أن نهزم ذلك؟”
“أنا…”
هبط إحساس ثقيل بالأزمة على الغرفة. ومع شعورهم بذلك الضغط الخانق القادم من شذوذ واحد فقط، بدأوا جميعًا يغرقون في اليأس. كيف يمكنهم هزيمة هذا؟ كان الأمر مستحيلًا!
اهربوا!
كان عليهم أن يهربوا!
’تـ-تبًا’
بينما كانت تحدق في فريقها، استطاعت كاثرين أن تشعر بأن عقول كل الحاضرين قد تلوثت بالشذوذ أمامهم. تسلل تعطشه الساحق للدم إلى أفكارهم، وزرع بذور خوف عميقة تجذرت تقريبًا في لحظة. حتى هي… استطاعت أن تشعر بالخوف نفسه يبدأ بالزحف عبر عقلها. ولحسن الحظ، تمكنت بالكاد من التمسك بقدر كاف من الصفاء لتلاحظ شيئًا
“تـ-مهلوا”
مدت يدها لتمنع الآخرين، وابتلعت كاثرين بتوتر وهي تحدق في الشذوذ. ومع إلغاء معظم نسخها، لم تعد متعبة ومنهكة كما كانت من قبل
بالطبع، كانت ما تزال بعيدة عن حالتها المثالية، لكنها على الأقل كانت أفضل مما كانت عليه سابقًا
أفضل من تلك اللحظات التي كانت بالكاد تستطيع فيها إجبار نفسها على التنفس
“قـ-قائدة؟”
بينما شعرت كاثرين بالشكوك الصادرة من مجموعتها، ابتلعت بتوتر وهي تواصل التحديق في الشذوذ. وكلما نظرت إليه أكثر، ازداد إحساس اليأس الذي تشعر به، وتسارع قلبها أكثر من أي وقت مضى، فابتلعت ريقها قبل أن تتكلم أخيرًا
“أنا… لا أظن أنه هنا من أجلنا”
جعلت كلماتها عدة أشخاص يتوقفون
ليس هنا من أجلهم؟
فهم بعض الأكثر حدة للأمر فورًا عندما عادوا بتفكيرهم إلى التفاعل السابق
“إذا فكرنا في الأمر، فالشذوذ لم ينظر إلينا ولو مرة واحدة…”
“…الآن بعدما ذكرت ذلك، أنت محق”
“انتظروا…”
استدارت كل الرؤوس نحو كاثرين مرة أخرى وهي تضغط شفتيها معًا، ونظرتها مثبتة على جانب وجه الجزار ذي رأس الخنزير. وفي النهاية، كأنه شعر بعينيها عليه، أدار الجزار رأسه ببطء، فالتقت عيناها الزمرديتان بعينيه القرمزيتين الحادتين
بدا الزمن كأنه تجمد بالنسبة إليها في تلك اللحظة، وانسحب الهواء نفسه من رئتيها بينما بقيت العينان الحمراوان القرمزيتان مثبتتين عليها
في تلك اللحظة بالذات…
شعرت كاثرين بما لا يمكن وصفه إلا برعب عميق يغوص في الصدر
لكن فوق كل شيء…
أدركت ذلك بوضوح كامل—
الابتسامة الكامنة خلف تلك العينين
ابتسامة عميقة وفاسدة لا تخفي شيئًا سوى إحساس النشوة الذي شعر به الجزار في تلك اللحظة نفسها، بينما أدار رأسه ببطء وسار عبر الجدار المحطم، تاركًا خلفه الصمت وحده
ثم…
قرقشة!
انطبقت أسنان كاثرين بقوة
بقوة شديدة حتى بدا وكأنها ستتشقق تحت الضغط
“تبًا!!!!!”
’أنا أقترب. أستطيع الإحساس بذلك. أستطيع… الشعور به بشكل أفضل. نعم، أنا على وشك الوصول. أين أنت؟ أين تختبئ؟ لقد كنت أبحث عنك منذ وقت طويل’
كانت رؤيتي ضيقة
ضيقة إلى درجة أنني بالكاد كنت أستطيع متابعة ما يحدث حولي
كل ما كنت أراه هو ما أمامي
…أو بدقة أكبر، ’النقطة’ التي أمامي. تلك التي كنت متأكدًا من أنها الرئيس
كنت أقترب منها أكثر فأكثر، ومع كل خطوة أخطوها، كانت السكين في يدي ترتجف بعنف أكبر، وتغمرني بإحساس مقلق، يكاد يكون مسكرًا، من المتعة
’آه، نعم…’
كنت أعلم أن الأمور بدأت تصبح خطيرة
كان هناك احتمال حقيقي جدًا أن أفقد عقلي، ومع ذلك كنت ما زلت أرغب في التقدم. كان الخطر واضحًا بلا شك، لكن إن كنت أنوي مواصلة السير إلى الأمام، فعلي أن أتبع هذا الطريق قبل أن ينزلق كل شيء إلى نقطة لا عودة منها
ولحسن الحظ…
كنت قد وصلت إلى وجهتي
بينما بدأت خطواتي تتوقف ببطء، تردد صوت تقطيع بعيد في المحيط، وبدأت النقطة في رؤيتي تكبر أكثر فأكثر. وفي النهاية، صارت كل ما أستطيع رؤيته، بينما تلاشى القرمزي من بصري، وظهرت غرفة كبيرة أمامي
تك…!تك…!تك…!
ازداد الصوت ارتفاعًا مع كل خطوة أخطوها، متزامنًا بشكل مقلق مع إيقاع نبض قلبي. ومع اختفاء آخر آثار القرمزي من رؤيتي، بدأت الأشكال تتكون. أشكال داكنة معلقة، تتدلى من السقف كنوع من الزينة
كان الهواء كثيفًا… كأن شيئًا رطبًا عالقًا به
خطوت خطوة أخرى
سحق رطب
الأرض… لانَت تحت حذائي
توقفت خطواتي أخيرًا بينما نظرت نحو الغرفة
كانت طويلة، معتمة، ومغمورة بضوء أصفر كئيب يومض كل بضع ثوان، كأن المصابيح على وشك الانطفاء. اصطفت طاولات معدنية صدئة على الجدران، وكانت أسطحها مخدوشة وملطخة بطرق ذكرتني بالقرمزي الذي يغطي مئزري
تدلت السلاسل من الأعلى، وتنتهي كل واحدة منها بخطاف يقطر منه شيء داكن وبطيء
وعند أقصى نهاية الغرفة—
تك.تك.تك
مصدر الصوت
وقفت هيئة ضخمة منحنية فوق لوح غارق في الدم. كان ظهرها العريض يعلو ويهبط مع كل نفس بطيء. كان شيء ما يصدر صوتًا رطبًا تحت نصلها وهي تقطع مرة… ثم مرة… ثم مرة. وكل ضربة كانت ترسل قطرات متطايرة، فتتناثر بخفة على الجدار القريب
ارتجفت يدي بخفة
ليس خوفًا
بل… شيئًا آخر
تك…!
استولى البرد على الغرفة
للحظة، كدت أظن أنه لم يلاحظني. بقيت الشخصية مركزة بالكامل على ما كان تحت نصلها، تنحت وتشرح وتقطع بإيقاع ملتوي، منظم، صبور، يكاد يكون… رقيقًا
ثم—
توقف
وضع السكين جانبًا، ومد الشذوذ يده ببطء نحو المنشفة البيضاء إلى جواره، وبدأ ينظف رأسه بينما أدار رأسه ببطء ليواجه اتجاهي
وحين فعل، توقف
التقت نظراتنا، وانفرجت شفتاه
“أنت… هنا”
ابتسمت عندها
“مرحبًا~”

تعليقات الفصل