تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 311 : مُراقبةٌ مُتبادلة

جلس كلاين في المقعد المُخصص لِـ ‹الأحمق› وجال ببصره في الأرجاء.

«هذه هي الآنسة ‹ساحر›، عُضوتنا الجديدة.»

ثم رمق فورس بنظرةٍ وقدّم لها بقية الأعضاء.

«هذه هي الآنسة ‹عدالة›، وذاك هو السيد ‹المشنوق›…»

وبينما كانت فورس تُومئ برأسها كتحيةٍ للأعضاء بألقابهم الرمزية المُقابلة، طَفِقت تُراقب بقية الأعضاء.

‘الآنسة ‹عدالة› شقراء وتبدو يافعةً جداً؛ وتجلس بوضعيةٍ تفيض بالرُقي والأناقة. والسيد ‹المشنوق› ذو شعرٍ أزرقٍ داكن، أشعثٍ كالأعشاب البحرية؛ ولا يتمتع ببُنيةٍ جسديةٍ ضخمةٍ للغاية؛ ولا يميل إلى كثرة الحديث، بيد أن نظراته تبعث في نفسي شعوراً بعدم الارتياح؛ لا بد وأنه قائدٌ لفصيلٍ ما… والسيد ‹الشمس› يبدو كمُراهق؛ إنه شديد الصمت والتحفظ؛ وفيما عدا ذلك، لا يسعني استنباط أي شيءٍ آخر — لربما كان بالغ الضعف مِثلي. أما السيد ‹العالم› فعيناه باردتان جداً وكئيبتان إلى حدٍ ما؛ من الجليّ أنه ليس بالشخص الذي يُستهان به…’ وبصفتها كاتبةً خطّت روايةً تتصدر مبيعات الكُتُب، فقد أبرزت سِماتها الفريدة في المُراقبة.

وبينما كانت تتأمل الأعضاء الآخرين، كانوا هم أيضاً يرمقونها بنظراتهم. ومن بينهم، كانت ‹عدالة›، أودري، هي الأشد انتباهاً وتدقيقاً.

‘من خلال قوامها، يسعني استبعاد الآنسة شيو. شعرٌ بُنيٌّ ومُجعّدٌ بعض الشيء. أهي السيدة فورس؟ في الوقت الراهن، لا يسعني استبعاد احتمالية أن يكون السيد ‹الأحمق› قد سحب شخصاً آخر. همم، طريقة نُطقها وحركة فمها تتطابق تماماً مع لهجة باكلاند. كما تتطابق هالتها وألوان مشاعرها أيضاً… من المُستبعد أن يعمد السيد ‹الأحمق› إلى منشئ طيفٍ وهميٍّ خِصّيصاً للأعضاء، أليس كذلك؟ فلا حاجة لِـ «هُو» لإخفاء أي شيء…’ وبعد بضع ثوانٍ من تفحّص فورس، كادت أودري أن تُطابق الطيف الضبابي مع انطباعها المُستقر في ذهنها عن فورس تماماً.

‘إن أفلحتُ في العثور على سِمةٍ أُخرى في جوانب مُختلفة، فيسعني التيقن تقريباً…’ انتظرت بشغفٍ بالغٍ للاستوثاق من قُوى المُتجاوزين خاصتها.

وفي الآن ذاته، ساورها شعورٌ بأنه لا حاجة للبوح بهُوِيّتها لفورس.

‘سيكون من الأجدر الاحتفاظ ببعض الأسرار. أجل… لِنرى متى ستكتشف الأمر بنفسها!’ أشاحت أودري بنظرها، ورسمت ابتسامةً باهتةً على وجهها وهي تُراقب في صمتٍ من على الهامش.

وفي تلك اللحظة، ولمّا لم تكن هُناك أي مُدخلاتٍ جديدةٍ من مُذكرات روزيل، أحكم كلاين سيطرته على ‹العالم› وقال: «أرغب في الإلمام بتفاصيل متسلسلتي ‹الشيطان› و‹الحارس›.»

لقد كان على يقينٍ من أن ‹الشمس› مُلمٌّ بتفاصيل متسلسلة ‹شيطان› السادسة لأنه سبق وأن أتى على ذكر ‹دراسات الشياطين›، ولِئَلا يفتضح أمر تقصّيه لسلسلةٍ من جرائم القتل، تعمّد إضافة متسلسلة ‹حارس› الخامسة من مسار ‹حاكم القتال›—والذي يُعرف أيضاً بمسار ‹العملاق›. لقد كان هذا هو المسار السائد للمتجاوزين في مدينة الفضة، لذا كان من المُحال أن يجهله ‹الشمس›.

أما فيما يخص المُتسلسلات المُقابلة كالمتسلسلة التاسعة ‹مُحارب›، والمتسلسلة الثامنة ‹مُلاكم›، والمتسلسلة السابعة ‹سيد الأسلحة›، فقد استقى كلاين تفاصيلها منذ أمدٍ بعيد من المعلومات السرية لِـ ‹صقور الليل›. وأما المعلومات المُتعلقة بمتسلسلة ‹فارس الفجر› السادسة، فقد وقف عليها لتوّه من الأسقف أوترافسكي. ولذا، فإن الشيء الوحيد الذي كان بوسعه السؤال عنه وكان على استعدادٍ لدفع ثمنه دون إهدارٍ للمال هو متسلسلة ‹حارس› الخامسة.

وعلاوةً على ذلك، لم يُوجّه سؤاله لِـ ‹الشمس› مُباشرةً، بل طرح هذا الطلب على الجميع، لأنه، ووفقاً لمجريات الأمور، كان من المُحال على ‹العالم›، الذي انضم لتوّه إلى نادي التاروت، أن يكون على درايةٍ بأن مدينة الفضة تحوز على مسار ‹العملاق›.

«إن كان الأمر يقتصر على متسلسلة ‹الشيطان› فحسب، فأنا أُلمّ بنزرٍ يسيرٍ عنها.» قاطع ألغر، الذي كان يحظى بمكانةٍ ما في كنيسة ‹سيد العواصف›.

رمقه ديريك بيرغ بنظرةٍ عابرةٍ ودون أي تفكير، اعتدل في جِلسته وقال: «أنا أتمتع بدرايةٍ واسعةٍ حيال هاتين المتسلسلتين.

«وأبتغي لقاء ذلك معلوماتٍ ذات صِلةٍ بالخالق الساقط.

«وسيُترك أمر تقدير تكافؤ المعلومات للسيد ‹الأحمق›.»

وعقب تفوهه بذلك، أدرك أنه لم يحظَ بمُوافقة السيد ‹الأحمق› فسارع بإدارة رأسه شطره لِيطرح الطلب بتبجيلٍ وتوقير.

‘أيها ‹الشمس›، لا تَلُمْنِي. فأنت من بادر بهذا الطلب…’ ارتعش ثغر كلاين قليلاً وهو يقول بضحكةٍ خافتة: «لا ضير في ذلك.»

‘وعلاوةً على ذلك، فحينما يتعلق الأمر بالإلمام بالخالق الحق، فليس بوسع أيٍ من السيدات والسادة الحاضرين أن يُضاهيني…’ أضاف بجرأةٍ في قرارة نفسه بصمت.

وبينما كانوا يتناقشون حول هذا الأمر، بُهِتت ‹الساحر› فورس لدى سماعها لحديثهم.

‘متسلسلة الشيطان هي مسار الشيطان؟ وما هو رقم المتسلسلة؟’

‘وما هو مسار الحارس؟ وما هو رقم المتسلسلة الخاصة به؟’

‘لم يطرق مسمعي أيٌّ منهما قط…’

‘المنشئ الساقط؟ المنشئ الحق؟’

‘يا إلهي، إنهم يتبادلون في واقع الأمر معلوماتٍ تخصّ المنشئ الحق!’

‘ذلك الحاكم الذي يُعرف بأنه الكِيان الأقدم والأشد بأساً من بين سائر الحاكمة.’

‘إلى أي صنفٍ من المُنظمات قد انضممت؟’

وعقب تلقيه رداً إيجابياً من ‹الأحمق›، قال ‹العالم› دون أدنى تردد: «اتفقنا!

«وألتمس أن يكون التبادل في خفاء.»

‘إنني أتوق حقاً لسماع ذلك… بيد أنه يتعين عليّ أن أقتصد في نفقاتي في الوقت الراهن. لا زال يفصلنا شهران عن العام الجديد. تَجَلّدي يا أودري!’ طرفت أودري بعينيها، وأشاحت بنظرها عن ‹الشمس› على مَضَض.

وإثر ذلك، حجب كلاين أنظارهم، ورؤيتهم، وروحانيتهم.

سارع ‹العالم› بِطأطأة رأسه و«خَطّ» على ورقةٍ مُستحضرةٍ ما استوعبه من معارف حيال المنشئ الحق، بما في ذلك التشبيهات المُعتادة من قبيل «العملاق المشنوق» و«العين القابعة خلف ستائر الظلال»، مُتضمناً المعلومات التي تُفيد بأن أتباع ‹طائفة الشفق› يُؤمنون بأن هذا الحاكم الشرير هو المنشئ الأصلي لِكُل شيء.

وفي خواتيم الورقة، دوّن كلاين انطباعه عن الحاكم الشرير من خلال تفاعله مع سلالته، واستشعاره لهالة الحاكم، وما كابده من شعورٍ حينما أصغى لصوت المنشئ الحق.

«ساقط، ومُشَوّه، ودموي، ومجنون، وشرير.»

ثم، وبصفته السيد ‹الأحمق›، أدلى بتعليقه قائلاً: «هذه المعلومة تفوق في قيمتها قليلاً المعلومات المُتعلقة بمتسلسلتي ‹الشيطان› و‹الحارس›، بيد أن البون بينهما ليس بالشاسع.»

«أشكرك، أيها السيد ‹الأحمق›.» تسلّم ديريك قطعة جلد الماعز بجديةٍ واهتمام وراح يطالعها بعنايةٍ لمراتٍ عِدّة.

لقد كان أكثر ما يُثير حفيظته واهتمامه هو أن المنشئ الحق كان يُعرف بأنه منشئ كُل شيء!

‘مُشوّه، وساقط، ومجنون…’ ردد ديريك الكلمات، وقد بَرَزت في مُخيّلته بضبابيةٍ الفاجعة المُظلمة التي ابتلعت كُل قاطني مدينة الفضة لِما يربو على الألفيّ عام.

‘أَهَلِ تخلّى الرب عنا حقاً؟ لربما كان الأمر مُجرد أن ‹هو› قد استسلم للجنون…’ وجد ديريك نفسه قادراً على كبح جماح التفكير بأفكارٍ تُعدّ تجديفاً لتقييم الرب الذي منشئ كُل شيء، الحاكم الكُليّ القُدرة والمعرفة الذي يُعبد في مدينة الفضة.

«لقد حان دورك لِتُجيب على سُؤالي،» حَثّه ‹العالم› بصوتٍ أجشّ.

كبح ديريك جماح أفكاره التي كانت تغلي وتموج بالأسى وقال بعد ثانيتين من الصمت: «حينما تتجرع أصنافٌ مُتباينةٌ من المخلوقات جرعة ‹الشيطان›، فإنها ستُكابد أنماطاً مُختلفةً من التحور. وستتسم بِخصائص تتفرد بها دون غيرها. فأي صنفٍ من الشياطين تبتغي الإلمام بتفاصيله؟»

‘أهناك تمايزاتٌ في واقع الأمر؟’ بُهِت كلاين.

وسُرعان ما أدرك أمراً واحداً—لقد كانت هُناك زاويةٌ غابت عن إدراكه إبان مسار تفكيره!

‘ماذا لو لم يكن القاتل المُتسلسل بشرياً بل حيواناً؟’

‘فبعد تجرعه للجرعة المُقابلة، قد يستحيل إلى حيوانٍ شيطاني!’

‘خطوةً بِخُطوة، ومتسلسلةً تلو الأُخرى، سيغدو شيطاناً!’

‘ورغم أن احتمالية فقدان الحيوان للسيطرة تفوق احتمالية البشر بأشواطٍ شاسعة، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لدرء سيناريوهات ‹ماذا لو›… يتعين عليّ تقصّي هذا الأمر… بيد أنه في هذه الحالة، ستطفو على السطح تساؤلاتٌ أكثر. من أين استقى الشيطان، المُتحور من حيوان، الجرعة ومُكوّنات المُتجاوزين؟ فمن المُحال أن ينخرط في دوائر المُتجاوزين…’ لاذ كلاين بالصمت وأحكم سيطرته على ‹العالم› ليقول: «ما أبتغي الإلمام به هو السِمَةُ المُشتركة لِكافة أصناف الشياطين.»

استرجع ديريك معارفه ورتّبها في ذهنه قبل أن يقول: «أشد ما يبعث على الرعب في الشيطان هو أنه إن أفلحت في إلحاق ضررٍ مُميتٍ به في غضون فترةٍ زمنيةٍ بالغة القِصَر وشَرَعت في اتخاذ خطواتٍ فعليةٍ لتحقيق ذلك، فبوسعه حينئذٍ استشعار، وملاحظة، وإدراك مصدر الخطر المُحدق به ومن يقف وراءه، لِيَعمد بعدها إلى قتلهم انتقائياً أو السعي للانتقام منهم.

«وتتباين هذه الفترة الزمنية من بضع دقائق إلى يومٍ كامل. فالغرائز تختلف باختلاف الشياطين.»

‘هذه القُدرة مُرعبةٌ بعض الشيء… بيد أنها تُباين حدس ‹المهرج›. فلا يبدو أن بوسعه استخدامها في خِضَمّ القتال بل تقتصر على اكتشاف مصدر الخطر سلفاً. إنها أقرب لقُدرة ‹الحدس المُفاجئ› التي طالعتها في روايات شيانشيا في حياتي السابقة… لست أدري ما إذا كان بوسعي التشويش على هذا الحدس أو حتى حجبه كلياً في هذا الحَيِّز الغامض القابع فوق الضباب الرمادي. هل سينتهي المطاف بِـ ستيوارت في مأزقٍ خطير…’ أسند كلاين ظهره إلى مقعده، وبدا وكأنه غير مُكترثٍ البتة بموضوع النقاش الدائر بين ‹الشمس› و‹العالم›.

ولمّا أبصر أن ‹العالم› لم يُبدِ أي علاماتٍ للدهشة، استطرد ديريك قائلاً: «إنهم يحوزون جميعاً على قُدرة العملقة لأجسادهم، مما يُتيح لهم التحرر من قيودهم، والارتقاء بقوتهم وسُرعتهم مؤقتاً؛ وبشرتهم قابلةٌ للتحور، وهو ما يُعادل ارتداء طبقةٍ من دِرعٍ صُلب؛ ولحمهم ودماؤهم تُؤدي دور المُثَبِّط وتقلص من وطأة الضرر؛ وهم محصنون ضد غالبية السُموم ولا يرتعدون فزعاً من اللعنات أو ألسنة اللهب إلى حَدٍ ما; ويحوزون على تعاويذ فطريةٍ من طراز اللهب والفساد; وهم يتسمون ببرود الدم، ولا يستسلمون للذعر، ولا يطال الخوف قلوبهم، ويتمتعون ببأسٍ شديدٍ حينما يتعلق الأمر بالقتال الجسدي; كما أنهم بارعون في استغلال شتى الأغراض لإلحاق الضرر.

«وتكمن نقطة ضعفهم القاتلة في ميلهم نحو فقدان السيطرة. وحتى إن لم يفقدوها، فغالباً ما سَتَتَجَلّى فيهم حالةٌ من الجنون الوحشي والبارد، ويغدون فريسةً سهلةً لشهواتٍ كالتعطش للدماء ونزعة القتل.»

‘إنهم ذوو بأسٍ شديدٍ حقاً، كما يُتوقّع من متسلسلة الشيطان السادسة. أيعقل أنه من بين مسارات المتجاوزين الاثنين والعشرين التي تقبع دون المتسلسلات العُليا، تُمثّل المتسلسلة السادسة أو السابعة عتبةً لنقلةٍ نوعية؟ وفي هذا الصدد، تتباين المُتسلسلات، ولذا غدت بِمثابة الخطوط الفاصلة بين المُتسلسلات المُتوسطة في سالف العهود وحاضرها…’ تحكّم كلاين بِـ ‹العالم› وقال: «أنا راضٍ تمام الرضا عن المعلومات التي أفضيت بها.»

لم يتصنع ديريك التواضع. بل أومأ برأسه وقال: «قلّما يتكبّد الحُرّاس أي ضرر. وما إن يَلِجُوا في حالة الدفاع ويُحجموا عن الهجوم، فقلّةٌ قليلةٌ ممّن يقبعون دون المُتسلسلات العُليا من يقوى على اختراق دفاعاتهم. وينسحب الأمر ذاته على صنوفٍ شتى من الأضرار. وحينما يُبادرون بالهجوم، فإن دفاعهم المُقابل سيتضاءل بشكلٍ ملحوظ، بيد أنه سيظل أشد بأساً من دِرعٍ يكسو الجسد بأكمله.

«كما أن ‹سيف الفجر› و‹إعصار النور› خاصتهم، فضلاً عن سائر قُوى المتجاوزين التي يحوزونها، تُتيح لهم إلحاق الضرر بأي صنفٍ من الوحوش.

«ولا تنطلي عليهم الأوهام. ويسعهم مُدّ يد العون لرفاقهم ضِمن نطاقٍ مُعينٍ عبر تلقي الأضرار نيابةً عنهم وحمايتهم.»

وعقب التوصيفات التي سردها ديريك، لم يتمالك كلاين نفسه من إطلاق تنهيدةٍ في قرارة نفسه.

‘مقارنةً بِـ ‹الحارس›، فإن دفاع ‹فارس الفجر› أشبه بدفاع طفلٍ يُجابه رجلاً بالغاً. فمن المُرجّح أن ‹الحارس› سيقوى على الصمود في وجه رصاصات بُندقيةٍ بُخارية… وفي غِمار حُروب هذا العصر، لن يلقوا حتفهم ما لم تكن مدافعٌ ضخمة العيار قد اتخذتهم هدفاً لها.’

التالي
311/819 38.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.