الفصل 291 : البائع والموثّق في آنٍ واحد
‘احتمالٌ كبيرٌ لظهورهما…’ أحكم كلاين سيطرته على ‹العالم› وجعله يضحك ضحكةً عميقة.
«أجل، لا أحوز حقاً على وصفة الجرعة الخاصة بـ ‹مُبارَك الرياح›، ولا أملك السبل للحصول عليها في القريب العاجل.
«بيد أنني أمتلك وصفةً غير مكتملة لجرعةٍ من المتسلسلة الرابعة.
«ورغم كونها غير مكتملة، إلا أنني أظن أنك تدرك قيمتها حق الإدراك. إذ يمكن مقايضتها بما لا يقل عن عشرة آلاف جنيه ذهبي، وفي أغلب الأحيان، لا يسعك حتى ابتياعها بأضعاف هذا المبلغ. فهذه خطوةٌ حاسمة ستقود إلى نقلةٍ نوعيةٍ في كينونة البشر.
«لذا، هل يثير هذا اهتمامك؟ تتراوح قيمة السائل الشوكي للنمر الأسود ذي الأنماط الداكنة بين الخمسمائة والسبعمائة جنيه، وتبلغ قيمة بلورات نخاع ينبوع الجان ما بين الثلاثمائة والأربعمائة جنيه. وأعتقد أنه سيتعين عليك تجهيز تسعة آلاف جنيهٍ إضافية نقداً، أو غرضٍ يعادلها في القيمة.»
لقد خمّن كلاين منذ أمدٍ بعيد أن متسلسلة مسار الشمس، ‹عديم الظل›، يمكن مبادلتها بالمتسلسلة ذاتها من مساريّ ‹البحار› و‹القارئ›، وقد تأكد هذا التخمين بشكلٍ غير مباشر من خلال طلب السيد ‹أ› والمعلومات الواردة في مذكرات روزيل. بل وساورته الشكوك بأن هذا الأمر قد يمتد ليشمل متسلسلات مساريّ ‹ملتمس (مستقصي) الأسرار› و‹المتفرج›.
ولذا، كان على يقينٍ من أن الوصفة غير المكتملة لـ ‹عديم الظل› تُمثل غوايةً لا تُقاوم بالنسبة لـ ‹المشنوق› الذي ينتمي لمسار ‹البحار›.
‘لا ضير إن لم تكن تملك شيئاً يعادل تسعة آلاف جنيهٍ في الوقت الراهن، فيسعك سدادها على أقساط بشهادة السيد ‹الأحمق›…’ أضاف كلاين في قرارة نفسه بصمت.
في الوقت الحالي، كان يفتقر إلى السائل الشوكي للنمر الأسود ذي الأنماط الداكنة، لذا لم يُمانع في ترك ‹المشنوق› مديناً له. وعلى أية حال، لم تكن تساوره أي مخاوف حيال احتمالية فراره.
‘حسناً، ثمة مخاطر كامنة أيضاً. سأتكبد خسارةً فادحةً إن لَقِي السيد ‹المشنوق› حتفه بغتةً…’ وأمام صفقةٍ باهظةٍ كهذه، لم يتمالك كلاين نفسه من الشعور ببعض التوجس.
‘الوصفة غير المكتملة لجرعةٍ من المتسلسلة الرابعة؟ وصفةٌ غير مكتملةٍ تُمهد الدرب لبلوغ مرتبة نصف حاكم؟ هذا أمرٌ لا يمكن حتى شراؤه بالمال!’ التمعت عينا أودري. ولم يسعها كتمان فضولها فسألت قبل أن ينبس ‹المشنوق› بكلمة: «السيد ‹العالم›، هل لي أن أسأل عن مسار المتسلسلة الرابعة الذي تنتمي إليه الوصفة؟ وإن كان الإفصاح عن ذلك سَبباً في حرجك، فاعتبرني لم أسأل قط.»
‘يحوز السيد ‹العالم› حقاً على وصفة جرعةٍ من المتسلسلة الرابعة. فحتى وإن كانت غير مكتملة، يظل الأمر مذهلاً للغاية… لا غرو أن السيد ‹الأحمق› قد ضمّه إلى نادي التاروت! إنه ليس بمتجاوزٍ عادي… حسناً، لقد شارفت المهمة الاختبارية لِـ شيو وفورس على الانتهاء. ولم يأتِ السيد ‹الأحمق› على ذكر ما إذا كان سيسمح لهما بالانضمام. حسناً… لا بد وأن لديه اعتباراتٍ أخرى، ولربما كان بحاجةٍ لمزيدٍ من الوقت لمراقبتهما. لا ينبغي لي أن أُبادر بالسؤال، فقد يبدو ذلك افتقاراً للكياسة…’ تواردت أفكارٌ شتى في ذهن أودري في تلك اللحظة.
كان سؤال الآنسة ‹عدالة› هو ما يصبو إليه كلاين تماماً. فجعل ‹العالم› يُجيب بنبرةٍ أجشّة: «كنت أعتزم الإفصاح عن ذلك على أية حال.
«إنها وصفة الجرعة للمتسلسلة الرابعة من مسار الشمس، ‹عديم الظل›.»
‘مسار الشمس؟’ وجّه ديريك نظره في التوّ شطر السيد ‹العالم›، الذي كان يجلس عند الطرف الآخر من الطاولة البرونزية الطويلة، وعيناه تفيضان بلهفةٍ وتوقٍ مفاجئين.
غير أنه لاذ بالصمت؛ لعلمه اليقين بأنه لا يزال بعيداً كل البعد عن عتبة نصف الحاكم. كان لزاماً عليه أن يكرّس موارده المحدودة لتعزيز قوته أولاً.
كان الاكتراث بالمستقبل القريب فحسب هو النهج الذي تسير عليه مدينة الفضة. ويعزى ذلك إلى أنه، بالنسبة لقاطنيها، قد لا يكون هناك أي مستقبلٍ في أية لحظة.
«‹عديم الظل›…» أومأت أودري برأسها في رشاقة، ثم قالت في حبور: «أشكرك على إجابتك، أيها السيد ‹العالم›!»
لقد ساورها شعورٌ بأنها قد تعلّمت أمراً بالغ الأهمية مجدداً.
«‹عديم الظل›…» تمتم ألغر ببطءٍ قبل أن يُجيب بهدوء: «أنا أعتذر. لا حاجة لي بها.»
‘لا حاجة له بها؟’ بُهِت كلاين.
لقد كان هذا مُغايراً تماماً للسيناريو الذي نسج خيوطه في مُخيّلته!
وفي خِضَمّ صدمته، تسبّب بشكلٍ غير مباشر في توقّف ‹العالم› لبرهة، لتبدو عليه ملامح عدم التصديق. استغرق الأمر بضع ثوانٍ قبل أن يقول: «يسعك أن تدين بجزءٍ من المبلغ أولاً. وبشهادة السيد ‹الأحمق›، أنا على يقينٍ بأنك ستُسدد الباقي حتماً.»
«كلا، لا حاجة لي بها حقاً.» هز ألغر رأسه.
‘لا حاجة له بها… لا حاجة له بها حقاً… أهو واثقٌ من حظوته لدى كنيسة سيد العواصف وبأنه سيُمنح الجرعة المقابلة مباشرةً؟ أم أنه يحوز بالفعل على وصفة الجرعة للمتسلسلة الرابعة من مسار ‹البحار›؟ أكان اسمها ‹الدافن الكارثي›؟’ تبادرت إلى ذهن كلاين احتماليتان في لمح البصر.
‘ما العمل الآن؟ لا تخبرني أنه ينبغي عليّ مقايضته بوصفتي ‹الساحرة› أو ‹شيطانة المتعة (اللذه)›؟’ سخر كلاين من نفسه في صمت، وتعمّد جعل ‹العالم› يلوذ بالصمت لبضع ثوانٍ قبل أن يقول: «وصفات جرعاتٍ أخرى، أو بعض الأسرار التي أُلمّ بها؟
«على سبيل المثال… أسرارٌ تخصّ المتسلسلات عُليا المستوى.»
عدّل ألغر من جِلسته قليلاً وهو يُقلّب الأمر في ذهنه قبل أن يُجيب: «أنا شخصياً أُلمّ ببعض الأسرار الخاصة بالمتسلسلات عُليا المستوى. فكيف ستضمن لي ألا يكون هناك تكرارٌ أو تداخل؟ وكيف ستكفل لي أن الأسرار التي ستُفضي بها إليّ تعادل في قيمتها السائل الشوكي للنمر الأسود ذي الأنماط الداكنة وبلورات نخاع ينبوع الجان؟»
«سيُفضي كلٌ منا بسرّ المتسلسلة عُليا المستوى للسيد ‹الأحمق› ولندعه يُقرّر ما إذا كان ثمة تداخل، وليُحدد قيمتيهما. أيها السيد ‹الأحمق›، هل يلقى هذا قبولاً لديك؟» تلاعب كلاين بِـ ‹العالم› وطرح على نفسه هذا التساؤل.
ثم أجاب هو بوقارٍ وتعالٍ: «لا ضير في ذلك.»
أومأ ألغر برأسه ببطء. «لا أُمانع ذلك البتة. فلنبدأ.»
‘إنني أتوق حقاً لمعرفة سرّ المتسلسلات عُليا المستوى… بيد أنني لم أحظَ بأي مالٍ إضافي في الآونة الأخيرة لابتياعه…’ رمقت أودري ‹العالم› و‹المشنوق› بنظرةٍ تفيض بالحسد وهما يستحضران، كلٌ منهما، قطعةً من جلد الماعز.
ولمّا لم يسبق لها أن اكترثت لأمر المال منذ نعومة أظفارها، فقد تذوقت أخيراً طعم «الفقر».
وسرعان ما تلقى كلاين المحتوى الذي دوّنه العضوان.
قراءة هادئة، وصلاة على النبي ﷺ تزيدها بركة.
وبلا ريب، ألقى نظرةً أولاً على مخطوطة جلد الماعز الخاصة بِـ ‹المشنوق› وألفى أن المحتوى كان مقتضباً. لم يكن هناك سوى جملةٍ واحدة.
«المتسلسلة عُليا المستوى تُخفي بين طياتها الدرب المؤدي إلى الأُلوهية.»
‘فيووو… عظيم. وإلا، لكان لزاماً عليّ استخدام معلوماتٍ أخرى للمقايضة…’ تفحّص كلاين مخطوطة جلد الماعز الخاصة بِـ ‹العالم› بعناية قبل أن يضحك بخفوت.
«ليس ثمة تداخل.
«بالنسبة لغالبية المتجاوزين، فإن الأسرار التي يُقدمها السيد ‹العالم› لا طائل منها، غير أنها في عيون آخرين، تكتسي أهميةً بالغة. فهذا أمرٌ لا يمكن تقييمه بالمال.»
وما إن تناهى إلى مسامع ألغر هذا الاستنتاج، حتى وجد نفسه في حيرةٍ من أمره.
فبالنسبة له، لم يكن الحصول على مُكوّنيّ متجاوزين في آنٍ واحدٍ بالعبء الهيّن. كان لزاماً عليه أن يبيع العديد من الأغراض النفيسة ليتمكن من مبادلتهما.
‘أأدفع ثمناً باهظاً كهذا لقاء سماع سرٍّ قد لا يكون ذا نفعٍ كبيرٍ لي؟’ استغرق ألغر في التفكير لما يُقارب العشرين ثانية قبل أن يقول: «أيها السيد ‹الأحمق›، هل يسعكم تقديم المزيد من التلميحات؟ لا يسعني اتخاذ قرارٍ بعد.»
‘لا يسعه اتخاذ قرار؟’ تحركت زاوية فم كلاين قليلاً. لقد أدرك أن الكلمات التي تفوّه بها للحفاظ على صورته قد أتت بنتائج عكسية وباءت بالفشل. تردد لبرهةٍ ثم ابتسم.
«المحتوى الذي يسرده هو استكمالٌ مُفصّلٌ للسرّ الذي تُلمّ به.»
‘استكمالٌ مُفصّل؟ استكمالٌ مُفصّلٌ للدرب المؤدي إلى الأُلوهية؟’ لم يتردد ألغر لحظةً إضافية. أدار رأسه لينظر إلى ‹العالم› وقال بنبرةٍ قاطعةٍ وحازمة: «اتفقنا.»
ثم أردف على الفور: «سأعاونك في المقايضة للحصول على السائل الشوكي للنمر الأسود ذي الأنماط الداكنة وبلورات نخاع ينبوع الجان في غضون الأسبوع.
«بطبيعة الحال، شريطة أن يبرزا في تجمع القراصنة. ورغم أن الاحتمالية عاليةٌ للغاية، إلا أنه لا بد لنا من الاعتقاد بأن كل شيءٍ وارد. وإن وقع ذلك، فقد أُضطر لتأجيل الأمر للأسبوع المقبل، أو الذي يليه، أو حتى للشهر القادم. ولكن لا تجزع، فسأفي بوعدي.»
«لا ضير في ذلك. فبشهادة السيد ‹الأحمق›، لا دافع لي للقلق،» أجاب ‹العالم› بصوتٍ أجشّ.
وبعد أن أبرما الصفقة، استحضر كلاين مخطوطةً من جلد الماعز لتستقر أمام ‹المشنوق›.
طأطأ ألغر رأسه في لهفة، وراح يلتهم كل كلمةٍ بنظراته بنهمٍ شديد.
«ثمة متسلسلةٌ صِفر تعلو المتسلسلة الأولى!
«والمتسلسلة صِفر هي متسلسلة الحاكم الحق!
«ويمكن بلوغها على نحوٍ مماثل عبر الجرعات والطقوس المقابلة.»
‘المتسلسلة صِفر؟ متسلسلة الحاكم الحق!’ بُهِت ألغر واستبدت به الصدمة في بادئ الأمر، بيد أنه سرعان ما شعر بالانفراج، ثم تمتم في قرارة نفسه في حبور: ‘أرى ذلك…’
‘لقد فهمت، لقد أدركت مغزى الأمر!’
استنشق نفساً في صمتٍ وأسند ظهره إلى مقعده وكأن شيئاً لم يكن.
‘لا بد وأن ذلك السرّ مذهلٌ بحق… حتى أن السيد ‹المشنوق› قد فَقَد رباطة جأشه…’ أشاحت أودري بنظرها بتعبيرٍ يفيض بالتوق وقالت لِـ ‹الشمس› الذي كان يجلس في الجهة المقابلة لها قُطرياً: «السيد ‹الشمس›، أذكر أنك أشرت إلى أن مدينة الفضة تحوز على وصفات الجرعات للمتسلسلات التاسعة، والثامنة، والسابعة من مسار التنين؟»
«أجل.» أومأ ديريك برأسه بصدق. «وصفة الجرعة للمتسلسلة السابعة هي ‹محلل النفس›.»
«وإن رغبت في الظفر بها، فما الثمن الذي يتعين عليّ دفعه؟» سألت أودري بتحفظ.
«وصفة الجرعة للمتسلسلة السابعة من مسار الشمس،» أجاب ديريك دونما تردد.
أومأت أودري برأسها في رِقّةٍ وقالت: «سأبذل قصارى جهدي للظفر بها.»
‘همم… لقد أسْرَت شيو وفورس إليّ آنفاً بأن ثمة متجاوزاً من مسار الشمس في تجمع السيد ‹أ›. وهو ينتمي للمتسلسلة السابعة على أقل تقدير ويتمتع ببراعةٍ في التطهير وطرد الأرواح الشريرة. وما إن تنجلي غيوم الأحداث الأخيرة، يسعني السعي للحصول عليها منه… وعلاوةً على ذلك، ينبغي لي الانخراط في المزيد من التجمعات التي تُعقد في المبنى التعليمي المهجور بتلك المستشفى. يجب أن أسعى لعقد صِلاتٍ مع أعضاء ‹خيميائيي علم النفس›… لا بد وأن يُفضي أحد الدربين إلى غايتي المنشودة…’ تواردت الأفكار في ذهن أودري، غير أنها أدركت بغتةً أنها لن تقوى على الظفر بها حتى وإن اهتدت إلى خيوطٍ تقودها للوصفة.
ويعزى ذلك إلى أنها ستكابد أزمةً ماليةً خانقة للأشهر القليلة القادمة وكانت تصمد بشق الأنفس.
‘يُناهز ثمن وصفة المتسلسلة السابعة الثمانمائة جنيه، لذا إن قَتّرت على نفسي، فمن المرجح أن أقوى على جمع هذا المبلغ. همم… لقد حلّ شهر أكتوبر بالفعل، وأوشك العام الجديد على بزوغ فجره. وحينها سأبلغ سن الرشد، وسأحظى بحريةٍ أوسع في التصرف بمالي الخاص… أو لربما ينبغي لي استخدام المعرفة التي لقّنني إياها السيد ‹الأحمق› للمقايضة؟ لست أدري ما هو الموقف الذي سيتخذه ‹هو› حيال تصرفٍ كهذا…’ طَفِقت أفكار أودري تتبدد شيئاً فشيئاً.
فعقدت العزم على التريث حتى تلوح في الأفق بوادر أملٍ للوصفة قبل أن تسأل السيد «الأحمق».
بلغت فقرة المقايضة خواتيمها. وكان كلاين يعتزم في بادئ الأمر مقايضة ما يحوزه من معرفةٍ بغرضٍ غامضٍ لا ينطوي على آثارٍ سلبيةٍ جَمّة، بيد أنه وبعد أن استشعر مدى الضائقة المالية التي يمر بها ‹المشنوق›، أيقن أن الطرف الآخر سيبذل ثمناً باهظاً لقاء مُكوّنيّ المتجاوزين هذين. فمن المستبعد أن يكون بحوزته أي أصولٍ إضافية، لذا لم يكن أمامه سوى التخلي عن فكرته بأسفٍ بالغ.
وما إن انطلقت شرارة فقرة التبادل الحُرّ، حتى بادر ألغر بالإشارة إلى أمرٍ ما: «لقد أُخضِعَت سفينة اللواء البحري الإعصاري كيلانغوس وطاقمها، مما أذن ببزوغ فجر أدميرال قراصنةٍ جديد.»

تعليقات الفصل