الفصل 327 : مُصادفةٌ في الطريق
في جوف المسرح الصغير لِسيرك رايس.
ما دام ثمة أمرٌ يبعث على شعورٍ بالأُلفة، فلن يجد أي ‹عراف› عناءً في استرجاعه. رفع كلاين نظارته ذات الإطار الذهبي على أنفه، وأسند ظهره إلى مقعده، وتمتم بشيءٍ كاد أن يكون بلا صوت.
وسُرعان ما تظاهر بإغماض عينيه لِأخذ قسطٍ من الراحة لِما يربو على العشر ثوانٍ. وفي واقع الأمر، كان قد استعان بِحالة ‹التأمل› لِيغط في نومٍ سريعٍ ويُستلهم عبر حُلمه.
لقد كانت غرفةً خافتة الإضاءة إلى حدٍ ما، ولا يرتعش فيها سِوى ضوء شمعةٍ يتيمةٍ على طاولة القهوة. وكان جميع الجالسين حولها يتدثرون بأرديةٍ سوداء ذات قُلنسواتٍ ويعتمرون أقنعةً حديديةً لا تُغطّي سِوى النصف العلوي من وجوههم.
دَلّك كلاين ما بين حاجبيه مُتعمداً، وفتح عينيه، وواصل مُتابعة عرض ترويض الوحوش.
لقد أوّل الوحي وأدرك المَنبع الذي انبثقت منه الأُلفة: لقد كان المشهد في الحُلم يعود لتجمع المُتجاوزين الذي نظّمه السيد العجوز ‹عين الحكمة›.
وكان هُناك أيضاً ‹عطّارٌ› ذو وجهٍ مُمتلئٍ يستسيغ إطلاق السُخرية اللاذعة كنوعٍ من التحذير. ورغم أنه كان جلياً أنه شخصٌ طيّب القلب، إلا أنه كان يبعث في نُفوس الآخرين دوماً شعوراً بأنه يستحق التلقين درساً.
‘أيعقل أن يكون هو ذلك ‹العطّار›؟ لا يُفترض أن يكون الأمر كذلك. متى تسنى له تعلّم ترويض الوحوش… وفقاً للسجلات السرية لـ ‹صقور الليل›، فإن ‹العطّار› لا يحوز على ‹رؤية روح› كتلك التي يمتلكها المُنتمون لمسار ‹الرائي› (العراف) والذين يقوون على تمييز ألوان المشاعر بِأدق تفاصيلها. حسناً، وحينما يتعلق الأمر بألوان الهالات، فإنهم في واقع الأمر بارعون فيها إلى حَدٍ كبير…’ تشتتت أفكار كلاين ببطءٍ دون أن يُؤثر ذلك على استمتاعه بالعرض القائم على خشبة المسرح.
وفي خِضَمّ ‹رؤية الروح› خاصته، كانت ألوان مشاعر كُلٍّ من الدُب الأسود، والنمر، والرُبّاح ذي الشعر المُجعّد تفتقر إلى الاستقرار حقاً. وإن طالهم قدرٌ إضافيٌّ من الاستفزاز لِحَدٍ مُعين، فمن المُرجح جداً أن يستشيطوا هائجين في التوّ واللحظة. وهذا ما أكد بشكلٍ غير مُباشرٍ أن الرجل ذا الوجه المُمتلئ الذي تفوّه بتلك الكلمات آنفاً لم يكن يسعى لإثارة الشغب. بل بدا وكأنه يقوى على قراءة أفكار الحيوانات الثلاثة واستيعاب ما يعتمل في نُفوسها من نزعات.
وعقب تلقيه للتحذيرات، اكفهرّ وجه مُدرب الوحوش غضباً، ورغم ذلك، غدت حركاته أشد رِقّةً بغير وعيٍ منه. وتوخى حذراً أكبر، فأسدل العرض سِتاره دون أي مُنغّصات.
وبعد ذلك، تخلّل العرض مَشهدٌ تمثيليٌّ بسيطٌ بيد أنه غنيٌّ بالدُعابة. وما إن انتهى، حتى حان دور الساحر لِيُقدم عرضه.
كان هذا الساحر يتدثر بِبِدْلَةِ توكسيدو. وكان يرتدي ربطة عُنقٍ مُقَوَّسةٍ من ذات اللون، فضلاً عن قُبعةٍ عاليةٍ ضخمة. وما إن بَرَز على خشبة المسرح، حتى نفث نيراناً من فمه، مما أثار عاصفةً من التصفيق والهتاف من قِبل الجُمهور في لمح البصر.
‘يا لها من خُدعةٍ بسيطة…’ أدرك كلاين، الذي كان يتمتع بِبَصَرٍ ثاقبٍ وسبق وأن طالع حشداً لا بأس به من برامج تعليم ألعاب الخِفّة، جَوْهَر الخُدعة من مُجرد نظرةٍ عابرة.
وإثر ذلك، طَفِق الساحر يُؤدي: عرض الفرار الكلاسيكي، وإطلاق الحَمَام الطائر من قُبعته، واستخراج الأزهار، وخُدع البطاقات، وما إلى ذلك. وخال كلاين أنه يقوى على كشف كُل خُدعةٍ من خُدع الساحر بيُسر، بيد أنه فُوجِئ حينما أدرك أنه، في وقتٍ ما، قد أخفق في ذلك حقاً لأن انتباهه قد انساق نحو المَوضع الذي أراد الساحر له أن ينساق إليه، مما أدى إلى تغافله عن التفاصيل الجوهرية.
‘من الجليّ أنه لا يحوز على أي قُوى مُتجاوزين، بيد أن تقنيته لا زالت قادرةً على خداع بصري. همم، النُقطة المحورية تكمن في الاستحواذ على الانتباه… أَهَلِ تتمثل التَعويذة (القاعدة) الثانية لِـ ‹الساحر› في تشتيت انتباه الهدف بالكلية، بُغية بُلوغ التأثير المنشود؟’ خَمّن كلاين في قرارة نفسه، ولم يكن على يقينٍ مما إذا كان تخمينه صائباً أم خاطئاً.
كان الأمر يقتضي منه أن ‹يُمثّله› لِيتلقى التغذية الراجعة.
وفي هذه اللحظة، بلغ عرض الساحر خواتيمه. ولم يبخل الجُمهور بتصفيقهم الحار وهتافاتهم. وبلغت الأجواء في المسرح ذُروتها في تلك الظهيرة.
‘هِه هِه، التَعويذة (القاعدة) الثالثة. أَهَلِ يقتضي أداء ‹الساحر› تصفيق الجُمهور لِعرضه؟’ تمتم كلاين في قرارة نفسه بصمتٍ بنبرةٍ يمتزج فيها المُزاح بالتخمين.
وبُعيد الساعة الثالثة بقليل، رفع ياقة معطفه الأسود المزدوج الصدر وغادر المسرح الصغير. لم يسعَ لِلتواصل مع الرجل ذي الوجه المُمتلئ الذي يُشتبه في كونه ‹العطّار› واكتفى بِطبع ملامحه في ذاكرته في خفاء—فالتقرب منه بغتةً قد يُسفر عن ردود أفعالٍ مُتطرفة.
واستقل عربةً عامةً تسير على سِكَكٍ عائداً إلى شارع مينسك.
كانت العربة تنقسم إلى طابقين، وفي كُلٍ منهما كان هُناك بضعة رُكاب. وكما جرت عادته، انتقى كلاين المقعد المُجاور للنافذة في الطابق الأول.
ومضت العربة في طريقها وتوقفت بين الفينة والأُخرى. وكلاين، الذي كان قد أغلق عينيه نِصف إغماضةٍ لِيسترجع الإلهام الذي ظفر به لتوّه، شَعر بغتةً بخفقانٍ في قلبه. وثاب إليه رُشده وعقلانيته—لقد كان رد الفعل وكأن أحدهم قد اقتحم حُلمه عُنوةً أو أجرى وساطةً روحيةً عليه.
وفي هذه اللحظة، أيقن جلياً أنه لم يَعُد في عالم الواقع!
وبِصفته شخصاً مُحنّكاً ذا خبرةٍ واسعة، تظاهر بعدم الاكتراث. وجال ببصره في الأرجاء فأبصر أن الرجل المُتدثر بِتوكسيدو وقُبعةٍ عاليةٍ إلى يساره كان لا زال يُقلّب في صحيفة. وكان هُناك طفلان يتعرضان لِلتوبيخ من قِبل امرأةٍ مُنزعجةٍ ترتدي فستاناً أزرق فاتحاً لِتمردهما وإثارتهما لِلشغب. وإلى جوارها، كان أُناسٌ يعلكون خُبزاً أو يرتشفون شاياً اصطحبوه معهم… كان كُل شيءٍ على حاله كالسابق.
بيد أنه، وحينما فَعّل كلاين ‹رؤية الروح› خاصته في خفاء، لم تنبعث من هؤلاء الرُكاب أيٌّ من الهالات أو المشاعر المُقابلة!
‘إنهم يفتقرون لِلأجساد الأثيرية!’
‘إنهم يتحدثون، ويأكلون الخُبز، ويقرؤون الصُحف بوضوح، بيد أن أياً منهم لا تلوح عليه أي علاماتٍ للحياة!’
‘أهذا محض وهم، أم أنهم لَقُوا حتفهم بغتةً وما هم سِوى يتحركون بِدافعٍ من قُصور حيواتهم الذاتي؟’ جاهد كلاين لِلحفاظ على هدوئه وهو ينظر من النافذة فأبصر عرباتٍ ومُشاةً يمرون. لقد كان المشهد لا زال يُوحي بِفترة الظهيرة.
‘بيد أنهم يفتقرون لألوان الهالات أيضاً…’ وبينما كانت العربة تمضي قُدُماً بِبُطءٍ إلى حَدٍ ما، ازدادت ملامح كلاين جديةً، وقد استعصى عليه إدراك كُنْه ما جرى لتوّه.
طأطأ رأسه وتفحص نفسه. فأبصر بريقاً روحانياً جلياً يُباين تماماً أولئك القابعين من حوله.
وفي تلك اللحظة، تناهى إلى مسمعه بغتةً زئيرٌ غاضب. ولم يبدُ وكأنه ينبعث من حنجرةٍ بشرية!
ذكر الله بين السطور يخفف تعب اليوم.
رفع كلاين نظره فأبصر كلباً أسود ضخماً في الشارع.
وكانت أسنانه البيضاء الحادة مُلطخةً بآثارٍ من دماءٍ وصدأ. لقد كان هو الكلب الشيطاني العملاق الذي اقترف تلك الجرائم الشنيعة!
طَفِق الكلب الأسود يتضخم بُسرعةٍ لِيستحيل إلى شيطانٍ فارع الطول. وبَرَزت على ظهره أجنحةٌ كأجنحة الخفافيش، ونمت من رأسه قُرون ماعزٍ تكسوها أنماطٌ غامضة. ورفع بصره نحو السماء وصرخ بِلُغة الشياطين: «فَسَاد!»
وما إن فتح فمه تقريباً، حتى تيقن كلاين من أنه كان كِياناً حقيقياً، إذ كان يحوز على ألوان هالةٍ ومشاعر بينما كانت تنبعث منه بريقاتٌ روحانيةٌ قوية!
وإثر عواء الكلب الشيطاني العملاق، انفجر بضعةُ مُشاةٍ وهميين واستحالوا إلى ضبابٍ أسود ملأ الأرجاء، ليحجب عنه الرؤية.
بيد أنه، تسنى لِكلاين أن يُبصر بضبابيةٍ أن ثمة عدداً لا بأس به من «الأشخاص الحقيقيين» ذوي ألوان هالةٍ يُحلّقون في الهواء ويُحيطون به. وكانوا يستخدمون قُوى مُتجاوزين تنبعث منها بريقاتٌ روحانية.
‘ما الخطب؟ الأشخاص العاديون هُم محض وهم، بيد أن المُتجاوزين حقيقيون… أَهَلِ عثر ‹صقور الليل› و‹المُعاقبون المُفوّضون› على الكلب الشيطاني واستعانوا بِغرضٍ مختومٍ لِمنشئ بيئة قتالٍ لا تُعكر صفو الواقع؟ وذلك الغرض المختوم لا يستهدف سِوى المُتجاوزين، ولا يُؤثر على الأشخاص العاديين البتة؟ ولذا، وبصفتي مُجرد عابر سبيل، سُحبتُ إلى الداخل بِفعل سوء طالعي؟’ تسابقت الأفكار في عقل كلاين وهو يُخمّن بِصورةٍ تقريبيةٍ ما ألمّ به.
‘يا لها من فاجعةٍ مُثيرةٍ للسُخرية…’ وبينما كان يتنهد بتأثر، طَرَق مسمعه بغتةً صرخةٌ تقصم الظهور، وصرخةٌ تُدمي القلب، وصيحةٌ مُدوية.
وانقشع الغاز الأسود الذي كان يحجب رؤيته بغتةً، وهوى الكلب الشيطاني العملاق بقوةٍ على الأرض. وشُطِر جسده إلى نصفين، وتجمّع كُل الضوء المُنتشر في الهواء ليستقر على شيءٍ ما، لِيبدو وكأنه قمرٌ طاهرٌ ونقيٌّ يُضيء الأجواء العاتمة.
وأطلق الكلب الشيطاني العملاق زئيراً عنيداً مُجدداً، وانفجر جسده بغتةً. ومُتخذاً من روحه ولحمه وقوداً، أضرم نيراناً زرقاء وحمراء حلّقت صَوْب السماء.
غير أن النيران فقدت كُل بريقها ما إن بلغت مُنتصف الهواء، إذ ابتلعها ذلك الغرض الساطع والمُتألق الذي يُشبه القمر.
وتلاشى الكلب الشيطاني العملاق دون أن يُخلّف أي أثر، ولَقِي حتفه بِبساطةٍ وتَمام، ولم يتبقَّ منه حتى ذرة غُبار.
‘يا لَها من قوةٍ جبارة…’ وبينما كان كلاين يتنهد، طرأ على ذهنه أمرٌ بغتةً. ‘هل سيُدرك أولئك المُتجاوزون الرسميون أنني—مُتجاوزٌ بريٌّ آخر—أجلس في العربة، مُبايناً لِسائر الأشخاص الوهميين القابعين في الجوار؟’
انقبض قلبه واقشعرّ بدنه. فاستل تمثالاً ورقياً، وبِنفضةٍ منه، حوّله إلى نُسخةٍ مُطابقةٍ له، نُسخةٍ تفتقر لِأي ألوان هالةٍ أو مشاعر.
أما هو، وبِمُعاونة تعويذة الاستبدال، فقد توارى في «ظِلّ» التمثال الورقي.
وفي هذه اللحظة، تناهى إلى مسمع كلاين شَخِيرٌ خفيفٌ (صوت استنكار) من الجانب الآخر من الشارع.
لقد كان الشخير يفيض بالغضب والسخط بِشكلٍ جليّ.
‘من تُرى يكون؟ لا يبدو وكأنه صوتٌ قد يصدر عن مُتجاوزٍ رسمي…’ تملّكت الحيرة كلاين، بيد أنه لم يجرؤ على إبطال نُسخته المُزدوجة وإخراج رأسه لِيختلس النظر.
وإثر ذلك، جالت بضعة أزواجٍ من العيون عبر الحُشود، دون أن تتوقف ولو لِلحظة.
وحينما تبدد كُل هذا، أبصر كلاين الفراغ المُحيط به وهو يتصدع ويتهشم كالزجاج.
ثُم غمره شعورٌ بالواقعية، وأيقن أنه قد عاد أدراجه إلى عالم الواقع.
وعقب إزالة نُسخته المُزدوجة، أسند ظهره إلى مقعده. وكان الرُكاب في العربة مُنهمكين في أفعالهم—يقرؤون الصُحف، ويعلكون الخُبز، ويُوبخون الأطفال. لم يطرأ أي تغييرٍ عما كان عليه الوضع سلفاً.
بيد أنه، وفي مجال رؤية كلاين، كانوا قد استردوا هالاتهم وألوان مشاعرهم.
وعلاوةً على ذلك، ومُقارنةً بِما كان عليه الحال آنفاً، فقد قطعت العربة التي تسير على سِكَكٍ مسافةً لا بأس بها إلى الأمام بِشكلٍ جليّ.
‘يبدو أنه في بيئة القتال الاستثنائية تِلك، يتزامن الزمان والمكان مع الواقع. فلو طال أمد تِلك المعركة، لَكانت العربة قد جاوزت نِطاق التأثير، تاركةً إياي وحيداً هُناك. وحيداً هُناك… لَكان ذلك بمثابة افتضاحٍ جليٍّ لِأمري… من حُسن الطالع أن باكلاند هي عاصمة العواصم وأرض الآمال. فهُناك مُتجاوزون من مُتسلسلاتٍ عُليا من الكنائس الثلاث الكُبرى يقطنون هُنا…’ فكّر كلاين وقد استبد به شعورٌ بخوفٍ عالق.
لقد خال في بادئ الأمر أنه حتى وإن أفلحوا في تحديد الهدف، فإن الأمر سيستغرق أياماً عِدّةً من ‹صقور الليل›، و‹المُعاقبين المُفوّضين›، والآخرين لِلعثور على الكلب الشيطاني الأسود. وعلاوةً على ذلك، كان ذلك مُرتبطاً بِبقاء الكلب في باكلاند. لقد كان ذلك أمراً مُؤكداً، لأن مُغادرة باكلاند كانت لِتعني الخُروج من نِطاق الطقس، مما سيُفضي إلى إخفاق ارتقائه. وبالنسبة لِـ ‹الشيطان›، فإن التأثير السلبي لِطقسٍ مُخفقٍ سيُرديه، وهو الذي يُكابد أساساً على شفا حفرةٍ من التعطش للدماء، لِيفقد السيطرة في التوّ واللحظة.
ومَن كان لِيظن أنه بعد انقضاء ليلةٍ ونصف يومٍ فحسب، سيُعثر على الكلب الشيطاني العملاق، ويُعدَم، ويُطهَّر!
‘مُرعب! هذه هي باكلاند… هذه هي القوة الحقيقية لِلكنائس الثلاث! مُتجاوزٌ من المتسلسلة السادسة أوشك على الارتقاء، لم يفعل سِوى أن فُضِح أمره وخلّف وراءه أدق الآثار. ورغم ذلك، سُرعان ما عُثِر عليه ولَقِي حتفه بِهذه السهولة… هذا ‹شيطانٌ› يقوى على استشعار الخطر سلفاً! وبناءً على ما يبدو، فإن غرضاً مختوماً ما يُعيق هذه السِمة بِصُورةٍ مثالية… يتعين عليّ توخي المزيد من الحذر مُستقبلاً!’ استشعر كلاين أنه قد تَلَقّن درساً بالغ القسوة.
وفي هذه اللحظة، تذكّر الشخير (الاستنكار) الغريب الذي طَرَق مسمعه آنفاً.
‘أكان رفيقاً لِذلك الكلب الشيطاني العملاق؟ سيده؟ ولَم يُفتضح أمره في واقع الأمر. لربما كان الانفجار الأخير للكلب الشيطاني العملاق من تدبيره في الخفاء… وبطبيعة الحال، من المُحتمل أيضاً أن يكون عُضواً في مُنظمةٍ سريةٍ ما لا ترتضي بأفعال المُتجاوزين الرسميين…’ وجّه كلاين نظره بغتةً نحو النافذة في الجانب المُقابل من العربة. ولم يُبصر سِوى أُناسٍ يمرون بِهيئةٍ عادية. كانوا يتدثرون إما بِمَعاطفٍ من التويد (نسيج صوفي)، أو يعتمرون قُبعاتٍ نِصف عالية، أو يرتدون تنانير طويلةً زاهية. ولم يسعه الجزم بِما إذا كان ثمة ما يُثير الريبة بشأنهم.

تعليقات الفصل