الفصل 311
الفصل 311: أينما يسطع الضوء السماوي، يتحوّل كل شيء إلى غبار!
في ذلك الوقت، حين واجه الحياة والموت، كان تركيزه منصبًا على الفرار فقط، ومن الطبيعي أنه لم يلحظ تلك الأمور
لكن الآن، ومع مجرد استرجاع خفيف، وجد أن المشهد مليء بنقاط غريبة وغير مألوفة
لم يستطع يوين فنغ إلا أن يغوص في التفكير، وبدأ يخمّن شتى الاحتمالات
غير أنّ أفكاره لم تدم سوى ثلاث أنفاس قبل أن تنقطع فجأة
فأثر تضرّر روحه كان كبيرًا جدًا، حتى إنه لم يعد قادرًا على التركيز، ولم يشعر إلا بصداع ممزِّق
شهق يوين فنغ نفسًا باردًا وبدّد بسرعة الأفكار المشتتة في ذهنه
ثم أغمض عينيه واختار أن يستريح
وعلى الرغم من رغبته الشديدة في استعمال أدوات خارجية لمعالجة جراحه
فإن حال فضاء القصر الأرجواني داخل جسده كان سيئًا للغاية
ولذلك عجز تمامًا عن استخراج ما خُبِّئ فيه من أعشاب ثمينة وحبوب للمعالجة
ومادام لا يقدر على إظهار أدنى مقدار من القوة، فقد عجز حتى عن فتح خاتمه الفضائي
خلاصة القول، لقد سقط الآن في وضع بائس، ولم يعد يستطيع سوى الاعتماد على قدرته الذاتية على التعافي لمعالجة إصاباته
لكن هذا النوع من التعافي سيستغرق بلا شك زمنًا طويلًا جدًا
سيستغرق على الأقل مئات السنين
وخلال هذا الزمن، لا بد ألّا تكتشفه تلك الوحوش العنيفة بأي حال
فإن اكتشفته، فلن ينتظره إلا الموت
لقد جعله احتمال أن يصير طعامًا للوحوش في المستقبل يشعر بطغيان الحزن والغضب
ما زالت أمام يوين فنغ أهداف كثيرة لم تُنجَز بعد، فكيف له أن يرضى بالموت
عضّ يوين فنغ على أسنانه، وبأعماق قلبه أرسل دعاءً إلى العُلى، راجيًا أن تسمح له العُلى بأن يتعافى أسرع
فما إن يتمكّن من إصلاح فضاء القصر الأرجواني، سيتمكّن من استرجاع الموارد المخزّنة فيه، وبذلك يسرّع تعافيه ويهرب أخيرًا من هذا المكان
وبالنظر إلى الوضع، فقد فهم أن هذا العالم الصغير للكهف السماوي يخفي رعبًا عظيمًا، وليس مما يمكنه أن يتورّط فيه إطلاقًا
بل وحتى على امتداد تشين العظمى كلها، فالأرجح أنه لا أحد يستطيع التورّط فيه
ولا يملك السيطرة عليه إلا أهل السلالة الحاكمة
لكن الحوادث لا تُتوقّع دائمًا
ففي اللحظة التي واصل فيها يوين فنغ الدعاء بقلبه، وقع تغيّر مفاجئ
طَق…
صدر صوت فجأة من الأعلى
فَتح يوين فنغ عينيه على حين غرّة ورفع رأسه ينظر
وتحت نظراته المشدودة
رأى شقوقًا كثيفة كشبكة العنكبوت تبدأ بالظهور على سطح الجدار الحجري
هذا هو…
في لحظة انكمشت حدقتا يوين فنغ بعنف، وانتصبت شعيرات جسده كلها
انتهى الأمر
هذا كان الفكر الوحيد في ذهنه
في اللحظة التالية
بوم—
وترافق الصوت مع دويٍّ مكتوم هائل
تحطّم الجدار الحجري وانهار بقعقعة، وتساقطت حجارة لا تُحصى
غبرات ملأت السماء، وصخور تطايرت في كل مكان
وخرجت من بين الغبار وحوش ضخمة متوحشة المنظر، واحدًا تلو الآخر
أطلقت أولًا عواءها نحو السماء بصوت يصمّ الآذان، كأنها تستدعي مزيدًا من الرفاق
ثم خفضت رؤوسها ونظرت معًا إلى يوين فنغ
كانت عيونها تتوهّج بحُمرة دموية مخيفة، واندفع من أعماق حدقاتها قصد قتل جارف
وتقدّمت نحو يوين فنغ خطوة بعد خطوة، وفتحت شيئًا فشيئًا أفواهها الدامية التي تفوح منها رائحة دموية كريهة
وأمام هذه المخلوقات التي كان يستطيع في الماضي أن يُفني منها الآلاف بسهولة كالنمل الضعيف، شعر يوين فنغ بخوف غير مسبوق
تسارع خفقان قلبه، وعلت وهبطت صدره بشدة، وكان صوت تنفّسه عاليًا حتى إنه سمعه بوضوح
وسال العرق البارد من جسده كله بلا سيطرة
وانفرجت شفتاه قليلًا، ومع أنه كان يختزن ألف كلمة، لم يستطع أن ينطق بها
وفي النهاية لم يجد يوين فنغ إلا أن يغمض عينيه بيأس وينتظر قدوم الموت
واقتربت خطواتهم أكثر فأكثر
وفي اللحظة التي ظهرت فيها تلك الزئير المنخفض أمامه
دوووم———
دوّى صوت هائل يهزّ الأرض فجأة
فتوقفت مجموعة الوحوش التي كانت تستعد لالتهام يوين فنغ فجأة
وبدا أن قلوبها تلقت نوعًا من النداء
فاستدارت كلها واندفعت نحو موضع واحد
ولما شعر يوين فنغ بأن الوحوش قد غادرت
ارتخى جسده لا إراديًا، وزفر نفسًا عكرًا، وفتح عينيه من تلقاء نفسه يتفحّص ما حوله
وكان المشهد قد خلا منذ زمن من آثار الوحوش
رفع رأسه قليلًا ونظر نحو السماء عبر الفتحة المنهارة
فرأى أن السماء الشاهقة التي كانت معتمة تمامًا قد صارت ساطعة على نحو استثنائي، كأن النهار قد حلّ
«ما هذا؟»
اتسعت عينا يوين فنغ
وكانت لديه بالفعل بعض التخمينات في قلبه
الأرجح أن تغيّرًا كبيرًا وقع في الخارج، فأغرى تلك الوحوش بالابتعاد وأنقذ حياته بذلك
وما إن فكّر بهذا حتى استعدّ للخروج والنظر
لقد انكشف هذا المكان بالفعل، ولذا يحتاج إلى العثور على مخبأ آخر
حشد يوين فنغ كل قوته ونهض بصعوبة
ثم تجاهل ألم جسده، ومدّ يده اليسرى وزحف خارج الفتحة
وما إن بلغ الخارج حتى كان يوين فنغ قد ابتلّ عرقًا من الإعياء، وكان يلهث بلا انقطاع
وخرّ جالسًا على الأرض، ثم رفع رأسه ونظر أمامه
وما إن وقع المشهد في عينيه
حتى تصلّب يوين فنغ لا إراديًا، وانكمشت حدقتاه بعنف، وغرق في صدمة قصوى
لقد رأى كتلًا داكنة كثيفة من الوحوش كلها تنطلق نحو اتجاه واحد
وعلى مقربة من مقدّمتها، كان يقف لوح حجري أثري بارتفاع نحو 3300 متر منتصبًا على الأرض
كان اللوح الحجري رماديًا أبيض، ولا نقوش على سطحه، ولا عليه إلا حرف واحد
كان حرفًا كبيرًا بمعنى «القمع»
وعند النظرة الأولى لم يلحظ في هذا الحرف شيئًا غير عادي أو عميق
لكن ما إن أمعن النظر حتى شعر يوين فنغ في الحال وكأن روحه توشك أن تُمتصّ داخله
وما إن أدرك ذلك حتى حاد ببصره سريعًا، ولم يجرؤ أن ينظر إلى هذا الحرف الغريب ثانية
«ما هذا الشيء بحقّ العالم؟»
كان الذعر يملأ قلب يوين فنغ
ويُعلم أن روحه وإن تضرّرت، فإن جوهرها لم يتغيّر، فهي روح في مرحلة الظواهر الكثيرة بالمستوى التاسع
غير أنه أمام هذا اللوح الحجري الغامض وجد صعوبة في الصمود حتى لبضع أنفاس
ومن الواضح أن هذا اللوح ليس شيئًا في مستوى التحوّلات الكثيرة إطلاقًا
«أيمكن أن يكون مرحلة روح الوليد؟»
«لا، لقد رأيت مزارعين في مرحلة روح الوليد يتحرّكون من قبل، ومع أن قوتهم كبيرة، فإنهم قطعًا لا يمنحونني هذا الإحساس الساحق، ولا احتمال إلا واحدًا: إن المستوى الحقيقي لهذا اللوح أعلى من روح الوليد»
«مرتبة الإنسان السماوي؟!»
وما إن طرأ هذا الخاطر حتى ارتجف جسد يوين فنغ، وشعر بروحه تهتز
شخص قوي في مرتبة الإنسان السماوي؟ يا له من وجود مرعب
فحتى داخل السلالة الحاكمة، فهم ذوات عليا قادرة على الهيمنة على العصر الراهن وتُبجَّل كأسلاف
وقوتهم عظيمة إلى حد أنه بضربة واحدة يمكنهم تدمير تشين العظمى بأكملها
وحتى «السيد الحق ذو التحوّلات الكثيرة» القوي لن يكون أمامهم إلا جرادة أكبر قليلًا فحسب
«هذا… كيف يمكن؟ في داخل هذا العالم الصغير للكهف السماوي، لماذا يظهر شيء بهذا المستوى؟»
«منطقيًا، لا ينبغي ذلك إطلاقًا»
خلا وجه يوين فنغ من التعبير، ولم يستطع إلا أن يقع في حالة من الشك في كل شيء
لكن في هذه اللحظة، دوّى من الأعلى مرة أخرى صوت انفجار هائل، يردّد صداه بين السماء والأرض بلا انقطاع
فتتبع يوين فنغ مصدر الصوت ونظر
فرأى عاليًا في السماء
ضوءًا ذهبيًا متألّقًا مرعبًا اندفع فجأة، يضيء ما حوله ويبعث هالة لافحة
ولوهلة تدفقت موجات حرارية تجتاح كل الجهات وتبخّر كل مياه المطر
وليس ذلك فحسب، بل أينما سطع الضوء السماوي لم تنبت نبتة، وتحولت أعداد كبيرة من الوحوش إلى برك من الغبار
ومن بعيد كانت هذه السطوة أشبه بشمس صفراء ذهبية تهبط على العالم، وتبدّد بضيائها كل ظلام ودَنَس

تعليقات الفصل