الفصل 599
الفصل 599: العيون السوداء
منذ حصوله على ترِكة الطائفة القديمة للريح والروح والقمر والظل
كرّس نفسه للزراعة الروحية، ومن دون أن ينتبه كانت قد مرّت نحو سنتين
مع أنّ تقنية الزراعة الروحية الموروثة من تلك الطائفة قوية، فإنها ليست متفرّدة بين التقنيات من المستوى نفسه، بل متوسطة
قوّتها الحقيقية، بل المتفرّدة، تكمن في طريق الصفائف
فقد كانت طائفة قوية أنجبت يومًا ساميًا في الصفائف بمرتبة الكمال العظيم، ولم يكن يفصله عن أن يصير إمبراطور الصفائف سوى خطوة واحدة
لذا كان إرث الصفائف في تلك الطائفة القديمة استثنائيًّا على نحو طبيعي، متجاوزًا خيال الغرباء بكثير
وفوق ذلك تمتّع هو نفسه بموهبة معتبرة
لذلك، وخلال هذه الأيام، وفي زاوية لا يعرفها أحد
رفع جيانغ بييه بصمت زراعته في الصفائف إلى مستوى معلّم صفائف عالي الدرجة بثلاثة نقوش
فالمعلّم العادي من هذا المستوى لا يستطيع إلا نشر صفائف من رتبة الأرض، درجة عليا
لكن لكونه أتقن إرث تلك الطائفة القديمة، أمكنه استخدام أساليب فريدة لنشر صفائف من رتبة العالم السماوي، درجة دنيا مبكرًا، كما فاقت سرعته في النشر سرعة معلّمي الصفائف العاديين بكثير
بعد سماع جواب جيانغ بييه، أدرك جيانغ شيان فجأة أنّ الآخر لا بد أنه نال فرصة استثنائية
لكنه، بوصفه فردًا من عائلة جيانغ في كانغوو، يعرف عمق روابط العائلة، فلم يشعر بالغيرة مطلقًا، بل غمرته راحة حقيقية
لذلك ابتسم وردّ قائلًا: «يا جيانغ بييه، أيها الشاب من العشيرة، إنك حقًّا ذو حظ عظيم»
«هذا الشاب من العشيرة ينتظر أن تدخل قريبًا صفوف المعلّم الأعظم في الصفائف، ولعلّك آنذاك تحظى بفرصة للجلوس في منصب رئيس قاعة الصفائف»
هزّ جيانغ بييه رأسه وقال بتواضع: «ما مدى أهميّة منصب رئيس القاعة؟ وهل تُنال مرحلة المعلّم الأعظم بهذه السهولة؟ أعلم أنني لا أملك بعد تلك الأهلية»
«فزعيم قاعتنا الجديدة، قاعة الدان، قد اخترق بالأمس إلى مرحلة السامي في الدان»
«وبالمقارنة، إن بقيت في مرحلة المعلّم الأعظم فقط، ألن أتأخر كثيرًا؟ كيف أكون مؤهلًا لأكون في مستواه؟»
عند هذا الكلام، توقّف صوته قليلًا
ولمع في أعماق حدقتي جيانغ بييه وميض عزم
ثم تابع: «لكن إن استطعت يومًا اختراق مرحلة السامي في الصفائف، فلن أتردّد قطّ في المنافسة على منصب رئيس قاعة الصفائف»
«حينها:
لِيكن كلُّ فرد في عشيرتنا كالتنين، وليزدهر طريق الصفائف حتى يُخضِع العالم
ولْينحنِ كلُّ من يزرع الصفائف في العالم السماوي لعشيرتنا، وليعدّها أراضي مكرّمة
ولْيبقَ إرث عشيرتنا أبديًّا، تحدق إليه الخلائق وتعدّه حقًّا»
في تلك اللحظة، توهّجت الحماسة في عيني جيانغ بييه كأنها لهب
كان يعرف تمامًا كم هو نادر ونبيل منصب رئيس القاعة داخل العشيرة الآن
وبسبب ذلك بالذات، جعله هدفًا يسعى إليه
وما إن سمع جيانغ شيان هذا حتى ارتسمت ابتسامة على زاوية شفتيه
«يحمل جيانغ بييه، الشاب من العشيرة، طموحًا ساميًا كهذا، فكيف أرضى أنا، كشاب من العشيرة، بأن أتأخر؟»
تمتم لنفسه وعيناه مملوءتان بالعزم
«يبدو أنه بعد انتهاء أمر منجم كنوز المصدر السماوي، ينبغي أن أفكّر أنا أيضًا في تعليق شؤون الأكاديمية وتسليمها للآخرين، لأُفرِغ وقتًا لأسعى وراء تلك الفرصة التي تخصّني…»
رفع جيانغ شيان رأسه بصمت، وحدّق في البعيد
وفي أعماق حدقتيه، وميض سماوي أزرق مخضرّ يخطف الروح
بعد إيقاظه جسد تشينغ ليان السماوي، لم يستطع أن يسيطر تمامًا على قوّته الحقيقية
إذ على الرغم من بحثه الدؤوب، افتقر إلى التوجيه الصحيح
لذا لم يستطع إطلاق أكثر من 30% من طاقته
ولإطلاق القوّة الكاملة لجسد تشينغ ليان السماوي، بل وتجاوز حدوده إلى 120% من بأسه، عليه أن يجد ويزرع تقنية زراعة روحية ملائمة لهذا الجسد
وكان في قلبه بعض الخيوط عن مكان تلك التقنية
عادت أفكاره إلى الماضي
إذ استشار ذات مرّة زعيم العشيرة بشأن هذا الأمر في عاصمة اليشم الأبيض
وبعد استنباط، أعطاه زعيم العشيرة اتجاهًا: «المنطقة الوسطى، غابة الأخشاب الخضراء»
ومع أنه امتلك خيوطًا من قبل، فإن وجود حاجز المناطق الخمس جعله عاجزًا عن دخول المنطقة الوسطى
أمّا الآن، ومع ضعف قوّة الحاجز، فقد سنحت له فرصة لدخول المنطقة الوسطى والبحث عن التقنية
وكان من المتوقّع أنّه ما إن يحصل على تلك التقنية، ستتقدّم قوّته قفزات واسعة وتبلغ نقلة نوعية
وعندئذ سيكون أحقّ بحمل لقب أحد أبطال كانغوو التسعة
وسيكون أحقّ أيضًا بأن يكون قدوة وحاميًا لأفراد العشيرة، وأن يسير مع جيانغ تشن لحماية مصالح العشيرة وكبح كلّ الأعداء من الخارج
وبينما غرق جيانغ شيان في التأمّل
كان جيانغ بييه قد خرج في تلك اللحظة من تفكيره العميق
وأدار رأسه ببطء، وجال ببصره على القادمين من المنطقة الوسطى
وتحت نظرات هذا الجمع المذعورة
عاد دفء الابتسامة إلى وجه جيانغ بييه
«إن أردتم النجاة، فسلّموا طاعةً كلَّ الكنوز التي بحوزتكم»
«وإلا… فستتحمّلون العواقب»
وبعد غنائم وفيرة من المتفوّق ذي الثوب الأزرق
لم يستطع إلا أن يمتلئ توقًا لما لدى الآخرين من المنطقة الوسطى
فهذه الكنوز لا تفيد نفسه فقط، بل تفيد كثيرًا من أفراد العشيرة، ولا يمكن تفويتها مطلقًا
وما إن انخفض صوت جيانغ بييه حتى عمّ الصمت المكان كله
وكثيرون، حين تذكّروا المصير البائس لذاك المتفوّق ذي الثوب الأزرق، شحبوا واضطربوا
لم يتوقّعوا أنه بعد سلب الأوّل، لم يكتفِ الطرف الآخر، بل يستعدّ الآن لأخذ ما لديهم هم أيضًا
غير أنّ المتفوّق ذي الثوب الأزرق، بخلاف خوف الجميع، شعر بقليل من الارتياح في قلبه
فرفع رأسه قليلًا، وجال ببصره بين الحشود، ولمع في أعماق عينيه أثر من الشماتة
وحدّث نفسه: «حسنًا، حسنًا، كلكم تسخرون مني، أليس كذلك؟»
«الآن الأمر جيد، ما إن يتعرّض الجميع للإذلال، فلنرَ من يجرؤ بعد ذلك على نشر الأمر»
فبدل أن يكون شخصًا واحدًا هو أضحوكة المناطق الخمس
كان يأمل بلا شك أن يصبح الجميع أضحوكة معًا
لأن ذلك سيُسهم في تشتيت الأنظار عنه
ويمنع تجمّع كل تلك النظرات عليه وحده
لكن الواقع لم يسر على هواه
إذ دوّى صوت جيانغ بييه مجددًا: «همم، باستثناء الضرورات الشخصية، يجب تسليم كل ما تبقّى»
ولعلّه، تجنّبًا لأي تصرّف غير لائق كما حدث مع ذاك المتفوّق ذي الثوب الأزرق، غيّر جيانغ بييه رأيه مؤقتًا
وكان هذا التغيير بلا شك سببًا في تنفّس كثير من نوابغ المنطقة الوسطى الصعداء، كأن ثقلًا عظيمًا قد أزيح عن صدورهم
فهم يفضّلون خسارة المال على أن يُهانوا كما حدث مع الأوّل
وتلاشى بسرعة الخجل الذي على وجوه النوابغ من النساء
لكن بينما شعر الآخرون بالارتياح، كان ذلك بلا شك صاعقة على رأس المتفوّق ذي الثوب الأزرق
وقف في مكانه متيبّسًا وملامح اليأس على وجهه كأنه حجر
وفي تلك اللحظة، كم تمنّى أن يسأل جيانغ بييه: «لماذا كنتُ الوحيد الذي تعرّض لإجراءات مُهينة بالكامل، بينما سواي أعفي من ذلك؟»
اختلط الحزن بالغضب، فهاجت مشاعره، وحتى جسده ارتجف من الغيظ
ولا سيما حين خطر له أنه بعد مغادرة منجم كنوز المصدر السماوي، سيغدو ما حدث اليوم موضوع تندّر لكثير من المزارعين الروحيين في أوقات فراغهم
عندها تفجّر الغضب في قلبه أشدّ من بركان
وأخيرًا أظلمت رؤيته، وتراخت أوصاله، وانهار على الأرض، ودخل في غيبوبة

تعليقات الفصل