الفصل 103: انتصار مجيد والحصول على أثر مجد مكرم جديد
الفصل 103: انتصار مجيد والحصول على أثر مجد مكرم جديد
بأمر سو لي، دوّت أبواق الحرب الحماسية على امتداد جبهة تشكيل جيش البشر، وشنّ الجيش كله، واضعًا كل شيء على المحك، هجومًا شرسًا
في تلك اللحظة، حتى أكثر الفلاحين غباءً عرفوا أنهم مضطرون للتقدم بكل قوتهم، مستغلين الإعصار الذي أثاره أثر المجد المكرم، والذي جعل العدو عاجزًا عن فتح عينيه أو النظر إليهم مباشرة، لكي يهزموا الخصم تمامًا بضربة واحدة
وإلا، فما إن تهدأ الرياح العاتية، حتى يبقى لدى العدو ما بين 2000 و3000 مقاتل، ومع استمرار المعركة طويلًا سترتفع احتمالية خسارة جانبهم كثيرًا، وحتى إن تمكنوا من الفوز، فلن يكون سوى نصر مكلف، يموت فيه كثير من العبيد في ساحة القتال، وتصبح احتمالات موتهم مرتفعة جدًا
لذلك، انفجر جيش هالسن، من الفرسان إلى العبيد، بكل قوته، واندفع بعنف نحو الوحوش تحت دعم الرياح العاتية، وفي هذه المرحلة لم يفكر أحد في التراجع ولو قليلًا، إذ لم تكن هناك أي إمكانية للتراجع وسط تلك الرياح
تقدم جيرولد الجزار في المقدمة، واندفع إلى أمام عنكبوت أناريك العملاق هائل الحجم، ثم هوى مطرده القتالي بعنف، فرفع الوحش مخالبه الأمامية فورًا محاولًا الصد وسط الرياح، لكن الهواء العاتي هز جسده وجعله يتمايل، فضلت مخالبه التي حاولت بها الصد طريقها ومرت بجانب المطرد، قبل أن يشق المطرد بطنه بعنف، ناشرًا كمية كبيرة من الزيت والدم الأخضر القذر
ورغم أن الجرح الذي بلغ طوله نصف متر لم يكن مهمًا مقارنة بجسد العنكبوت العملاق الذي بلغ ارتفاعه سبعة أو ثمانية أمتار، فإن الألم الشديد جعله يتلوى بعنف ويطلق من فمه فحيحًا مرعبًا
ولم يعد يهتم بمنصات قذف النار المصنوعة بعناية ولا بالغوبلن الذين فوق ظهره، بل رفع ثلاثة من مخالبه وضرب جيرولد بها
كانت مخالبه المتقلبة سريعًا حادة وخاطفة، ولم يجد حصان الحرب، أمام قوتها المخيفة، أي سبيل للمراوغة، فقُطع فورًا إلى ست قطع وتناثر دمه في كل مكان
قفز جيرولد عن حصانه بصعوبة، وتفادى المخالب المرعبة بالكاد، لكن قلبه كان ممتلئًا بنية يوريك القتالية الجامحة، ولم يشعر بالخوف إطلاقًا، فنهض من الأرض وانقض مباشرة بمطرده القتالي في ضربة أفقية، ضربة قوية وثقيلة لو أصابت الوحش حقًا لشقت في بطنه جرحًا ضخمًا بطول متر واحد على الأقل
زأر الوحش وقفز إلى الخلف خطوة، متفاديًا هجوم جيرولد، ثم مد مخالبه إلى الأمام وصد مطرده القتالي وحرفه مباشرة
ورغم أن المطرد القتالي ضرب مخلب الوحش، فقد دوى صوت معدني هائل، ولم يكن جيرولد، بصفته فارس نخبة، قادرًا ببساطة على مقارنة قوته بقوة عنكبوت أناريك العملاق
تشققت راحتا يديه اللتان تمسكان بالمطرد فورًا، وتناثر الدم، وخدرت الصدمة ذراعيه تمامًا، حتى كاد يعجز عن الإمساك بسلاحه
ولو كان شخصًا عاديًا، لكان صد هذه الضربة يعني أنه لم يعد يملك أي فرصة للمقاومة، وكانت مخالب الوحش ستواصل تمزيقه
لكن النعمة العظمى القوية انفجرت فيه فورًا، مفعلة القدرة السلبية للفن العظيم: تحطيم الضعفاء، وأحاطت به إرادة يوريك كطاغية، وقبل أن يتمكن الوحش من الرد، زأر وشن هجومًا متتابعًا بالقوة
اخترق المطرد القتالي عين الوحش المذهولة فورًا، وأعمى جيرولد إحدى عينيه الوحشيتين الزمرديتين مباشرة
حماية العينين غريزة لدى كل كائن، لكن تحت تأثير العاصفة العظيمة، لم يستطع عنكبوت أناريك العملاق فتح عينيه أصلًا، ولهذا لم يقدم أي دفاع أمام هجوم جيرولد المتتابع
انفقأت إحدى عيني العنكبوت العملاق المستديرتين والبارزتين مباشرة، وتدفق منها مقدار كبير من الدم الكثيف القذر، وجعله الألم الشديد يفقد القدرة على التفكير، فبدأ يتدحرج بجنون فوق الأرض، وقُذفت منصات قذف النار والغوبلن الذين فوق ظهره بعيدًا، وتناثرت حطامًا في كل مكان
وخلال هيجانه المرعب، سُحق أكثر من عشرة وحوش من الجلود الخضراء القريبة منه حتى صارت لحمًا مهروسًا
أمام هذا الوحش العملاق الهائج، انفجر جيرولد بشجاعة لا مثيل لها، وواصل جسده الذي لا يتجاوز طوله مترين مهاجمة الوحش العملاق الذي بلغ ارتفاعه سبعة أو ثمانية أمتار مرة بعد مرة
ولو تمكن من التخلص من هذا الوحش العملاق، لارتفعت فرص انتصار جانبهم بدرجة كبيرة، إذ كان الفارس أورشتاين يمتلك دم الأرض، وكان من شبه المؤكد أن يتمكن من التعامل مع عنكبوت أناريك العملاق الآخر
أما العنكبوت المتبقي، فكان من المرجح أن يتمكن الفرسان الآخرون، باندفاعهم واحدًا بعد آخر وباللحم والدم، من التعامل معه كذلك
وبعد القضاء على هذه الشياطين الثلاثة المرعبة، لم تكن كائنات الجلود الخضراء المتبقية سوى وحوش مسنة وضعيفة في معظمها، ومن غير المحتمل أن تسبب أي اضطراب كبير
لكن تطور الموقف فاجأ سو لي، إذ إن الفارس أورشتاين، الذي كان دائمًا متحمسًا لتحدي الأعداء الأقوياء، تجاوز الوحش بسرعة شديدة بالفعل
وهذا يعني أنه قبل أن تنتهي الرياح العاتية، لن تتاح له فرصة للعودة، ولن يكون أمام فرسان الإقليم الآخرين سوى التعامل مع هذه العناكب العملاقة الثلاثة
أما الفارس أورشتاين، الذي اخترق صفوف العدو بسرعة، فلم يتردد لحظة، بل تقدم بلا قدرة على إيقافه، متجهًا مباشرة نحو زعيم حرب الغوبلن، غورغيل ذو الإصبع المكسور، زعيم قبيلة الإصبع المكسور
رأى غورغيل، الذي كان يمتطي ذئبًا عملاقًا ويحمل سيفًا مقوسًا أزرق، الفارس أورشتاين يكتسح كل شيء في طريقه، بينما كانت كائنات الجلود الخضراء والغوبلن أمامه تتحطم حتى الموت تحت مطرقته الحربية، فاستدار وهرب بحسم دون تفكير
لكنه قلل من شأن المطرقة الحربية في يد الفارس أورشتاين، إذ قُذفت المطرقة فجأة وأصابت دابته
كان هذا الأسلوب هو الأكثر شيوعًا، اضرب الرجل، ثم اضرب حصانه، وأمسك الملك، ثم أمسك اللص
أطلق الذئب العملاق عواءً مؤلمًا فورًا، وانقلب رأسًا على عقب قبل أن يرتطم بقوة وسط الأعشاب
لم يمتلك هذا الذئب العملاق قوة الوايفرن، فالمطرقة الحربية المقذوفة تستطيع شل وايفرن لثانية كاملة، لكن الذئب العملاق الذي تلقى الضربة لم يتمكن من النهوض لمدة ثلاث ثوان كاملة
انحشر غورغيل تحت الذئب العملاق، ولم يستطع التخلص منه
لذلك، استغل الفارس أورشتاين قوة الرياح العاتية واندفع بسرعة إلى أمام زعيم قبيلة الإصبع المكسور، ثم رفع مطرقته الحربية وهوى بها بعنف
قاوم غورغيل بكل قوته، لكن الفارق في القوة كان كبيرًا جدًا، فتحطم سيفه المقوس فورًا، ولولا أن الذئب العملاق استيقظ في الوقت المناسب وعض فجأة واقيات ساقي الفارس أورشتاين، لكان غورغيل قد أُعدم مباشرة في ساحة القتال على يد القائد العسكري لهالسن
لكن الذئب العملاق دفع ثمنًا كبيرًا لذلك، فقد عض ساق الفارس أورشتاين ولم يتركها، فانقض وحش الحرب الخاص بالفارس أورشتاين، وحش أسد الدرواس، فجأة على ظهر الذئب العملاق وبدأ يمزق عموده الفقري بجنون
ورغم أن وحش أسد الدرواس كان وحشًا شرسًا من نوع كلاب الدرواس، فإن حجمه لم يكن أقل من حجم أسد ذكر، وعندما يمزق فبإمكانه عض العمود الفقري للذئب العملاق بالكامل
تلوى الذئب العملاق من الألم محاولًا إسقاط وحش أسد الدرواس عن ظهره، بينما انتهز غورغيل الفرصة وهرب
وحين حطم الفارس أورشتاين رأس الذئب العملاق بمطرقته، ناشرًا مادة حمراء وبيضاء وأوساخًا مختلفة، كان غورغيل قد وصل بالفعل إلى ضفة النهر
لم تكن هذه المسافة مشكلة كبيرة بالنسبة إلى الفارس أورشتاين، إذ لم يكن يحتاج إلا إلى اندفاعة سريعة واحدة ليقتل غورغيل عند النهر
داخل المد الأخضر، لم يكن هناك سوى الترولات القادرة على مقاومته مؤقتًا، أما الآخرون، سواء فتية الأورك أو الغوبلن، فلم يكونوا ندًا له
لكن بينما ثبتت نظرة الفارس أورشتاين القاتلة على غورغيل، أخرج غورغيل مباشرة أداة سحرية من تحت ملابسه
أطلق صرخة حادة، “أيها الشيء اللامع، عين الغريق! يا صغاري، الوضع سيئ، نحن ننسحب!”
وعند سماع صوته، اندفع عدد كبير من الغوبلن الفارين فورًا في كتلة كثيفة نحو ضفة النهر، وقفزوا إلى مياه النهر المتلاطمة كأنهم فقدوا عقولهم
وتسابقت آلاف الوحوش إلى القفز في الماء، دون خوف من الموت ودون اكتراث بالأمواج الهائجة
أذهل هذا المشهد الفرسان المطاردين تمامًا، واندفع كثير من العبيد والخدم المسلحين إلى ضفة النهر ونظروا إلى الأسفل، فلم يروا إلا الوحوش الكثيفة تختفي فورًا داخل قاع النهر، دون أن يجرف التيار أحدًا منها
صُدم سو لي أيضًا، هل كانت الأداة بهذه الروعة حقًا؟
هل كانت لؤلؤة صدّ الماء أم لؤلؤة السير على الماء؟
من الواضح أن وحوش الجلود الخضراء التي قفزت في النهر لم يجرفها التيار، بل اختبأت في قاع النهر ونجحت في الهرب
لكن الوحوش التي اندفعت إلى النهر بعد ذلك لم تكن محظوظة بالقدر نفسه، فما إن قفزت إلى الماء حتى رفعت رذاذًا كثيرًا، وبدأت تتخبط بخوف على السطح، قبل أن تجرفها أمواج نهر بريين الهائجة
وجعل هذا ما لا يقل عن 1000 وحش يتراجعون بخوف إلى الضفة، مترددين وغير جريئين على القفز إلى الماء
ومع هروب غورغيل، شهد وضع ساحة القتال تحولًا هائلًا في لحظة، واكتسب البشر أفضلية مطلقة بسرعة لم يسبق لها مثيل
ورغم أن الفارس أورشتاين فشل في قطع رأس غورغيل، فإن هروبه كان أكثر تأثيرًا بكثير من قطع رأسه
بدا الأمر كما لو أنه قاد وحدة مجهزة بالكامل للانسحاب من حافة ساحة القتال بصورة منظمة، فانهارت معنويات الجنود المتبقين فورًا، ومع اندفاع الفرسان فوق خيولهم، تداعوا على دفعات وهربوا في فوضى
شتم الأورك الغوبلن بسبب عدم موثوقيتهم وهم يهربون، أما الترولات بطيئة الفهم فكانت لا تزال تندفع، لكن لم يبق أحد حولها ليتعاون معها، فأصبحت أهدافًا سهلة لفيلق الرماة
وكانت الأكثر بؤسًا دون شك هي عناكب أناريك العملاقة الثلاثة، إذ لم تكن قادرة على فهم لغة غورغيل، فتخلى عنها الغوبلن الذين ربوها في ساحة القتال، بعدما أصبحوا لا يريدون سوى الهرب من ساحة القتال ولم يعودوا يفكرون في القتال حتى الموت
وأصبحت أجساد هذه العناكب العملاقة، التي تلقت قرابين الغنوم، أكثر تضخمًا وهولًا بسبب الإمداد المستمر بالقرابين، وطورت كثير من العناكب العملاقة عادة البقاء لفترات طويلة في كهوفها المظلمة والرطبة، لأنها لم تعد بحاجة إلى الصيد في الخارج، فإذا شعرت بالجوع، كان فحيح واحد منها كافيًا لاستدعاء قرابين الغوبلن لتشبع وجبة كاملة
ورغم أن ذلك زاد أعداد تكاثرها، فإنه تسبب أيضًا في فقدانها لطبيعتها البرية
وعندما أصبحت في موقف ضعيف، اختفت شجاعتها أسرع من الوحوش البرية الأخرى، وطاردها الفرسان وحاصروها كما في مطاردة قديمة
أعاد سو لي أيضًا تعويذة جناح الريح إلى يده، إذ إن الحفاظ على أثر المجد المكرم هذا كاد يستنزف جوهره وطاقته وروحه، وأصبح ضعيفًا جدًا حتى إنه لم يستطع تقويم خصره، كما لو كان قد خاض معركة مرهقة بلا توقف لثلاثة أيام وثلاث ليال
حُسم وضع ساحة القتال، وظل سو لي قرب حافة الماء بشيء من العناد، كطفل أفلتت منه سمكة صغيرة اصطادها من النهر، يحمل سلة صيد ويحدق في الماء، وعيناه ممتلئتان بعدم الرضا
كان ذلك أثر المجد المكرم الخاص به، وكان على وشك أن يقع في يده، فهل هرب هكذا من أمام عينيه؟
كم تمنى أن يطفو ذلك الغوبلن اللعين من تحت الماء
كان اسم عين الغريق البائس مبتذلًا جدًا، ولو وقع في يد سو لي، لغيره بالتأكيد إلى اسم أشد هيبة وخيالًا، مثل لؤلؤة السير على الماء أو لؤلؤة صدّ الماء
كان تأثير أثر المجد المكرم هذا عجيبًا حقًا، إذ كان يستطيع السماح لنوع لا يجيد الماء بالتحرك داخله كما لو كان يمشي فوق أرض مستوية
بعد أن قتل الفارس أورشتاين عنكبوت أناريك العملاق، جاء إلى ضفة النهر وسأل سو لي بابتسامة، “يا سيدي، أما زلت منشغلًا بأمر هروب أثر المجد المكرم؟”
حدق سو لي في سطح النهر دون أن يرمش، وأومأ مجيبًا، “كنزي، لقد أفلت مني هكذا، وأنا قلق أيضًا من أن ينهض غورغيل من جديد ويواصل تهديد الإقليم”
ضحك الفارس أورشتاين بصوت عال وطمأنه، “هذا مستحيل تمامًا، حين يُهزم الأورك، يصعب جدًا عليهم أن ينهضوا من جديد، وعلى الأقل لن تعود هذه القبيلة أو هذا الزعيم، قد يبقى لديهم كثير من الأفراد، لكن يمكن الآن القول إن قبيلة الإصبع المكسور قد اختفت بالفعل إلى الأبد، ولو أوليت يا سيدي قليلًا من الاهتمام بالمعلومات في هذا الشأن، فربما يمكن إعادة أثر المجد المكرم إلى يديك غدًا”
هل يمكن إعادته غدًا؟
أضاءت عينا سو لي فورًا بالحماس، وظهرت على وجهه فرحة لا يمكنه كبحها، فأمسك بذراعي أورشتاين وسأل، “يا قائدي الوفي، ماذا تقصد بهذا؟”

تعليقات الفصل