الفصل 273 : تسليم وصفة
ليلة الأربعاء، خمس دقائق قبيل الثامنة. في زقاق خلف حانة «قلوب الشجعان».
دار كلاين قليلاً مستعيدًا طريقه من الذاكرة، قبل أن يعثر أخيرًا على البيت ذي الأضواء الشمعية المعتمة.
كان متنكرًا ذلك اليوم في زيّ عاملٍ رماديٍّ مائل إلى الأزرق، يعتمر قبعة ويعلّق على وجهه لحيةً مزيفة، بحيث لا يربطه أحد بذلك الرجل الذي جرب حظه بشراء غرضٍ من أغراض الأفعى السوداء.
“من الأفضل ألا يتعرّف عليّ ‹عين الحكمة› و‹العطار›… وإلا فإنّ مبتدئًا اعتمد على الحظ ليغدو متجاوزًا، ثم ظهر بعد أسبوع ومعه عدة وصفات، سيغدو أمره مثيرًا للريبة”. وضع كلاين يديه في جيبيه يتحسّس صفّارَة آزيك النحاسية، وأوراق التاروت العادية، والتعاويذ التي أعاد تجهيزها.
كان زيّه معدَّلًا خصيصًا لدى خيّاط، مزوّدًا بجيوب صغيرة عديدة تضم قوارير معدنية مملوءة بمساحيق الأعشاب وخلاصاتها المركّزة.
وبعد أن استنشق نَفَسًا عميقًا وزفره ببطء، أخرج القناع المعدني الذي يغطي نصف وجهه فقط، منهيًا بذلك خطوة التنكّر الأولى.
ثم استخدم قدرة المهرّج في التحكم بتعابير وجهه، ونبضاته العصبية، وطريقة مشيته، بينما يخدّر أعصاب وجهه؛ ليبدو مختلفًا تمامًا عن ذاته السابقة.
“غير أنّي لا أعلم بمَ يعتمد ‹عين الحكمة› في تمييز الأشخاص… هذا أقصى ما أقدر عليه. آه… لو أنّي كنتُ ‹عديم الوجه› الآن… لكن لو كنت كذلك، لما اضطررت لحضور اجتماعات متجاوزين من هذا المستوى المنخفض…”. وقف كلاين أمام الباب صامتًا لثوانٍ، ثم رفع يده اليمنى وطرق الباب: سبع طرقات قوية وواحدة خفيفة، تتخللها ست وقفات طويلة وواحدة قصيرة.
ولم يكد ينتظر حتى انفتح اللوح الخشبي الصغير في الباب بصمت، وظهرت عينٌ من خلفه تفحص الداخل من أخمص قدميه حتى رأسه.
وبعد ثانيتين أو ثلاث، انفتح الباب مُحدِثًا خشخشة، وناول أحد خَدَمة عين الحكمة، كلاين رداءً أسود بقبعة.
حافظ كلاين على بروده الخالي من الانفعال، وارتدى الرداء سريعًا، ثم أسدل قبعته بحيث تخفي الظلالُ ملامح وجهه.
وأثناء سيره إلى غرفة الجلوس، تعمّد أن يخطو خطوات غير مألوفة له، وحاول قدر الإمكان أن يخفي أي تعبير متوتر.
كانت الغرفة مظلمة ساكنة، لا يضيئها سوى شمعة واحدة، ومع ذلك كان جمعٌ غير قليل من الحاضرين موجودًا. لم يختر كلاين ركنًا كما فعل في المرة السابقة، بل جلس على مقعدٍ عالٍ في وسط المكان.
باختصار: أراد أن يكون كل ما في مظهره وتصرفاته مغايرًا لما كان عليه في المرتين السابقتين!
ولولا هويته كـ مهرّج، لما امتلك هذه البراعة التي تتيح له إسقاط جسده في عقله والسيطرة عليه بعمق.
خيّم على غرفة الجلوس صمتٌ يكاد يُجمّد الزمن. مرّت الدقائق، ثم نظر عين الحكمة إلى الساعة على الجدار وقال بصوته العتيق: «لقد حان الوقت. لنبدأ. لا حاجة للانتظار لأصدقائنا المتأخرين».
وما إن أنهى جملته حتى قال كلاين فورًا بصوتٍ مبحوح: «أريد بيع وصفات جرعات.
«إنهما ‹الشاعر› من الرتبة التاسعة، و‹المتضرع للنور› من الرتبة الثامنة، التابعان لكنيسة «الشمس المتوهجة الأبدية».
«الأولى بمئتين وعشرين جنيهاً، والثانية بأربعمئة وخمسين».
كان هذا أفضل مخطّط توصّل إليه بعد كثير من التفكير. فجرعتا «المُتفرج» و«المتخاطر» ترتبطان بـ«الكيميائيين النفسيين»، وهذه جماعة سرية تنشط في باكلاند بمملكة لوين. ولو أقدم على طرحهما بلا احتياط، فقد يسترعي انتباههم. أمّا كنيسة «الشمس المتوهجة الأبدية» فقد كانت محجوبة بنفوذ كنيسة «رب العواصف»، ولذلك فمتجاوزوها نادرًا في باكلاند، ولا يكادون يؤثرون فيها. وهذا يجعل الخيار في غاية الأمان.
وكانت جرعة مسار «العَرّاف» تخصّ «كلاين» نفسه، ولن يكشف خصائصه مهما كان.
وبعد أن خاض معارك كثيرة وشاهد أخرى، بدأ يدرك حقيقة مهمة: وهي أنّ المتجاوزين في الرتب الدنيا لكل مسار يمتلكون سمات خاصة مميزة، لا تتقاطع بين المسارات. لكلّ واحد قوته وضعفه، وقوته قوية فعلًا، وضعفه ضعيف فعلًا.
فعلى سبيل المثال، يفتقر مسار «المُتفرج» إلى القدرة على القتال المباشر، لكن إن تُرك دون حذر وأُتيح له أن يضلّل خصومه بلا وعي منهم، أمكنه إسقاط أقوى المقاتلين دون أن يعلموا كيف ماتوا. ومثال ذلك «الأدميرال الإعصاري كيلانغوس»، الذي كان يمتلك الغرض الصوفي «الجوعٌ الزاحف» وتبلغ قوته الإجمالية رتبة خامسة، ومع ذلك مات بأسلوبٍ غير مفهوم تمامًا… كان فضل آزيك عظيمًا، لكن لا يمكن إنكار أثر «المُتفرج».
ولأنّ غالب وظائف المتجاوزين دون الرتب العليا لها مميزات واضحة ونقائص فاضحة وأجساد ضعيفة، فإن إخفاء قوتك الحقيقية وفهم خصومك مسبقًا قد يجعل من الممكن تجاوز من هم فوقك رتبة. وفي الحالات القصوى، توجد فرصة ضئيلة لِمتجاوز رتبة 9 أن يقتل رتبة 5.
لكن هذا كله في النظريات المثالية. الواقع مختلف: فالرتبة الخامسة قوية بالفعل، وتمنح قدرات تتخطى المألوف، بحيث تغطي نقاط القوة نقاط الضعف. وقبل بلوغ الرتبة السادسة تكاد تكون محاولة التأثير عليهم معدومة جدًّا.
ومن جهة أخرى، يخشى كثيرٌ من المتجاوزين دون الرُّتب العليا التعرّض لهجمات جماعية—حتى وإن كان خصومهم أدنى رتبة منهم—لأن الارتباك لحظة واحدة كفيل بإيقاعهم في خطأ يجرّ آخر، وقد يصبح ضعفهم مكمن هلاكهم.
وبسبب هذه الثغرات تحديدًا، احتلّ «الراعي» المرتبة الأولى أسفل الرتب العليا؛ فهم متعددو القدرات إلى حدّ مخيف، وإذا أحسنوا مزجها وتنظيمها فلن تبقى لهم أي ثغرة تقريبًا.
“بعد أن أتقدّم إلى الرتبة السابعة، سأمتلك قدرات خارقة عديدة… حينها، حتى لو واجهت رتبة سادسة فسأقاومها لأيّ حين، وربما أغلبُها… أمّا لو واجهت رتبة خامسة، فثمة احتمال للهرب…”. وبينما كانت أفكاره تتسارع، جال كلاين بنظره حول الجمع يترقّب أول المتحدثين.
«إن لم تُبَع ‹الشاعر› و‹المتضرع للنور›، فسأضطر إلى الخيار الثاني: بيع ‹المتفرج› و‹المتخاطر›… وبالنظر إلى خلود خصائص المتجاوزين وثباتها… فلا يجوز بيع وصفة مساري أبدًا. أمّا مسار ‹الساحرة›، فالكوارث التي تجلبها تكفي لعدم التفكير فيها أصلًا… سواء ‹المحرّض› أو ‹الساحرة›، فكلاهما يقتضي اقتراف الشرور…». تولّد التوتر في صدر كلاين، غير أنّ وجهه بقي بلا تعبير.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد ﷺ galaxynovels.com
عندها قال العطار البدين ضاحكًا: «في الحقيقة، يمكنني التفكير في شراء الوصفتين. بل ويمكنني أخذ متدرّب جديد وإعطاؤه إياهما، ليتخصّص في الدعاء بأن يسطع النور على أعشابي… رائع! ما أبذخه!»
كسرَ كلامه صمت الغرفة للحظة. فقال رجل في الزاوية يخفي قبعته نصف وجهه بصوت حادّ متعمّد: «ربما أهديهما لابني. على الأقل ستكون رتبته أقوى من رتبتي».
«الرتبة التاسعة، مئتا جنيه. الرتبة الثامنة، أربعمئة. إن وافقتَ، أتممنا الصفقة».
أن يخرج بست مئة جنيه دفعة واحدة، فهذا يعني أنه ثري تمامًا… بل يكفي لشراء منزل في مدينة تينغن…. تظاهر «كلاين» بالتفكير، وألقى نظرة على سائر المجتمعين يتفحّص ردود أفعالهم.
ولما لم يشعر باندفاع أحد لرفع السعر، ولأن العرض بلغ حدّه الأدنى المقبول، فكّر لحظة وقال: «سأضيف شرطًا: لا تُباع هاتان الوصفتان داخل هذا الاجتماع. أمّا خارجه فافعل بهما ما تشاء».
قال الرجل بالصوت الحاد: «اتفقنا، وسيشهد السيد ‹عين الحكمة›».
لم يكن كلاين يعرف طريقة إثبات صحة الوصفات، ولم يرد السؤال كي لا يفضح قلّة خبرته بحضور الاجتماعات. لذلك رفع ردائه بصمت وأخرج الوصفتين المكتوبتين سلفًا، ودفعهما إلى أحد الخَدَمة.
لكن الخادم لم يذهب نحو الرجل في الزاوية، بل اتجه إلى الأريكة المنفردة في الوسط وقدّم الورقة المطوية إلى عين الحكمة.
فتح الشيخ الورقة، ووضعها على الطاولة الصغيرة إلى جواره دون أن يلقي نظرة إضافية.
ثم أخرج منديلاً وجفّف راحة يده اليمنى، ثم جذب من جيبه خاتمًا مرصّعًا بقطعٍ ماسية صغيرة.
كان الخاتم معقّدًا رائع الصنع، تتوسطه جوهرة خضراء داكنة تشبه عينًا بشرية. وبمجرد النظر إليها من بعيد، شعر كلاين بانتفاخٍ في رأسه وانزعاجٍ يجتاح جسده، شأنه أيام امتحانات الرياضيات في المدرسة.
ارتدى عين الحكمة الخاتم على إصبعه الأوسط الأيمن بوقار، وأغمض عينيه كأنما يستعد لشيء ما.
فجأةً، توهّجت الجوهرة بلونٍ ذهبي ساطع، كاشعةً كالشمس.
مدّ عين الحكمة يده اليمنى سريعًا، وأنزل الجوهرة على وصفة الجرعة التي كتبها كلاين.
اشتدّت أشعة الذهب صفاءً حتى تحولت في النهاية إلى صورة مجسمة ضوئية.
«أصيلة ونافعة»، أعلن عين الحكمة بصوت خفيض. ثم نزع الخاتم على الفور، غير راغب في إبقائه على إصبعه لحظة أخرى.
“صوته أشبه بصوت موظف توثيق… هل هذا الخاتم هو أغلى ما في مجموعة السيد ‹عين الحكمة›؟ الأثر المختوم 2-081؟ يُحاكي قدرات الموثق؟”. شاهد كلاين المشهد وهو يشعر ببعض الطمع.
وبعد التوثيق، تمّت الصفقة بسرعة، وتلقى كلاين حزمة سميكة من الأوراق النقدية، كلها من فئة العشرة جنيهات.
عدّها ثلاث مرات، ولم يضعها في جيبه، بل أمسكها في راحة يده ينتظر اللحظة المناسبة للصرف.
كان يخطط للتريّث قليلًا ليتأكد أن لا شيء آخر يريده قبل أن يطلب شراء أغراض أخرى.
في تلك اللحظة قال العطار متفحّصًا الوجوه: «أحضرتُ عدة زجاجات من المهدِّئات».
“حقًا أحضرها؟ لقد نسيت الأمر كلّيًا…”. ولأن كلاين أراد أن يبدو مختلفًا عن نفسه من قبل، تعيّن عليه أن يتظاهر بأنه غير موجود.
وبعد أن نادى الصيدلاني مرات ثلاث ولم يجد جوابًا، تمتم: «ذلك الرجل لم يأتِ هذه المرة؟ لربما مات في مكان ما».
“شكرًا على دعواتك… لكن من الجيد أنك لم تتعرف إليّ…”. زفر كلاين في سرّه راحةً خفية.
وكعادته، سأل العطار عن «نُخال نخاع ربيع الإلف»، لكنه لم يجد مجيبًا، كالعادة.
وبعد لحظات من صمته، قالت امرأة تخفي قلنسوتها ملامح وجهها، وأمام قدميها صندوقان: «لدي سلاحان يحملان تأثيرات متجاوزة».
لا بدّ أنها السيدة التي باعت السيف الفولاذي المنقوش في المرة السابقة… حدس الروحانية لدي كعَرّاف يقول… إنها تمتلك سلاحين مماثلين آخرين؟ لعلّ خلفها مؤسسة لصناعة أسلحة المتجاوزين… أو ربما ‹حِرَفيّ› من الرتبة السادسة، مسار ‹الخبير الآلي› و‹العارف›…». حدّق «كلاين» نحوها مترقبًا.
لقد وعد الشمس بسلاح متجاوز يتراوح ثمنه بين خمسمئة وسبعمئة جنيه، يعزز قدرته القتالية. ولم يحدّد نوعه ولا صفاته، ما دام ذا أثر موازٍ ويسهل استخدامه. فـالشمس لم يكن صعب الإرضاء أصلًا.

تعليقات الفصل