تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 298 : معاً من جديد

رَفْرَفَت رموش فورس لعدة مراتٍ قبل أن تفتح عينيها ببطء، لتجد نفسها مُمددةً على أرضية غرفة الجلوس. ومن خلال النافذة، أبصرت القمر الساطع مُعلقاً عالياً في كبد السماء كقُرصٍ قرمزي. وبدا الشيفون، الذي عادةً ما يكون رقيقاً وباهتاً، وكأنه قد استحال إلى ضوءٍ دمويٍّ كثيف.

‘لم ألقَ حتفي، ولم أفقد السيطرة… لم يكن ما جرى للتوّ حلماً… لقد أُنقِذتُ حقاً على يد السيد ‹الأحمق› الغامض وذي البأس الشديد…’ وحينما اعتدلت فورس في جِلستها وتفحّصت نفسها، لم تُبصر أي أمرٍ غير مألوف في بقية جسدها باستثناء أن شعرها قد ازداد طولاً وكثافة.

‘بيد أن حياتي قد غدت مُغايرةً تماماً لما كانت عليه سلفاً… لست أدري ما إذا كان هذا خيراً أم شراً…’ جلست فورس على الأرض تُعانق ركبتيها وهي تُتمتم في قرارة نفسها بصمت، غارقةً في لُجّة أفكارها. وكانت أفكارها تشرد بعيداً بين الفينة والأخرى، فتعتريها تارةً مشاعر القلق، وتارةً الحزن، وتارةً الحيرة.

وفوق الضباب الرمادي، رمق كلاين المقعد الذي نُقِش على ظهره رمزٌ لبابٍ مُتعدد الطبقات. وتمتم في قرارة نفسه وهو غارقٌ في تفكيره: ‘لست أدري ما كُنْه المعلومات التي تطويها تلك الهذيانات بين طياتها…’

‘حينما تبلغ المتسلسلة السابعة أو السادسة، يُفترض أن تقوى على مقاومة الآثار السلبية والاستماع لمحتوى الهذيانات.’

‘وإن لم تكن قد استوعبت طريقة التمثيل بعد، فيسعني أن أعهد للآنسة ‹عدالة› والآخرين بمهمة معاونتي في تلقينها إياها. فقد أقسمتُ بِغرضٍ مُقدسٍ للآلهة بألا أُفشي أي أمرٍ يَمُتّ بِصِلةٍ لطريقة التمثيل لمن يجهلونها.’

‘… وحينما أرتقي إلى المتسلسلة الخامسة وأغدو ‹سيد دمى رشيقة›، فَلَرُبما يسعني استغلال طقسٍ مُقابل وما تنفرد به هذه المساحة الغامضة من خصائص للتحكم بها عن بُعد، ولأُبصر ما تُبصره وأسمع ما تسمعه مُباشرةً.’

‘وبهذه الطريقة، سيتسنى لي التيقّن مما إذا كان هو السيد ‹باب›…’

‘هذا السيد الذي شَهِد تاريخ الحقبة الرابعة قد يكون أقدم عهداً من السيد آزيك الذي عاش حيواتٍ عِدّة.’

‘لست أدري أي متسلسلةٍ تُعادلها قوته ومستواه. الثانية؟ أم لربما الأولى؟’

وبعد بُرهةٍ من التفكير، استشعر أن روحانيته بدأت تضطرب، فسارع بالهبوط عبر الضباب الرمادي عائداً إلى عالم الشهادة (الواقع).

لقد كان هذا أمراً مألوفاً عقب أي ارتقاءٍ حديث؛ ولذا، صَرَف كلاين النظر عن فكرة الخروج، وعكف بصبرٍ على ‹التأمل› في منزله، قابضاً روحانيته وباسطاً إياها.

وفي الساعات الأولى من الصباح، استقلت فورس أول قطار بُخاريٍّ عائدةً إلى حي سانت جورج قبل أن تستقل عربةً عامةً قاصدةً الشقة المُؤلفة من غرفتي نومٍ حيث تقطن مع شيو.

وما إن فتحت الباب، حتى فُوجِئت بِـ شيو، التي عادةً ما تغط في نومها حتى ساعةٍ متأخرة، وهي تُحمّص بعض الخبز.

«لقد جافاني النوم جراء البزوغ المُباغت لقمر الدم ليلة البارحة، لذا نهضتُ مُبكرةً جداً. فورس، هل أنتِ بخير؟ هل ازدادت ضراوة تلك الهذيانات الغريبة؟» سألت شيو، وهي ترفع نظرها بقلق.

غشّى بصر فورس ضبابٌ مُباغت. فأدارت رأسها إلى الجانب، وتكلّفت ابتسامة، وقالت بنبرتها الصِدامية المُعتادة: «ما خطبُ عقلكِ؟ ألم أُخبركِ بذلك من قبل؟ من المُؤكد أن الهذيانات ستزداد ضراوةً إبان قمر الدم!

«بيد أنها لا تؤثر عليّ البتة. أجل، إنها لا تؤثر عليّ البتة. انظري إليّ، انظري كم أنا مُفعمةٌ بالحيوية والنشاط الآن!

«مهلاً، حَمّصي لي شريحة خبزٍ أيضاً!»

«خِلتُ أنكِ لا تستسيغين تناوله على هذه الشاكلة؟» رتّبت شيو شعرها الأشقر القصير وتمتمت بصوتٍ خافت.

وبعد أن خطا أولى خطواته في دروب الثأر وحظي بالارتقاء، غطّ كلاين في نومٍ عميقٍ طيلة الليل. وخرج في هدوءٍ لِيبتاع معكرونة فينابوتر لتناول طعام الإفطار، إلى جانب فطيرة ديزي وكوبٍ من الشاي المُثلّج المُحلى.

وبعد أن تَلَذّذ بالأطايب في رضاٍ تام، وضع شوكته وسكينه جانباً والتقط الصحيفة. وكان في مزاجٍ بالغ الاسترخاء وهو يشرع في القراءة.

ومن خلال نظرةٍ سريعة، تبيّن له أن العناوين الرئيسية لصحيفة ‹توسوك تايمز› كانت كالتالي:

«ليلة قمر الدم، الشيطان القاتل يضرب من جديد!»

‘مُجدداً؟’ قلّب كلاين سريعاً في الصفحات الأولى للصحف الأخرى وأبصر العديد من العناوين المُشابهة:

«الجريمة الحقيقية الحادية عشرة! الشرطة تقف مكتوفة الأيدي!»

«الشيطان القاتل بدمٍ باردٍ يسخر من الشرطة علانيةً مُجدداً!»

«أجواء الهلع تتفشى في أرجاء باكلاند!»

‘هذا… لا بد وأن ‹صُقور الليل› و‹المُعاقبين المُفوّضين› يكابدون جميعاً صُداعاً مُزمناً، أليس كذلك؟’ تنهّد كلاين في قرارة نفسه.

وللأمانة، فقد راودته رغبةٌ عارمة في الإيقاع بالقاتل.

ففي سالف الأيام على كوكب الأرض، حينما كان ضعيفاً، طالما كان يسرح بخياله ليكون مُنصِفاً للعدالة ومُعاقِباً للشر. أما الآن، وبصفته متجاوزاً من المتسلسلة السابعة، فقد شعر كلاين بالأسف على أحلامه الغابرة جراء اختياره ألا يكون بطلاً خارقاً.

‘أواه، يا للأسف. لقد حَظِيت هذه القضية بالفعل باهتمامٍ بالغ. فإن انخرطتُ فيها، ألن يعني ذلك أنني أُعَجّل بافتضاح أمري؟ لا زال يتعين عليّ أن أتحلى بالعقلانية… وعلاوةً على ذلك، وبناءً على ما باح به ‹الشمس›، فمن المُرجح جداً أن الجاني بصدد الارتقاء من المتسلسلة السادسة إلى المتسلسلة الخامسة. ورغم أنني لن أرتعد خوفاً منه، إلا أنني قد لا أقوى على الإيقاع به حتى مع ما حزت عليه من تعاويذ وقُدراتٍ شبيهةٍ بالتعاويذ حديثاً. إن الأمر محفوفٌ بمخاطر جَمّة…’ وبعد أن قلّب الأمر في ذهنه، آثر كلاين التمسك بمعتقداته الراسخة والبقاء مُواطناً عادياً.

لقد كان على يقينٍ بأنه في ظل ما تتمتع به الكنائس القلائل من قوة—وإن واصل القاتل اقتراف جرائمه—فإن احتمالية الإيقاع به ستكون عاليةً جداً!

وبعد تصفحه للأخبار، ألقى كلاين نظرةً عابرةً على صحيفة ‹باكلاند مورنينغ بوست› وألفى أن الإعلان الخاص بشراء شركة ‹إرنست› للبضائع قد بَرَز مُجدداً في الصفحة الخامسة.

‘سيُعقد تجمعٌ غداً ليلاً في الثامنة. سيسعني حينها بيع بلورات نخاع ينبوع الجان لِـ ‹العطّار›…’ تمتم كلاين بينما كان يطبع الأرقام الأربعة الأولى من السعر المُدْرَج في ذاكرته.

وبعد انقضاء نصف ساعة، فرغ من قراءة الصحيفة السميكة الماثلة أمامه وشرع يُفكر ملياً في خططه المُستقبلية.

‘تتمثل الخطة طويلة الأمد في الارتقاء إلى متسلسلةٍ عُليا، لأغدو خبيراً بمرتبة نصف حاكم قبل أن أحيك خيوط ثأري ضد إينس زانغويل.’

‘أما الخطة متوسطة الأمد فتتمثل في الاهتداء إلى طريقة التمثيل الخاصة بِـ ‹الساحر›. سأعكف على استنباط التَعاوِيذِ (المبادئ) المُقابلة للمراقبة شيئاً فشيئاً، ليتسنى لي هضم الجرعة قَطْرَةً قَطْرَة. وفي خِضَمّ هذه العملية، سأشرع في البحث عن خاصيةٍ لِـ ‹ظلٍ مكسوٍ ببشرة إنسان›، وشعرٍ من ‹ناغا أعماق البحار›، ودماء ‹صيادٍ ذي ألف وجه›، وغدةٍ نخاميةٍ مُتحورة، فضلاً عن السُبُل الكفيلة بتبديد فساد حاكم شريرٍ من غرضٍ ما.’

‘أُمم… تبلغ تكلفة كُل مُكوّنٍ من مُكوّنات المتجاوزين للمتسلسلة السادسة ما يُقارب الـ 1500 جنيه. إنه لمبلغٌ باهظٌ للغاية!’

‘وبالإضافة إلى ذلك، أنا بحاجةٍ للظفر بغرضٍ غامضٍ يُركّز على الهجوم أو التحكم. فرغم ما يتمتع به ‹الساحر› من قوةٍ بالغة، إلا أن جُلّ قوى المُتجاوزين تُسَخَّر للحفاظ على الحياة والفرار. وفي ظل بيئةٍ مُلائمة، فإن الهجوم الأقوى هو ذلك الناجم عن مسدسٍ مُعدّل. والميزة الوحيدة تكمن في قُدرته على مباغتة الآخرين، كما أنه يفتقر إلى السُبُل اللازمة للتحكم بالعدو.’

‘أما الخطة قصيرة الأمد، الخطة قصيرة الأمد… هِه، سأعكف على قَصّ بعض التماثيل الورقية والتأهب لاستخدام قُواي. سأقصد السيرك إبان فترة الظهيرة كمتنفسٍ للاسترخاء والترفيه. ويسعني أن أستلهم أفكاراً لِـ «التمثيل» من خلال مراقبة سحرة ألعاب الخفة العاديين. أجل، لقد طالعت في الصحف أن ثمة بضعة سيركاتٍ دائمةٍ في باكلاند…’

وبعد أن رتّب أفكاره، سارع كلاين بتنظيف أطباقه، وغسل سكينه وشوكته، وانغمس في زحام التحضيرات.

وحينما أوشكت الظهيرة على الحلول، وضع المقص جانباً ورمق التماثيل الورقية الثلاثة الخشنة الماثلة أمامه. وتنهد مُتمتماً في قرارة نفسه: ‘لعل هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أضطلع فيها بعملٍ يدويٍّ بهذه الجدية.’

‘ومن حُسن الطالع أن الأمر لا يعدو كونه قَصّاً لبعض التماثيل الورقية وليس لِأزهارٍ أو تطريز. فلا ضير طالما أنها تتخذ هيئة إنسان!’

‘أواه، ولولا أن يداي قد غدتا أكثر خفةً ورشاقة، لربما بَاءَ مَسْعَاي اليوم بالفشل…’

لقد كان كلاين قد استخدم لتوّه تمثالاً ورقياً إضافياً لاختبار قُدراته وتيقّن من أن كُل شيءٍ يسير على ما يُرام.

طوى التماثيل الورقية وخبأها في رُزمةٍ من الأوراق النقدية. ودسّ كلاين الرُزمة في جيبه.

وبينما كان يَهُمّ بالخروج للتلذذ بوجبةٍ في مطعمٍ أرقى قليلاً قبل التوجه إلى أقرب سيركٍ لمشاهدة العرض، قُرِع جَرَس الباب بغتةً، وتردد صدى رنينه العذب في الأرجاء.

‘مهمة عمل؟ يُفترض أن الإعلان الذي نشرته قد شارف على استنفاد فترة عرضه…’ توجّه كلاين، مُتدثراً بقميصٍ مُنَشَّىً وسترةٍ صوفيةٍ رقيقةٍ ودافئة، نحو الباب وقبض على المقبض.

وفي الآن ذاته، تجلّت صورة الزائر في مخيلته.

لقد كان رجلاً في العقد الخامس من عمره. وكان بَدِيناً إلى حَدٍ ما، وبدا وكأنه يلقى عَنَتاً حتى في مجرد الوقوف.

كانت عيناه ضئيلتين من فرط تراكم اللحم على وجهه. وكانت بشرته خشنةً بيد أنها بالغة البياض. وكان يحمل عصا سادة في يده، ويعتمر قبعةً بالغة الطول والضخامة على رأسه.

ورغم أن باكلاند كانت تلفحها برودة شهر أكتوبر، إلا أن جبين الرجل كان يتفصد عرقاً.

وإلى جواره كان يقف خادمان مُتدثران بمعاطف حمراء زاهية، يُسندانه من كِلا الجانبين.

‘أنا لا أعرفه…’ تمتم كلاين، وقبل أن يتسنى لِإدراكه الروحي الاستجابة، فتح الباب.

«طاب مساؤك. إن الطقس لحارقٌ بحق.» أخرج الرجل البَدِين في مُنتصف العمر منديلاً ومسح العرق المُتصبب من جبينه.

وبينما كان يتحدث، هبّت عاصفةٌ باردة، مما دفع الخادِمَيْن القابعَيْن إلى جواره للارتجاف.

«طاب مساؤك. هل من خِدمةٍ يسعني تقديمها لك؟» سأل كلاين بلباقة.

«أأنت المحقق شيرلوك موريارتي؟ لديّ أمرٌ أودّ أن أعهد به إليك.» تكلّف الرجل في مُنتصف العمر ابتسامةً وقال: «لقد غاب عن بالي أن أُعرّف عن نفسي. أنا روغو كولومان، تاجر مُجوهرات.»

«تفضل، ادخل.» ابتسم كلاين وأفسح له المجال.

دلف روغو كولومان بخطواتٍ مُتثاقلة وجلس على الأريكة، مما دفع الأثاث العتيق لإصدار أنينٍ مُمانع.

«ما الأمر على وجه الدقة؟» أخرج كلاين قطعةً نقديةً نُحاسيةً وراح يُقلّبها ببراعةٍ بين أطراف أصابعه.

تنهّد روغو وقال: «أرغب في أن تضطلع بحماية ابني حتى ظهر الغد. فقد جلب على نفسه حنق بعض المعتوهين.»

«حتى ظهر الغد؟ أَهْتَدَيْتَ إلى تسويةٍ ما؟ ولِمَ لا تُبلغ الشرطة؟» سأل كلاين في أناةٍ ودون تعجل.

لاذ روغو بالصمت لثانيتين قبل أن يقول: «لقد انخرط أدول في صُحبةٍ سيئة وانساق وراءهم لاقتراف أفعالٍ مُشينة. أُوه، ليس بالأمر الجلل، بيد أنها أفعالٌ قد تزجّ به في غياهب السجن. وما لم يكن الأمر ضرباً من الضرورة، فلا أودّ إبلاغ الشرطة.

«لقد نشب شجارٌ بينه وبين رفاق السوء أولئك في الآونة الأخيرة. وإثر ذلك، انهار بغتةً وطَفِق يصرخ مُردداً أن أولئك القوم يسعون لإزهاق روحه.

«لقد استبد بي القلق، لذا استأجرت ستة حراسٍ شخصيين مُتمرسين من شركة أمنيةٍ لِلْمُرابطة في الخارج. ثم استأجرت أربعة محققين خاصين آخرين للتناوب على حراسة أدول، حتى وإبان نومه.

«بيد أن أحد المحققين قد تعرّض لحادثٍ مُباغتٍ في منزله ولن يتسنى له العودة سوى ظهر الغد. ولذا، لم يكن أمامي من خيارٍ سوى استئجار محققٍ آخر في اللحظة الأخيرة.

«أنا أعتذر، لا يسعني استئجارك سوى ليومٍ واحد.

«أجل… تبلغ قيمة المكافأة عشرة جنيهات، وإن كابدت أي خطر، فسأزيد من المبلغ. أنا على يقينٍ من أنك ستكون راضياً تمام الرضا.»

‘أهكذا إذن… عشرة جنيهاتٍ ليومٍ واحد. إن هذا يُعادل راتب أسبوعٍ كاملٍ للسيد سامر القاطن في المنزل المُجاور…’ أدرك كلاين من لون مشاعر الآخر أنه لم يكن يتفوه بكذب.

وفي خِضَمّ الصمت القصير الذي خيّم على غرفة الجلوس، واصل تقليب القطعة النقدية النُحاسية بين أصابعه، وبِصوتِ ارتطامٍ خافت، سقطت في راحة يده.

رمقها كلاين بنظرةٍ عابرة، وثنى أصابعه وابتسم.

«اتفقنا.»

التالي
298/819 36.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.