الفصل 344 : إنفاقٌ بسخاء
في ميدان الرماية القابع تحت الأرض في نادي كويلاغ.
وعقب الفراغ من رمايته، انكبّ كلاين على تنظيف مُسدسه المجاني وصيانته بِعنايةٍ فائقة، ثم ضبط نسبة رصاصات التطهير، ورصاصات صيد الشياطين، ورصاصات طرد الأرواح الشريرة لِتكون 3:1:1.
فيووو. زفر أنفاسه، وأودع المُسدس في جِرابه، ورتّب معطفه، ثُم تبختر عائداً بِبُطءٍ إلى القاعة في الطابق الأول.
لقد طَرَق مسمعه بالفعل من أحد الخدم أن الطبق الذي تتوفر منه كميةٌ محدودةٌ اليوم هو سمك عظم التنين المقليّ.
وما إن ولج كافتيريا البوفيه، حتى وقع بصره على وجهٍ مألوف، تاليم دومونت، مُعلم الفُروسية المُنحدر من عائلةٍ أريستقراطيةٍ ساقطةٍ وذو خُصلات الشعر البُنية المُجعّدة. كان يتناول غداءه وعيناه زائغتان تفتقران لِلتركيز.
حمل كلاين طبقه وتوجه نحوه، وجلس، وبادره بالتحية.
أدار تاليم رأسه واختلس إليه نظرة. وارتعش ثغره بضع مرات، وعقب انقضاء ثلاث أو أربع ثوانٍ من الصمت المُطبق، فتح فمه أخيراً وتمتم: «شيرلوك، هل تعرف—هل تعرف أُناساً نادرين يحوزون على قُدراتٍ غريبةٍ ويتمتعون بِبأسٍ شديد؟»
‘أجل، الذي يجلس قُبالتك هو أحدهم…’ ارتعش حاجب كلاين. ولم يُجب بِصورةٍ مُباشرة.
«ما الذي تبتغي الإقدام عليه؟»
فتح تاليم فمه بيد أنه لم ينبس بِبنت شفة.
وبِملامح يكسوها الوقار، استغرق في التفكير لِبرهةٍ قبل أن يتكلّف ابتسامةً ويقول: «لا شيء. جُلّ ما في الأمر أن الفضول قد ساورني.»
‘لقد سألني في المرة السالفة عما ينبغي للمرء فعله إن وقع في غرام شخصٍ لا ينبغي له ذلك، وهذه المرة، يسألني عما إذا كنتُ أعرف أحداً يحوز على قُدراتٍ غريبة… أَهَلِ يبتغي التخلص من الطرف الآخر وقطع دابر أوهام صديقه بالكلية؟ مَن ذا الذي يستحق المُخاطرة بِكل هذا؟ إن استئجار قاتلٍ مأجورٍ لَهُوَ جُرمٌ يُعادل القتل العمد!’ تمتم كلاين في قرارة نفسه بصمت، وقطع قطعةً من السمك خاليةً من أي عظامٍ دقيقة، ووضعها في فمه.
استنشق تاليم نفساً عميقاً، وأجهز على طعامه بِسُرعة، ومسح فمه بِمنديل المائدة.
وبدا وكأنه قد استعاد طبيعته وهو يقول مُبتسماً: «يبتغي مايك استئجارك لِبضعة أيامٍ لِتكون حارسه الشخصي.»
‘مايك جوزيف؟ المُراسل الصحفي لِصحيفة ديلي أوبزرفر؟ أذكر أن أداءه في نادي ‹الوردة الذهبية› كان مُبهراً إلى حدٍ ما…’ ضحك كلاين بِخفوت.
«وما الذي يعتزم مايك الإقدام عليه الآن؟»
بَسَط تاليم يديه وقال: «لستُ على يقين. لقد أتى على ذكر هذا الأمر بِصورةٍ عابرة. ويبدو أنه يَمُتّ بِصِلةٍ لِمُقابلةٍ صحفيةٍ ما. وأخبرني أنه سيقصدك في الغد. يحدوني الأمل في أن يتسع وقتك لِقبول هذه المُهمة.»
«لا يسعني الجزم بِذلك.» ولمّا كان كلاين يجهل التفاصيل الدقيقة، فقد آثر ألا يمنحه إجابةً قاطعة.
وفي تِلك اللحظة، طَرَق مسمعه سلسلةٌ من الابتهالات الوهمية لِامرأة.
‘الآنسة ‹ساحر›؟ أَهَلِ تأهّبت لِتقديم المال كقربانٍ مُقابل الوصفة؟’ حَثّ كلاين من سُرعته وأجهز على ما تبقى من طعامه. ثُم عبّ الشاي الأسود عبّاً وتوجه إلى مَكتب الاستقبال لِيطلب من الخادم أن يفتح له إحدى غُرف الاستراحة.
وعقب إيصاد الغرفة بِجدارٍ من الروحانية، صعد إلى ما فوق الضباب الرمادي وتيقّن من صواب حدسه. لقد كانت الآنسة ‹ساحر› تلتمس إقامة طقس القربان.
وكان السّر وراء تأخرها هو أنها لم تكن تملك سِوى 370 جنيهاً في حوزتها، وكان لِزاماً عليها التوجه إلى البنك لِسحب شطرٍ من مُدخراتها.
وعقب سلسلةٍ من الإجراءات، أبصرت فورس الـ 450 جنيهاً وهي تتلاشى في جوف الباب الوهمي، وانجلت في مُخيّلتها وصفةٌ إضافية:
«المُتسلسلة الثامنة. ‹سيد الحيل›.
«المُكوّنات الأساسية: الكيس المَعِدي لِـ ‹آكل الأرواح›، 20 مليلترٍ من دماء ‹أسماك مارلين أعماق البحار›.
«المُكوّنات التكميلية: 5 مليلتراتٍ من الزُيوت العطرية المُستخلصة من شجرة النير، 10 غراماتٍ من مسحوق عُشبة الخيط، زهرة كستناءٍ حمراء مُتفتحة، 80 مليلترٍ من الماء النقي.»
‘أخيراً، لقد ظفرتُ بها أخيراً! لقد انقضت سنواتٌ طوال!’ لم تتمالك فورس نفسها من ذرع الغرفة جيئةً وذهاباً، وقد غمرها سُرورٌ وزهوٌ بالغان.
ثُم، ولِئَلا يُساورها القلق، استلّت قلماً وورقة، ودوّنت الوصفة لِكي لا تغيب عن بالها وتُضطر لِإزعاج السيد ‹الأحمق› مُجدداً.
‘إن لم يُحالفني الحظ بِمُصادفة شخصٍ يجهل أسعار السوق، فإن المُكوّن الأساسي سيُكلّفني 300 جنيهٍ على أقل تقدير، ولم يتبقَّ في حوزتي سِوى 430 جنيهاً… لا زال يتعين عليّ العمل بِكدٍ لِجني المزيد من المال… سـ-سأشرع في كتابة روايةٍ جديدة!’ شعرت فورس بغتةً بأنها تفيض بالحماس والدافعية. ولم تَعُد تِلك الفتاة التي تماطل وتُسوّف كما كانت في سالف الأيام.
…
في الثامنة إلا خمس دقائق من مساء يوم الأربعاء، وبِصحبته كُل مُدخراته، ولج كلاين إلى المنزل الذي يحتضن التجمع الذي يُنظمه ‹عين الحكمة›.
كان يتدثر بِرداءٍ أسود، وقد أسدل القُلنسوة على وجهه، واعتمر قِناعاً حديدياً.
‘1,674 جنيهاً نقداً و5 عُملاتٍ ذهبية. هذا هو ذروة ما بلغته ثروتي. لست أدري كم سيتبقى منها عقب هذا التجمع…’ دَلَف كلاين إلى غُرفة الجلوس وجال بِبصره في الأرجاء مُستعيناً بِضوء الشموع المُرتعش.
‘إيه، ‹العطّار› لم يَحْضُر. أَهَلِ شَغَلَهُ خَطْبٌ ما؟’ قطّب كلاين جبينه قليلاً واتخذ له مَجلِساً في ذات الموضع الذي جلس فيه في المرة السالفة.
وبعد انقضاء بضع دقائق، صفّق ‹عين الحكمة› بيديه وقال: «فَلْنبدأ.»
وقبل أن يُتِمّ جُملته، سارع أحدهم بالحديث بِنفاد صبر. لقد كانت تِلك السيدة المُتخفية بِبراعةٍ والتي بدا أن ‹حِرفيّاً› ما يسندها.
كَبَحت صوتها وسألت: «أَهَلِ الصديق الذي ابتغى بيع وصفة ‹الراشي› في المرة السالفة حاضرٌ اليوم؟»
«أنا هُنا،» أجاب كلاين بِبساطة.
زفرت السيدة تنهيدة ارتياح، ورفعت قِناعها الحديدي قليلاً وقالت: «هذه المرة، أحوز على سلاح مُتجاوزين تنشده. وبطبيعة الحال، يسعك أيضاً اختيار المال النقدي.»
«وما هو سلاح المُتجاوزين؟» كبح كلاين التوق الذي اعتمل في قلبه.
رتّبت السيدة أفكارها وقالت: «إنه سياطٌ مُنسوجٌ من ريش طائر الشمس المُقدس.
إذا ظهرت لك هذه الرسالة وأنت خارج مـركـز الـروايـات، فأنت في موقع \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\”لصوص المحتوى\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\”. markazriwayat.com
«يسعك في العادة أن تُخفيه كحِزام.
«وحينما تستخدمه، سيكتسي بِألسنةٍ من نيران النور المُقدسة. وأي وحوشٍ من الموتى الأحياء يلفحها السوط ستُكابد ضرراً جسيماً، بل وستُباد الوحوش الأضعف منها في التوّ واللحظة.
«كما يسعك نقعه في السوائل لِتحضير ‹ماء الشمس المُقدس›. بيد أن ذلك سيُقلّص من ديمومة روحانيته. فكُل استخدامٍ لِهذا الغرض سيُنقص من ديمومته بِقَدْر شهرٍ كامل.
«وفي الوقت الراهن، لا زال يحظى بِثلاثة عشر شهراً من الديمومة الفعالة.
«إن راق لك الأمر، فيسعك مُقايضته بِوصفة ‹الراشي› دون الحاجة لِدفع أي مبالغ نقديةٍ إضافية.»
‘طائر الشمس المُقدس؟ إنه ليس طائر الشمس السامي. فلو كان ريش الأخير، لَوافقتُ على الفور! وبطبيعة الحال، فإن ريش الذيل فحسب هو ما يفي بالغرض. إذ يسعني استخدامه لِتحضير جُرعة ‹عديم الظل› للمُتسلسلة الرابعة…’ كان كلاين راضياً تمام الرضا عن السلاح في حَدّ ذاته، بيد أن المُعضلة تكمن في أن ديمومته لن تتجاوز الثلاثة عشر شهراً. وكُلما أعدّ ‹ماء الشمس المُقدس›، ستتقلص الديمومة بِشهر. وبِمُرور الوقت، سيتعين عليه أن يُعوّضه بِغرضٍ مُشابه.
ومع وضع هذا في الحُسبان، أدار وجهه لِيرمق مقعد الشرف.
«أيها السيد ‹عين الحكمة›، هل يسعك أن تسرد لي، بِالتفصيل، وصفاً لِلبُروش (المشبك) الذي أشرت إليه في المرة السالفة؟
«أُوه، خُطّه على ورقةٍ ودوّن السعر الذي يرضيك.»
لقد ساوره القلق من أن يسترعي البُروش اهتمام الآخرين مما قد يُفضي إلى رفع سعره، لذا عقد العزم في اللحظة الأخيرة على الطلب من ‹عين الحكمة› أن يُدوّنه له.
«لا ضير في ذلك.» ضحك ‹عين الحكمة› وطلب من أحد الخدم أن يُحضر له قلماً وورقة.
وبينما كان يخطّ كلماته، واصل أعضاء التجمع صفقاتهم. بل وإن بعضهم قد سال لُعابه واستفسر عن سعر السوط، بيد أنهم لم يتلقوا سِوى طلبٍ لِلتريث.
وبعد بُرهة، فرغ ‹عين الحكمة› من تدوين الوصف وناوله لِكلاين عبر الخادم.
وحينما بَسَطها كلاين، ألفى أن الكلمات قد خُطّت بِحُروفٍ مَطبعية، مما حال بينه وبين مُلاحظة أي أمرٍ مُميزٍ فيها.
‘في غاية الحذر…’ شرع في القراءة بِتمعّن:
«‹بُروش الشمس›. ويُدعى أيضاً بِـ ‹مُنتصف الصيف›، ويُصنّف كغرضٍ مختومٍ من الدرجة الثانية أضعف نسبياً.
«وبِاتخاذه مركزاً، فإنه سيغمر نِطاقاً يبلغ نصف قطره عشرة أمتارٍ بِطاقةٍ نقيةٍ ودافئة. ولن يقوى الأشخاص العاديون على استشعارها، بيد أن الأرواح الغاضبة ووحوش الموتى الأحياء ستُكابد ضرراً مُتواصلاً، وسُرعان ما ستـ ‹تتبخر› كبُركة ماءٍ تحت وطأة كُرةٍ ناريةٍ مُلتهبة. وحتى الأرواح الغاضبة والأطياف ستُلاقي ذات المَصير، وإن كان ذلك سيستغرق وقتاً أطول قليلاً.
«وفي بيئةٍ كهذه، فإن قوة مخلوقات الموتى الأحياء ذات البأس الشديد ستُوهن بِشكلٍ ملحوظ.
«وسيكون من العسير جداً على مُرتديه أن يتعرض لِلمسّ أو أن يطاله الفساد من قِبل الأرواح الشريرة أو الوحوش. ويُتيح لِمُرتديه استخدام تعاويذ كـ ‹استدعاء النور المُقدس›، و‹منشئ الماء المُقدس›، و‹نيران النور›، و‹شَطْر التطهير›، و‹المناعة ضد الرُعب›، و‹القَسَم المُقدس›، و‹هالة الشمس›.
«أما التأثير السلبي فيكمن في أنه، وما دُمت تحمله، فلن يطرق الشعور بالبرودة بابك قط. وستُكابد دوماً حرارةً لا تُطاق. أيها الشاب، إياك وأن تستخف بِهذه الحالة. فالحرارة والضيق اللذان سيعتريانك سيدفعانك ببطءٍ نحو شفا حُفرة فُقدان السيطرة.
«ولن أبيعه بِأقل من 2000 جنيه.
«وإياك والمُساومة. فكما تعلم، أنا لا أُعاني من ضائقةٍ ماليةٍ خانقة، وأنا جامع تُحفٍ وأغراضٍ نادرة.»
‘إنه أشد بأساً مما كُنت أتصور. لقد كان ‹عين الحكمة› غامضاً جداً في المرة السالفة…’ خفق قلب كلاين. وعقب بضع ثوانٍ من التفكير، رمق المرأة التي يسندها ‹الحِرفي›.
«900 جنيهٍ نقداً.»
فمتوسط سعر وصفة جُرعة المُتسلسلة السابعة كان يُقارب الـ 800 جنيه.
«اتفقنا!» أجابت السيدة دون أدنى تردد.
‘… لو كُنت أُدرك ذلك، لَعرضتُ 1000 جنيه…’ تكلّف كلاين ابتسامة.
لقد كان رجلاً يفي بِوعوده، ودون أن ينكُث بِعرضه، قايض الوصفة التي أعدّها سلفاً بِـ 900 جنيهٍ نقداً. وفي لمح البصر، حلّقت ثروته لِتبلغ 2,574 جنيهاً. لقد كان هذا مَبلغاً كفيلاً بِضمان حياةٍ رغيدةٍ لِرجلٍ أعزبٍ لِما تبقى من عُمره.
وعقب تقييم ‹عين الحكمة›، طالعت السيدة الوصفة مُجدداً في رضاٍ تام.
«المُتسلسلة السابعة: ‹الراشي›.
«المُكوّنات الأساسية: زهرة الرضيع الباكي، بلورة قُنبٍ (حشيش) غريبة الأوجه.
«المُكوّنات التكميلية: 5 قطراتٍ من عصير عُشبة جيمسون (الداتورة) الذهبية، 5 قطراتٍ من عصير عُشبة جيمسون السوداء، 4 قطراتٍ من الزيت العطري لِعُشبة الخيال، 80 مليلترٍ من النبيذ الأحمر.»
وعقب إتمام الصفقة، استنشق كلاين نفساً عميقاً، ورمق ‹عين الحكمة›، وقال بِوقار: «2000 جنيه. أبتغي الظفر بِـ ‹بُروش الشمس› ذلك.»
ضحك ‹عين الحكمة› بِخفوتٍ وقال: «لِلحق أقول، لا ترغب نفسي في بيعه حقاً، بيد أنه ولِمَا كُنت أحوز على 081-2، فإن ‹بُروش الشمس› لم يَعُد ضَرورةً مُلحةً بالنسبة لي. وعلاوةً على ذلك، لقد سبق وأن أعلنتُ عن سعره، والنُكث بالعُهود ليس من شِيَمي.
«أمهلني ثلاث دقائق. وسأُحضر لك ‹بُروش الشمس›.»
«حسناً،» أجاب كلاين، وقد خالجه مزيجٌ من الترقب والغُصّة على فُقدان المال.
وعند هذا الحد، صَوّب المُتجاوزون الحاضرون في غُرفة النشاط أنظارهم نحوه. فصفقةٌ بِقيمة 2,000 جنيهٍ نادراً ما تبرز في مثل هذا المُستوى من التجمعات العادية، لربما لا تتكرر حتى مرةً في العام أو العامين.
استشعر كلاين نظرات الطمع والجشع التي كانت تفيض بها عُيونهم.
وعقب صمتٍ وجيز، استُؤنفت الصفقات حتى عاد ‹عين الحكمة› أدراجه. وعلى راحة يده المبسوطة، استقر بُروشٌ ذهبيٌّ داكنٌ اتخذ هيئة طائر شمس.
لقد كان جلياً أن ‹عين الحكمة› كان يتصبب عرقاً.

تعليقات الفصل