الفصل 599: شذوذ جديد [1]
الفصل 599: شذوذ جديد [1]
ومضة!
استولى الظلام على الغرفة
رغم أن المكتب كان مألوفًا لي، بدأ فجأة يبدو مختلفًا، إذ صار الهواء نفسه باردًا وشعرت بوجود إضافي
لم أصب بالذعر
كنت أعرف أنه لا وقت لدي للذعر وأنا أحدق في المرآة
لم أعد أستطيع رؤية انعكاسي، لكنني كنت أشعر بوجود داخل الغرفة. كان الوجود عالقًا في مكان ما بينما أغلقت عيني وتعقبته بعقدتي
على عكس السابق، وبعد أن صار الشذوذ متصلًا بي عبر عقدتي، أصبحت أستطيع الإحساس بوجوده في كل الأوقات، وعندما فتحت عيني مرة أخرى، عرفت أنه عالق داخل المرآة
’حسنًا’
أخذت نفسًا عميقًا، وشعرت بأن الهواء يزداد برودة
’ينبغي أن يكون الشذوذ داخل المرآة. إذا انقلب الوضع، فسأجعل سائر العوالم يغطي المرآة فحسب. كل شيء مرتب. أحتاج فقط إلى—هاه؟’
توقفت أفكاري فجأة في اللحظة التي شعرت فيها بشيء يضغط على ظهري. قبل أن أتمكن حتى من الرد، دُفعت نحو المرآة، وبالكاد تمكنت من إدارة رأسي في الوقت المناسب لألمح سائر العوالم عبر الظلام
ضربني شعور مفاجئ بالألفة
هذا…
ألم يكن هذا مألوفًا؟
هذا الحقير اللعيـ—
بانغ!
اصطدمت بشيء صلب، فتعثرت إلى الأمام وأنا أمسك برأسي
“أخ…! تبـ—!”
خرجت مني بضع شتائم هنا وهناك. جزئيًا بسبب الألم، والأهم بسبب الخيانة المفاجئة
“انس أمر الحصول على درع حي جديد! سأحرص على أن تصبح درعي الحي مدى الحياة! هذا وعد!!”
بعد أن شتمت عدة مرات أخرى، أبعدت يدي أخيرًا عن جبيني. وعندها ماتت الكلمات على شفتي وأنا أنظر حولي، مذهولًا بما كنت أراه
هذا…
تعرفت على هذا المكان
هذه الغرفة تحديدًا
رغم أنها لم تكن متهالكة كما في السابق، كان ضوء دافئ ينساب من الأعلى بينما كانت الستائر تنتفخ بلطف، ويتسلل هواء نقي عبر الغرفة. وقف دولاب مألوف عند الجانب، واستقرت مرآة نقية بجانبي
لم يكن هناك شك في ذلك
كانت هذه النقطة زد
أو لكي أكون أكثر دقة، كانت هذه النقطة زد قبل الضباب
“ما الذي يحدث؟”
نهضت بصعوبة، وتقدمت نحو النافذة ونظرت إلى الخارج. المشهد الذي استقبلني تركني مذهولًا. كانت الأشجار تحفيف تحت نسيم خفيف يمر في الهواء، وعبث بشعري معه. تردد ضحك دافئ في الأسفل بينما لمحت عدة أشخاص مجتمعين هناك
بدا هذا المكان جميلًا للغاية
’…نعم، لا شك في ذلك. لا بد أن هذه هي النقطة زد قبل الضباب’
لكن لماذا كنت هنا؟ هل عدت إلى الماضي؟
لا، بدا ذلك غير محتمل
هل كان هذا هو شكل العالم داخل المرآة؟ شيء آخر من نوع الجنة؟
بصراحة، لم أكن متأكدًا، لكن بينما بقيت عيناي مثبتتين على المشهد في الخارج، انفتح الباب خلفي فجأة، ودخلت شخصية
كلانك!
تخطى قلبي نبضة وأنا أدير رأسي
دخلت شخصية، وكان فستانها الأبيض الطويل ينساب خلفها بنعومة وهي تتجه نحو المرآة. أمسكت فرشاة في يدها، وبدأت تمررها خلال شعرها بضربات بطيئة وثابتة
عند دخولها الغرفة، لم تبد وكأنها تشعر بوجودي إطلاقًا
بل… كان الأمر أقرب إلى أنها لا تستطيع رؤيتي على الإطلاق. لكن ذلك لم يكن ما صدمني أكثر. وأنا أحدق بها، ابتلعت ريقي بصمت بينما أتأمل ملامحها. أو غيابها. لم يكن لها وجه. لا أنف. لا عينان. لا فم. مجرد سطح أملس فارغ حيث كان يفترض أن يكون وجهها، بينما واصلت تمشيط شعرها أمام المرآة
ازداد انتباهي
هل كان هذا سيناريو آخر علي إنهاؤه؟
’لكن أين المهمة؟’
عادة، كنت أرى نافذة مهمة في اللحظة التي أُدفع فيها إلى سيناريو
إذًا…؟
تررر! تررر—!
تردد صوت رنين مفاجئ في أرجاء الغرفة كلها
انتفض قلبي
ذلك الرنين…
“أمي! أمي…! أجيبي على الهاتف، أمي!”
نادت الفتاة عديمة الوجه من الأسفل، لكنها لم تتلق أي رد. أنزلت يدها، ثم استدارت وتمتمت، “لماذا لا يرد أحد بحق الجحيم؟”
ثم بدأت تخرج من الغرفة
تبعثها من الخلف دون تفكير ثان. صار واضحًا الآن أنها لا تستطيع الإحساس بوجودي إطلاقًا، حتى بينما كان الصرير العالي للهاتف الأرضي يتردد في أرجاء المكان كله
في النهاية، رفعت سماعة الهاتف
“مرحبًا؟”
بدا صوتها منزعجًا إلى حد كبير
لكن الانزعاج لم يدم طويلًا إذ تغير وجهها
“ماذا؟”
كان هناك ارتباك في نبرتها وهي تجيب
رهفت أذني محاولًا الاستماع، لكنني لم أستطع تمييز ما كان يُقال تمامًا. في النهاية، لم أكن بحاجة إلى ذلك
“انتظر، انتظر… عم تتحدث؟ أصعد إلى الطابق العلوي؟ لماذا أحتاج إلى الصعود؟”
’اصعدي إلى الطابق العلوي!’
اخترقت صرخة سماعات الهاتف بينما أفلتت الفتاة السماعة. وفي الوقت نفسه، التفت رأسها بعنف نحو الباب. التفت أنا أيضًا، وتقلصت معدتي بينما استقر داخلي شعور مفاجئ بالرهبة
كنت أشعر بالأرض تهتز تحت قدمي، وبدأت النوافذ تتحطم مثل زجاج مكسور
“هـ-هاه…!؟”
أطلقت الفتاة صرخة فزع وهي تحدق في النافذة. بدأ المنزل يرتجف بعد لحظة، وبينما اقتربت من النافذة، رأيته
ارتفع ضباب كثيف داكن من بعيد، يدور بعنف وهو يندفع خلال كل ما في طريقه، مبتلعًا الأبنية والحياة على حد سواء، كما لو كان يسعى إلى ابتلاع العالم كله. واصل المنزل الاهتزاز، والارتجاجات تضرب هيكله، لكن رغم الحركة العنيفة، بدا الضجيج وكأنه اختفى تمامًا، تاركًا خلفه صمتًا غريبًا أجوف
واصلت التحديق في الضباب المقترب، والرهبة تلتف في معدتي أكثر كلما اقترب. بجانبي، تراجعت الفتاة خطوة، وكان جسدها يرتجف. رغم أنني لم أستطع رؤية وجهها، استطعت أن أعرف أنها كانت تحاول قول شيء ما، وكانت حركاتها مترددة ومتوترة
لكن الصمت استمر
زحف فوق العالم، قابضًا على كل الكائنات الحية بينما كان يزداد سرعة، مبتلعًا كل ما في طريقه
ركضت الفتاة بجانبي
اندفعت نحو الطابق الثاني بأقصى سرعة ممكنة
تأخرت ردة فعلي خطوة، إذ بقيت عيناي عالقتين بالضباب البعيد. لكنني في النهاية تبعتها صاعدًا الدرج، ولحقت بها بسرعة، وبالكاد تمكنت من الدخول عندما أغلقت الباب خلفها بعنف
وبظهرها المضغوط إلى الباب، كان صدرها يعلو ويهبط مرارًا
انسابت الدموع على وجهها عديم الملامح بينما التفتت نحو النافذة. في الصمت، واصل الضباب التقدم، مبتلعًا كل ما في طريقه، وكان صوت خافت حاد يقطع السكون بينما يملأ الهواء
نظرت إلى الضباب، وبقيت ساكنًا
راقبته فقط وهو يقترب من طريقنا ببطء
بطريقة ما، بدا الأمر… حتميًا
سرعان ما أصبح الضباب على وشك بلوغنا، يتدحرج إلى الأمام بسرعة مرعبة بينما يبتلع كل ما في طريقه. في عيني، بدا كأن العالم قد تباطأ إلى زحف بطيء، ومع ذلك اندفع الضباب أقرب في لحظة. كان سريعًا، سريعًا أكثر مما ينبغي، وبينما أدرت رأسي، كان آخر ما رأيته هو الفتاة، وظهرها مضغوط إلى المرآة المألوفة، وكلتا يديها تمسكان بالمكان الذي كان يفترض أن يكون فمها فيه
ثم…
سواااش—
ابتلعنا الضباب بالكامل

تعليقات الفصل