الفصل 420 : عائلةُ الشياطين
حي ويست بورو، شارع إدوارد رقم 6.
ضغط إيكانسر برنارد على قُبعته السوداء، وأشار إلى الباب القابع خلف النافورة، وقال لِكلاين، وآيزنغارد، وكاسلانا: «لقد أجرينا تحقيقاً عكسياً عَبْر شتى قنوات المعلومات لِتقصي أي تسريباتٍ لِأخبارٍ أو معلومات. وبِاقتران ذلك مع الملامح التقريبية لِمظهره الجانبي، فضلاً—فضلاً عن التماس العون من المرآة السحرية، أفلحنا في تحديد مُشتبهٍ بهٍ مبدئي.»
‘لقد كان توقفك لِبرهةٍ حينما أتيت على ذِكر المرآة السحرية جلياً للغاية. لستُ أدري ما هو الثمن الذي كابدته لِلظفر بالإجابة التي تنشدها…’ استشعر كلاين المُعضلة الكامنة في نبرة إيكانسر، وساوره شعورٌ غامضٌ بالشفقة تُجاهه.
«أهو مالك هذا المنزل؟» ردّت كاسلانا بِسؤالٍ في المُقابل، وبدت نبرتها تفيض باليقين.
جال آيزنغارد ستانتون بِبصره في الأرجاء وقال في تفكّر: «لقد آثرتم إبلاغنا مُباشرةً لِأنكم عثرتم على دليلٍ آخر؟»
«أجل، إن اللوحة الشخصية لِمالك المنزل تُبرهن على شطرٍ من ذلك. هِه، إنه يعزف عن التقاط أي صُورٍ فوتوغرافية،» أجاب إيكانسر بِصراحة. «وعلاوةً على ذلك، فقد سبق لِلقاطنين في الجوار أن أبصروا كلباً أسوداً ضخماً في الحي لِمراتٍ عِدّةٍ في الماضي.»
«هذا كفيلٌ بالبُرهان على أن المُشتبه به هو ‹رَسُول الشّهوات› ذلك بِشكلٍ أساسي.» وعقب تفوهه بِهذه الكلمات، لم يتمالك آيزنغارد نفسه من الضحك. «أنا أعتذر، لقد كُنا في غاية اللهفة ولم نمنحك الفُرصة لِتقديم المُشتبه به.»
وبينما كان يطوف حول النافورة ويتجه صوب الباب الأمامي لِلمنزل، سارع إيكانسر بالقول: «مالك هذا المنزل هو باتريك جيسون، المُساهم الأكبر في بنكٍ صغير. وبِناءً على وصف جيرانه، فهو رجلٌ في مُنتصف العُمر يتسم بالمرح، والحماس، والتفاؤل، وقد آثر البقاء أعزباً، بيد أنه يُشاع أنه يتخذ عِدّة عشيقات.
«وفي ظل هذا المُستوى من الثراء، يُعدّ عدد الخَدَم الذين يستأجرهم ضئيلاً للغاية. وكُلما أقام مأدبةً أو حفلاً راقصاً، يُضطر لِاستئجار دُفعةٍ من الخَدَم المُؤقتين من جمعية مُعاونة خَدَم العائلات بالمدينة. وفي هذا الصدد، يتذرع بِأنه يُعاني من مُعضلة الأرق. وأن كثرة الخَدَم ستُعكر صفو السُكون الذي ينشده.»
«أُدرك جلياً أنه يطوي بين ضُلوعه أسراراً جَمّةً يتعين عليه إخفاؤها، ولِذا لا يجرؤ على استئجار حشدٍ غفيرٍ من الخَدَم،» قال آيزنغارد بِنبرةٍ تشوبها المُزاح.
قال كلاين، الذي لم يستأجر خادماً واحداً، بشيءٍ من الشعور بالذنب: «لربما يُعزى ذلك بِبساطةٍ إلى أن وضعه المالي ليس بِذلك الثراء الذي يظنه الآخرون.»
«أجل، هذا عاملٌ لا يسعنا استبعاده.» ارتقى آيزنغارد درجات الشُرفة وبَلَغ الباب الرئيسي.
رمق إيكانسر كلاين وقال وكأن الأُمور قد انجلت له: «أنت لا تستأجر خَدَماً وتكتفي بِخادمة مالكة عقارك لِتنظيف منزلكِ مُؤقتاً مرتين أُسبوعياً. أَهَلِ غايتك من ذلك هي إخفاء سِرّ أنك مُتجاوز؟»
‘من بين كُل أسراري، هذا هو أهونها شأناً…’ تكلّف كلاين ابتسامةً مريرةً مُتعمداً وقال: «أجل.»
وبينما كانوا يتحدثون، دفع إيكانسر الباب الأمامي لِينفتح، وانبعثت منه رائحةٌ كريهةٌ تعجز الكلمات عن وصفها.
«رائحة التعفن…» أصدر آيزنغارد حُكماً في لمح البصر.
استدعى إيكانسر أحد أعضاء فِرقة ‹عقل الآلات المُدبر›.
«كارلسون، أَهَلِ من اكتشافات؟»
كان المُتجاوز، كارلسون، يضع نظارةً سميكةً وترتسم على وجهه ملامح تُخالجها مشاعرٌ مُتضاربة.
«لقد عثرنا على حشدٍ غفيرٍ من الجُثث هُنا.
«في الإسمنت الكامن في القبو، وفي الجُدران السميكة، وفي البقاع التي تكسوها الأعشاب الضارة في الحديقة، عُثِر على جُثةٍ مخفيةٍ تلو الأُخرى. وأقدمها لربما يعود لِما يربو على العقد من الزمان، وأحدثها تعود لِلخَدَم الذين كانوا لا زالوا أحياءً يُرزقون قبل بضعة أيام.
«بعضها لم يتبقَّ منه سِوى عِظام، وبعضها الآخر طاله تعفنٌ طفيف. أيها الشمّاس، إن هذا المكان لَأشبه بِمُسلخٍ لِلبشر!»
وبينما كان يتحدث، طَفِق أعضاء ‹عقل الآلات المُدبر› وضُباط الشرطة المُنتقون بِعنايةٍ الذين يقتفون أثره في إخراج جُثةٍ تلو الأُخرى.
كانت بعض الجُثث مُقطعة الأوصال. وتناثرت ألسنة، وأصابع، وأكياس مَعِدية، وعُيون، وما إلى ذلك، في فوضى عارمة. وبعض الجُثث لم تكن سِوى عِظامٍ بالية.
«يبدو أن طلاسم العديد من قضايا الاختفاء في باكلاند ستُفكّ بفضل هذا.» قرص آيزنغارد أنفه وتنهّد.
وحينما وقع بصر كلاين على أمعاءٍ كادت أن تُسحب على الأرض، زفر أنفاسه وأدار رأسه لِيجول بِبصره في أرجاء المنزل.
وتمتم عُضو ‹عقل الآلات المُدبر›، كارلسون، مُجدداً: «لقد كان جيسون يُغدق على خَدَمه أُجوراً باهظةً ويمنحهم عُطلاتٍ جَمّة. وكان الخَدَم القاطنون في الجوار يحسدونهم أشد الحسد… بل إن طاهي جيسون قد وعد طفله بِأنه سيكون في المنزل هذا الأُسبوع لِيصطحبه إلى السيرك لِمُشاهدة عرض…»
«شيطانٌ حقاً…» اكتست ملامح كاسلانا بِشيءٍ من الاضطراب.
جال كلاين بِبصره في الأرجاء، وكبح مشاعره وسأل بِوقار: «لِمَ أثاث المنزل بِهذه البساطة والبدائية؟
«وبِصفته مصرفياً، وحتى إن لم يكن البنك الذي يملكه ضخماً، كان لِزاماً على جيسون أن يحوز على خزفٍ باهظ الثمن، ولوحاتٍ فنيةٍ رائعة، وساعات حائطٍ فخمة، وصُنوفٍ شتى من الأغراض المَصنوعة من الحرير الفاخر. فَلِمَ لا يسعنا رُؤية أيٍّ من ذلك هُنا؟ حسناً، إن خشب أثاثه لا زال لا بأس به.»
اختلس كارلسون نظرةً إلى الشمّاس إيكانسر، وعقب تلقيه إيماءةً بِالمُوافقة، قال: «من الجليّ أن جيسون قد خطط لِهذا الثأر مُنذ أمدٍ بعيد. لقد باع الأغراض النفيسة بيد أنها غير مُلفتةٍ للانتباه في المنزل، بل ووافق حتى على عرض بنك فارفات لِشراء عَقَاره.
«وعقب إجهازه على خَدَمه، حَثّ من وتيرة تسييل مُمتلكاته وباع اللوحات الزيتية وسائر الأغراض. لقد بدا على يقينٍ تامٍ بِأنه سيُعثر عليه لا محالة، ولم يُراوده أي أملٍ في النجاة بِحُسن طالعه.
«وقُبيل إقدامه على خطوته، لم يتبقَّ له سِوى منزله، وأثاثه، وهُوِيّته. ولستُ أدري إلى أين نقل كَمياتٍ هائلةً من الأموال النقدية، والمعادن النفيسة، والمُجوهرات.»
بعض المواقف قد تكون مبالغًا فيها لخدمة الإثارة السردية.
وعقب إصغائه لِوصف كارلسون، تواردت بضع صفاتٍ في ذهن كلاين بغتةً: ‘هادئ، وعقلاني، ومجنون!’
«شيطانٌ حقاً،» قيّم آيزنغارد الأمر قبل أن يُشارك استنباطاته. «إنه يتمتع بِصفاءٍ ذهنيٍّ وهُدوءٍ في أفعاله، بيد أنه يحوز على نزعةٍ مجنونةٍ عارمةٍ وروحِ مُغامرة، وهُما سِمتان برزتا بِجلاءٍ في الفِعلتين السالفتين.»
«ولِذا، يتعين علينا أن نتوخى الحذر من إقدامه على المُخاطرة؟» استوعب كلاين جوهر كلمات المُحقق ستانتون.
«أجل.» أومأ آيزنغارد برأسه بِوقار.
وإثر ذلك، فتّش المُحققون القلائل المنزل وعثروا على أدلةٍ جَمّةٍ تُبرهن على أن باتريك جيسون كان محط ريبة. كما أبصروا اللوحة الشخصية المُعلقة في غُرفة النشاط.
لقد صوّرت رجلاً في مُنتصف العُمر ذي عظام وجنتين بارزة، وعينين زرقاوين تشوبهما مِسحةٌ من الرمادي، وملامح وجهٍ عادية، وشعرٍ مُسرحٍ بِعناية. ولم يكن فيه أي سِماتٍ استثنائية.
وفي تِلك اللحظة، دَلَف إيكانسر وقال لِكلاين والآخرين: «لقد عثرنا على بعض الأغراض في غُرفةٍ سريةٍ تُؤكد أن جيسون باتريك قد سعى لِاستدعاء شيطانٍ أشد بأساً، بيد أنه، ولِسببٍ ما، أخفق في مسعاه. وتِلك الأغراض قد أكدت هُوِيّته. إنه فردٌ من عائلة شياطينٍ تُعرف بِاسم بيريا، ولِذا فإن اسمه الحقيقي يُفترض أن يكون جيسون بيريا.»
‘عائلة بيريا؟’ أومأ كلاين برأسه، دون أن يتفاجأ.
«في الحقبة الرابعة العتيقة، شكّل الفصيل البشري الذي كان يعبد الشياطين تحالفاً مُتفرقاً يُعرف بِـ ‹طائفة تقديس الدم›. وكانت هذه المُنظمة تعجّ بانقساماتٍ داخليةٍ حادة. وكانت عائلات الشياطين الثلاث الكُبرى، نويس، وأنداريل، وبيريا، تُمثّل توازناً ثُلاثياً لِلقوى. وقد حظي أسلافهم ذات يومٍ بِهِبةٍ من ‹الهاوية›، وهُم يدينون بالولاء لحاكم شريرٍ يُدعى ‹الجانب المُظلم من الكون›. وهُم يُؤمنون بِأن ‹هُو› حاكم ‹الهاوية› وأنه ‹هُو› مُدمر العالم الذي سيلوث ويفسد كون عالم الواقع بِرُمته،» هكذا قَدّم آيزنغارد الأمر لِلمُتجاوزين المُستقلين، كاسلانا وكلاين.
هزّ إيكانسر رأسه وأضاف: «إن لم تؤول مُنظمةٌ تُعاني من انقساماتٍ عميقةٍ إلى التفكك في نهاية المطاف، فإن الاندماج والتوحيد سيغدوان مآلاً حتمياً. وتُشير شتى المواقف والشائعات إلى أن عائلتيّ بيريا وأنداريل قد طالهما الضعف تدريجياً مُنذ ألف عامٍ على أقل تقدير، لِدرجة أنهما باتتا تابعتين لِعائلة نويس في العُقود الأخيرة. حسناً، رمز عائلة بيريا هو مزيجٌ تجريديٌّ لِنجمةٍ خُماسيةٍ وقُرون ماعز.»
‘مَهما يكُن من أمر، فإن عائلة بيريا لا زالت عائلةً بالغة القِدَم وذات جُذورٍ راسخة. لا غرو أن جيسون كان قادراً على تربية كلبٍ شيطاني. أواه، هذا ليس سِوى أحد الدوافع، والدافع الآخر هو أنه يمتلك بنكاً، حتى وإن لم يكن ضخماً… وفي الحقبة الثانية، كان الحاكم العتيق المُقابل لِـ ‹الجانب المُظلم من الكون› هو عاهل الشياطين، فارباوتي. أَهَلِ ثمة أي صِلةٍ بينهما؟’ تنهد كلاين وقد ساوره الفضول.
وعقب بحثٍ مُضنٍ، لم يسع المُحققين الثلاثة وأعضاء ‹عقل الآلات المُدبر› سِوى التيقن من أن جيسون باتريك كان هو ‹رَسُول الشّهوات›، بيد أنهم أخفقوا في العُثور على موقعه الراهن.
ومُتذرعاً بِالالتماس للعون من الآخرين، أخذ كلاين منديلاً كان جيسون قد استخدمه إبان طقس استدعاء الشيطان، مُعتزماً تحين فُرصةٍ لِإجراء عِرافةٍ فوق الضباب الرمادي. ففي نهاية المطاف، كان جيسون قد تعامل مع الأغراض التي غالباً ما كان يحتك بها.
وبعد فترةٍ وجيزة، دنا منهم إيكانسر وقال بملامح تكسوها الكآبة: «سيجلب ‹صقور الليل› ذلك الغرض المختوم إلى هُنا. وسنُبادر بالتحرك أولاً.»
«حسناً،» أجاب آيزنغارد وكاسلانا في آنٍ واحد.
أما كلاين، فقد كان قد رفع يديه وقدميه مُوافقاً في قرارة نفسه مُنذ أمد.
وعقب مُغادرتهم لِقصر جيسون، الذي كان يشغل مِساحةً شاسعة، التفت كلاين لِلوراء وطَفِقت ملامحه تكتسي بالعبوس تدريجياً.
وقال في شك: «أظن أن ثمة خطباً ما.»
«أيُّ خطب؟» سارعت كاسلانا بالسُؤال.
تروّى كلاين في حديثه وقال: «لقد باع البنك، وتجارته، وحشداً من الأغراض النفيسة سلفاً. وهذا يُشير ضمناً إلى أن جيسون مُتأهبٌ لِلتخلي عن هُوِيّته وحياته الراهنتين. وإن كان دافعه الأوحد هو الثأر لِلكلب الشيطاني، فهذا لا يكفي لِتبرير الإقدام على سلسلةٍ من الأفعال كهذه.»
«لربما كانت تربطه علاقةٌ وثيقةٌ جداً بالكلب الشيطاني؟ شيرلوك، لربما لا تُشاطرني الرأي، بيد أنني رأيتُ أُناساً يُعاملون حيواناتهم الأليفة كأفرادٍ من عائلاتهم،» عارضته كاسلانا.
قال آيزنغارد، الذي كان يقف إلى جوارهما، بِوقار: «كلا، شيرلوك مُحِقٌ تماماً.
«كاسلانا، أَتُدركين ما هو الاسم العتيق لِلمُتسلسلة الثامنة من مسار ‹الشيطان›؟»
ارتسمت ملامح التأمل على وجه كاسلانا. وبدا جلياً أن الأمر قد طَرَق مسمعها، بيد أنها لم تقوَ على استرجاعه في التوّ واللحظة.
وفي تِلك اللحظة، أجاب كلاين نيابةً عنها بِصوتٍ خفيض: «ذو الدم البارد.»
‘ذو الدم البارد…’ وبينما كانت تُقلّب الاسم في ذهنها، أدركت بغتةً السّر وراء قول المُحققين العظيمين، موريارتي وستانتون، لِذلك.
ولما أبصر كلاين ردة فعلها، أشار في اتجاهٍ آخر.
«فَلْننفصل ولنبدأ بقنوات معلوماتنا الخاصة.»
وعقب تلقيه رداً إيجابياً من آيزنغارد وكاسلانا، غادر في عجلةٍ من أمره. بيد أنه لم يُسرع صوب جنوب الجسر لِلبحث عن إملين وايت.
بل كان يبتغي التوجه إلى مركز شُرطة تشيساك لِاسترداد الخمسين جنيهاً التي دفعها ككفالة.
لقد ثبُت بالفعل أنه بريءٌ من أي شُبهة. وقد أدلى كُلٌّ من آيزنغارد ستانتون والمُتجاوزين الرسميين بِشهاداتهم المُقابلة.

تعليقات الفصل