الفصل 824
الفصل 824: الابنة الكبرى، مينغكونغ
لما رأى ذلك تنهد جي تشنغتيان: مذهل
وبعد أن قال ذلك، سحب يده ببطء وتراجع الضوء الذهبي
كفَّ جيانغ داوشوان هالته أيضًا وانحنى بعمق نحو جي تشنغتيان: شكرًا لك يا إمبراطور البشر على إرشادك
وفي نظرة جي تشنغتيان لمسةُ رفق، وقال ببطء: يا رفيق الداو تونغتيان، لا حاجة لمثل هذا التكلّف
مبارزة اليوم أسعدتني كثيرًا
مستقبل المناطق الخمس، بوجود قويٍّ مثلك يعيننا، هو حقًا مبشّر
لم تحمل كلماته أي تعالٍ، بل إخلاصًا عميقًا وإحساسًا بالمسؤولية
فبصفته إمبراطور البشر لم يكن يملك قوة لا تُجارى في هذا العصر فحسب، بل قلبًا صادقًا مستعدًا للقتال من أجل عشيرة البشر في المناطق الخمس
مثل هذا السحر الشخصي جعل جيانغ داوشوان، وهو رجل من جيل تالٍ، يُكنّ له مزيدًا من الاحترام
وما إن انتهت المبارزة بين الجميع وخفّ الجو قليلًا
حتى همَّ جي تشنغتيان بدعوة جيانغ داوشوان وهان مينغتسي إلى مأدبة ليتباحثوا معًا أمور المستقبل
فجأةً تقدم خادمٌ مقرّب يرتدي بزّة قتال سوداء تعلو وجهه أماراتُ الذعر
انحنى إلى الأمام وهمس بضع كلمات في أذن جي تشنغتيان
وما لبث وجه جي تشنغتيان أن تبدل فجأة
وإن كان قد استعاد هدوءه سريعًا، فقد بدا القلق واضحًا بين حاجبيه
قال جي تشنغتيان بعدما تماسك، وابتسامةٌ خفيفة لا تزال على وجهه لكن في كلامه اعتذار لطيف: يا رفيق الداو تونغتيان، وأخي هان، سنؤجّل المأدبة مؤقتًا، ويمكننا أن نتحدث جيّدًا في يومٍ آخر
لمع شيء في عيني جيانغ داوشوان وراوده بعض الظن
وسأل بهدوء: يا جلالتك، هل واجهتَ صعوبةً ما
تلألأت نظرة جي تشنغتيان كأنه يوازن أمرًا
لكن سرعان ما هز رأسه بلطف: أمورُ البيت تشغلني
ابنتي الصغرى مينغكونغ… تفاقمت إصاباتها مؤخرًا، إنني آسف حقًا
قال جيانغ داوشوان في نفسه: هكذا إذن
بينما تبدلت ملامح هان مينغتسي فجأة وعلت عينيه دهشة لا تُصدّق
يا جلالتك، كيف لم يَشِعّ خبرُ إصابة الأميرة الكبرى حتى الآن، إنني… لم أكن أعلم بهذا أصلًا
أظلمت نظرة جي تشنغتيان قليلًا وارتسم على وجهه أثرُ لومٍ للذات
يا أخي هان، لقد كنتَ تجلس متأملًا في غابة الخيزران تعتكف على التدريب، فمن الطبيعي ألا تعلم
أما هذا الأمر… فقد تعمّدتُ كتم الأخبار، ولا يعرفه إلا قِلّة يسيرة
أخذ نفسًا عميقًا وقال ببطء: طباعُ مينغكونغ عنيدة، فمنذ عام، وما إن دخلت مرتبة السامي العظيم حتى ضربت بالنصيحة عرض الحائط وقادت فريقًا يتوغّل في عمق ساحة القتال تريد إفشال ترتيبات العدو
قطّب هان مينغتسي حاجبيه بإحكام وبدت على وجهه الجديّة: الأميرة الكبرى تمتلك العيون المزدوجة وقوةَ قتالٍ استثنائية، فعند المستوى التاسع من مرتبة الملك السامي كانت قادرةً على هزيمة عددٍ كبير من الساميين العظام
وعلى الأغلب بعد اختراقها إلى السامي العظيم ازدادت قوةً، وحتى لو كانت قد اخترقت تَوًّا فسيصعب إيجاد ندٍّ لها، فمن ذا الذي استطاع أن يصيبها إلى هذا الحد
كان ذلك شبه إمبراطور، قال جي تشنغتيان بصوتٍ منخفض وقد ارتسم في عينيه ألمٌ عميق، فقد هاجم شبهُ إمبراطورٍ من عشيرة الشياطين عن بُعد فأصاب مينغكونغ مباشرة، ولو لم أُطِل حياتها قسرًا بقوة قدر الأمة لكانت قد… فارقت الحياة
تغيّر وجه هان مينغتسي: لقد نصبت الأراضي الغريبة فخًّا قاتلًا حقًا، ونواياهم شريرة
وتابع جي تشنغتيان: بعد أن أُصيبت مينغكونغ بذلت ما بوسعي بكل السبل، فجمعتُ الأطباء المشهورين من كل صوب ونفائس الأدوية لتمديد حياتها، لكن بجدوى ضئيلة
فإصاباتها تنخرها قاعدةٌ شيطانية خاصة للغاية، يصعب اقتلاعها إلى حدٍّ كبير، وبدون حلٍّ جيّد فإني… أنا الأب، لن أملك إلا أن أشاهدها تتألّم وتموت
وخفت صوته شيئًا فشيئًا
قال جيانغ داوشوان فجأة: يا جلالتك، ما دامت حالة الأميرة الكبرى حرجة إلى هذا الحد فهل آذنَت لي أن أنظر، لعلنا نعثر على بارقة أمل
وقال هان مينغتسي سريعًا: يا جلالتك، وإن لم أكن بارعًا في فنون الطب، فربما أستطيع محاولةَ مواءمة القوى الغازية في جسد سموّها بقوة الأدب، لعل ذلك يخفف عن سموّها
رمق جي تشنغتيان الاثنين، ولمع في عينيه خيطُ امتنان
وأومأ إيماءة خفيفة: شكرًا لكما على نُبلِكما، إن أمكن إنقاذُ مينغكونغ فسيبقى شكري لكما ما حييت
وما إن قال ذلك حتى استدار وسار نحو أعماق القاعة الرئيسية
تبادل جيانغ داوشوان وهان مينغتسي نظرةً وتبعاه
سار الجمعُ قُدُمًا في صمت
وبعد أن مرّوا عبر ممراتٍ عدّة محروسة بإحكام بلغوا غرفةً هادئة إلى حدٍّ بعيد
كانت الغرفة محاطةً بتشكيلاتٍ ورموزٍ تبعث ضوءًا ذهبيًا خافتًا، يظهر بجلاء أنها لعزل التشويش الخارجي وحفظ الاستقرار في الداخل
تقدّم جي تشنغتيان إلى الباب وتوقّف لحظة، ثم دفعه بتعبيرٍ معقّد
كان الهواء في الغرفة يحمل عبير دواءٍ خفيف
وعلى سريرٍ كبيرٍ تمددت امرأةٌ شاحبة الوجه ضعيفة الهالة
قوامها رشيق وملامحها رقيقة
وكان ينبغي أن تكون آيةً في الجمال، لكنها بدت في هذه اللحظة واهنةً على نحوٍ استثنائي
كانت عيناها المزدوجتان مغمضتين قليلًا، وحبّاتُ عرقٍ دقيقة تتساقط من جبينها
وكانت ككيانٍ أشبهَ بشمعةٍ تتراقص في الريح، هشّةٍ تُثير الشفقة
تلك هي ابنة إمبراطور البشر الكبرى — جي مينغكونغ
وما إن اقترب جيانغ داوشوان وهان مينغتسي حتى شعرا بهالةٍ شيطانيةٍ غريبةٍ للغاية تفتك بلا انقطاع بحيويّتها
مينغكونغ، قال جي تشنغتيان وهو يمشي إلى جانب السرير بصوتٍ منخفضٍ رقيق
أمسكَ يد ابنته الباردة وهمس: أحضر والدُ الإمبراطور ضيفين كريمين، وسيفعلان ما بوسعهما لمساعدتك
فتحت جي مينغكونغ عينيها بجهد، وومض في عينيها المزدوجتين خيطُ ضوءٍ واهن
عضّت شفتَيها وكان صوتها واهيًا إلى أقصى حد: والدَ الإمبراطور… لا داعي… لقد…
هراء، تبدّل نبرُ جي تشنغتيان فجأة إلى الحزم وامتلأت عيناه بعزمٍ لا يُدفع: ستكونين بخير، ولن يدع والدُ الإمبراطور شيئًا يصيبك
أدارت جي مينغكونغ رأسها بجهد لتنظر إلى هان مينغتسي، ولمعت في عينيها بارقةٌ خافتة
وعلى الرغم من وهنها أبدت مسحةَ احترام: أيها العمّ الأخ هان، لقد مرّ وقتٌ طويل
تفاجأ هان مينغتسي، وطفا على عينيه تعبيرٌ معقّد
وأومأ برفق، وكتم ما في قلبه من مرارة وقال بودّ: سموّكِ، اطمئنّي، سأبذل قصارى جهدي لمساعدتك
أومأت جي مينغكونغ برفق، ثم حوّلت بصرها نحو جيانغ داوشوان وقد ارتسمت في عينيها لمحةُ تساؤل
فتحت فمها كأنها تريد الكلام، لكنها بدت حائرة في كيفية مناداة هذا الضيف الكريم الذي لم تره من قبل
وفي هذه اللحظة ربت جي تشنغتيان على يدها برفق وقدّم التعريف: مينغكونغ، هذا تونغتيان داورِن، يمكنك أن تدعيه العم تونغتيان
ارتعش طرف عين جيانغ داوشوان قليلًا وبدت عند زاوية فمه ملامحُ ابتسامةٍ غريبة
لكنه لم يعترض، وأومأ فقط إيماءةً خفيفة وقد لمع الدفء في نظرته
رمشت جي مينغكونغ بجهد وقالت باحترام: مينغكونغ تُحيّي العم تونغتيان
ابتسم جيانغ داوشوان: لا حاجة إلى التكلف، وفّري قوّتك أولًا
وما إن أنهى كلامه حتى كان هان مينغتسي قد خطا خطوةً إلى الأمام
وبدأت قوة الأدب تتجمع في يده
وفاض تيارٌ من الاستقامة الواسعة ببطء، وتحول إلى شعاعٍ لطيفٍ لفَّ جي مينغكونغ
وأخذ يترنّم بتعاويذ أدبية على نحوٍ متواصل محاولًا مواءمة طاقة التآكل الشيطانية داخل جسدها بقوة الأدب
وساد الغرفة صمتٌ لا يقطعه إلا خفوتُ الضوء المتوهّج

تعليقات الفصل