الفصل 427 : خِيارُ العصر
تدفق النهر العَكِر في المجاري تحت الأجواء الغارقة في العتمة. فلو أن شخصاً عادياً ولج إلى هُنا، لَكان لِزاماً عليه اصطحاب فانوسٍ لِيتسنى له رُؤية تفاصيل الموقف بِجلاء.
بيد أنه، وبالنسبة لِـ كلاين، الذي كان في حالة جسده الروحي، لم يُشكّل هذا أي عائق. فقد كانت كافة الأرجاء المُحيطة به قد انعكست بِجلاءٍ في «عينيه» مُنذ أمد.
ولِذا، وحينما اكتشف ‹رَسُول الشّهوات› وُجوده، كان هو الآخر قد اكتشف ‹رَسُول الشّهوات›.
لم ينبس بِبنت شفة، ولم يتردد لِلحظة. بل فتح فمه وأطلق صرخةً لا صوت لها.
لقد كان هذا هُجوماً استهدف الروح مُباشرةً!
توقف ‹رَسُول الشّهوات› عن الحركة بغتةً، وكأن أحدهم قد سَدّد له ضربةً قاصمة.
وتساقطت كُتلٌ ضخمةٌ من مادةٍ سوداء تُشبه الظل من جسده، وكأنه ينفض عن نفسه نُدف الثلج التي تلوثت بِأعمق الرغبات دناءةً.
وفي تِلك اللحظة، كاد ‹رَسُول الشّهوات›، الذي كان مُثخناً بالجراح بالفعل، أن يفقد وعيه.
ودون دعم جسده المادي، بدا كشمعةٍ في خِضَمّ عاصفةٍ هوجاء، تترنح جيئةً وذهاباً، وتُوشك على الانطفاء في أية لحظة.
وتبدد ظله بغتةً، مُستحيلاً إلى سائلٍ حالك السواد تدفق في كُل حدبٍ وصوب، مما جعل من المُحال معرفة أي ظلٍ يتعين تعقبه.
وفي تِلك اللحظة، وثب ظلٌّ من غياهب الظلام خلف كلاين بغتةً، واندفع إلى الأمام في لمح البصر!
لم يكن السائل الأسود، الذي لم يَعُد لزجاً، سِوى أداةٍ استغلها ‹رَسُول الشّهوات› لِلتضليل وتيسير شنّ هُجومٍ مُباغتٍ على هدفه!
لم يُبدِ كلاين أي ردة فعلٍ تُذكر، تاركاً الظل ينقض عليه.
بيد أن ‹رَسُول الشّهوات› ارتجف بغتةً، وكأنه قد لامس أشد الأغراض بُرودةً وصقيعاً على الإطلاق.
وتباطأت حركة الظل بِسُرعة، وكأنه قد «تجمّد» وتصلّب.
لقد كان يُدرك جلياً أن الأطياف والظلال تُرافقها تأثيراتُ تجميد، بيد أنه لم يتوقع قَطّ أن يكون لِذلك الوغد المُعتمر لِتاج ‹الإمبراطور المظلم› مثل هذا التأثير على جسدٍ روحيٍّ مِثله.
لقد كان هذا تجسيداً لِلقمع المُطلق حينما يتعلق الأمر بالنظام الطبيعي لِحيواتهم!
كان كلاين قد توقّع مآلاً كهذا سلفاً. فاستدار نِصف استدارة، ومَدّ يده اليُمنى ووضعها على رأس الظل المُتصلب.
ثُم، لَمَع ‹بُروش طائر الشمس› الذهبي الداكن، الذي كان يتوارى خلف الدِرع الأسود، بِبريقٍ خافت.
استشعر ‹رَسُول الشّهوات› الخطر وأيقن أن هلاكه قاب قوسين أو أدنى. سعى لِلمُقاومة بيد أنه كان عاجزاً عن الإتيان بِأي حركةٍ مؤقتاً.
وانبثق شُعاعٌ من النور النقيّ والمُقدس من العدم واستقر على رأس الظل، مُطوقاً جسده بالكلية.
وأضاءت الأرجاء المُحيطة بغتةً بينما كان الظل الأسود يتلوى بِكل ما أُوتي من قُوةٍ بيد أنه لم يكفّ عن التبخر. وفي طرفة عين، غدا نحيلاً بِشكلٍ غير مألوف، وامتلأت روحانيته بِبهاء الشمس المُتوهجة وصرخات السخط.
لم يمنحه كلاين فُرصةً لِالتقاط أنفاسه، واستدعى نوراً مُقدساً نقيّاً وساطعاً آخر.
ودام شعور وضح النهار لِثانيتين قبل أن يهوي ‹رَسُول الشّهوات› على الأرض، فاقداً كُل علامات الحياة.
وظلّ جسده على هيئة ظله، نحيلاً وكأنه يفتقر لِأي كثافة.
هكذا، لَقِي خبير المُتسلسلة الخامسة، الذي كان قد اغتال دوقاً لتوّه، حتفه بِهذه البساطة. ولم يتسنّ له حتى الوقت لِلتفوه بِكلماته الأخيرة.
وفي الآن ذاته، أبصر كلاين روح الفقيد تُوشك على التبدد عقب ما كابدته من ضربات.
‘ستستغرق خاصية المُتجاوزين بعض الوقت لِتبرز… أيتعين عليّ أن أُحاكي الآنسة شارون بالاستحواذ على الظل وتسريع وتيرة الأمر… بيد أنني أجهل الكيفية…’ طَفِق كلاين يُقلّب في ذهنه خُطوته التالية.
وفجأة، شَعر بِالأرض ترتجف قليلاً.
ومُعوّلاً على حدسه الروحي، رمق البقعة التي كان قد مرّ بِها آنفاً بِنظرةٍ إلى الوراء.
كان دِرعٌ فضيٌّ ثقيلٌ وفارع الطول يندفع مُسرعاً نحو المكان. ومِن كَتِفه الأيسر، وُصولاً إلى الأسفل بِشكلٍ قُطريّ، كان مُلطخاً بِكميةٍ هائلةٍ من الدماء المُتخثرة.
‘الغرض المختوم 42-1…’ انقبض قلب كلاين. ودون أدنى تردد، لفّ روح ‹رَسُول الشّهوات› في جوفه وأنهى الاستدعاء.
لقد كانت خُطته المبدئية تقضي بِأنه، وما إن يبلغ المُتجاوزون الرسميون المكان، فإنه سيـ «يعود» أدراجه مُباشرةً حتى وإن لم يُفلح في الإجهاز على ‹رَسُول الشّهوات›، تاركاً ما تبقى في عُهدتهم.
ولم يُبصر ‹القفاز الأحمر›، المُتدثر بالدِرع الفضيّ المُلطخ بالدماء، سِوى طيفٍ يعتمر تاجاً أسود وعِباءةً من ذات اللون قُبيل أن يتوارى عن الأنظار دُون أن يُخلّف أثراً.
ضيّق عينيه، وتفحص بِعنايةٍ البقعة التي كان يقف فيها ذلك الشخص لتوّه، وعثر على ‹رَسُول الشّهوات› الذي فارق الحياة.
«يطمس الخيوط ويُدمر الأدلة؟» قال بِصوتٍ خفيض.
تاب. تاب. تاب. وصل ‹القفازات الحمراء› الذين كانوا يقتفون أثره واحداً تلو الآخر.
…
وعقب عودته إلى ما فوق الضباب الرمادي، لم يكن كلاين في عجلةٍ من أمره لِإجراء وساطةٍ روحية. بل غادر الحَيِّز الغامض مُباشرةً وعاد أدراجه إلى جسده المادي في عالم الواقع.
ورتب أدوات الطقس كالشُموع بِبراعة، وسُرعان ما مُحيت كُل الآثار المُتبقية.
وعقب الفراغ من كُل هذا، منشئ بديلاً له مُجدداً. وخطا أربع خُطواتٍ عكس عقارب الساعة وبَلَغ القصر العتيق القابع فوق الضباب الرمادي.
وهُنا، كان يسعه التواصل مُباشرةً مع روحٍ باقية، تماماً كَما يفعل ‹وسيطٌ روحي› حقيقي، دُون الحاجة لِلابتهال لِأي كِيانٍ أو الاستعانة بِطقسٍ ما. ولقد تيقن من ذلك حينما تواصل مع روح ‹سيد الدمى الرشيقة› روزاغو.
وبِالنظر إلى أن روح ‹رَسُول الشّهوات› قد طالها التطهير وكانت عُرضةً لِلتبدد في أية لحظة، تأهب كلاين لِطرح الأسئلة الأشد أهميةً نسبياً.
أما فيما يخص وصفة جُرعة مسار ‹الشيطان›، فقد عقد العزم على تأجيلها حتى النهاية. وعلى أي حال، فحتى وإن ظفر بِها، لم يكن يعتزم بيعها، لِئَلا يُسهم في رعاية قتلةٍ مُتسلسلين ذوي دماءٍ باردة.
رمق كلاين ‹رَسُول الشّهوات› ذا الشعر البُنيّ والعينين البُنيتين الخاويتين، وبَسَط روحانيته وسأل: «ما الذي كُنت تُدبر له؟»
لقد قُطعت صِلة ‹رَسُول الشّهوات› بالعالم الخارجي بالكلية بِفعل الضباب الرمادي، ولم يكن بوسعه سِوى الإجابة بِصوتٍ مُشوش: «اغتيال الدوق نيغان.»
‘الدوق نيغان… هو مُجدداً؟ مَن ذا الذي يتوق لِمقتله إلى هذا الحَدّ؟’ بُهِت كلاين وسأل: «أَهَلِ كُلّل المَسعى بالنجاح؟»
«أجل،» أجاب ‹رَسُول الشّهوات› بِهُدوءٍ دون أن يُدلي بِأي تفاصيل إضافية.
ففي هذه الحالة، لم يكن يُجيب سِوى على ما يُسأل عنه.
‘الدوق نيغان المسكين، لم يَقْوَ ‹سيد العواصف› على حمايتك…’ رسم كلاين علامة القمر القرمزي على صدره.
ولم يسعَ لِاستنباط المزيد من التفاصيل، بل سأل مُباشرةً: «مَن الذي حرّضك على الإقدام على ذلك؟»
‘أَهي المُنظمة التي أوكلت لِلواء البحري الإعصاري كيلانغوس هذه المُهمة؟’ استرجع كلاين مُحاولة الاغتيال السالفة.
قال ‹رَسُول الشّهوات› بِهُدوء: «مُنظمة، أقدم وأشد المُنظمات سرية، يجهل جُلّ المُتجاوزين وُجودها. ويُشاع أن بين صُفوف أعضائها شخصياتٍ بارزةٍ في ميادين شتى، لربما قادةٌ كِبارٌ في شتى الكنائس وجُيوش بُلدانٍ مُختلفة.»
‘يبدو الأمر مألوفاً… أيعقل أن تكون تِلك المُنظمة السرية التي انضم إليها الإمبراطور روزيل، المُنظمة العتيقة التي تُحكم قبضتها على ‹لوح التجديف› الثاني؟’ تواردت الأفكار في ذهن كلاين فسأل: «أيُّ مُكافأةٍ وعدوك بِها، لِتكون على استعدادٍ لِلتخلي عن هُوِيّةٍ حافظت عليها لِما يربو على العشر سنوات؟»
أجاب ‹رَسُول الشّهوات› بِصوتٍ تبدّل بعض الشيء: «‹بطاقة تجديف›، بطاقة ‹الهاوية›!»
‘‹بطاقة تجديف›؟ بطاقة ‹الهاوية›، إحدى ‹بطاقات التجديف› الاثنتين والعشرين لِـ روزيل! وهذا يتوافق على الأرجح مع مسار ‹الشيطان›. لا غرو إذن أن ‹رَسُول الشّهوات› كان مُستعداً لِلتضحية بِكُل ما جناه في غُضون السنوات العشر المُنصرمة من أجل هذا فحسب… ففيها يكمن أمله في الارتقاء لِيغدو مُتجاوزاً من المُتسلسلات العُليا!’
‘إن المُكافأة لَتفوق المُهمة قيمةً بِأشواط!’
‘بيد أنه من المُستبعد أن يستهوي مُكافأةٌ كهذه اللواء البحري الإعصاري كيلانغوس، ما لم… ما لم تكن تِلك المُنظمة تحوز على ‹بطاقة تجديف› أُخرى أو غرضٍ آخر…’
‘وإن كانت هي حقاً المُنظمة الغامضة التي انضم إليها روزيل، فإن العُثور على بضع ‹بطاقات تجديف› لَأمرٌ مألوفٌ تماماً… وحتى إن لم يفعلوا، فَهُم لا زالوا يحوزون على ‹لوح التجديف›…’
استبد الفزع بِكلاين في بادئ الأمر قبل أن يسأل في حيرة: «لِمَ يبتغون مقتل الدوق نيغان؟»
طال الضعف روح ‹رَسُول الشّهوات› بِشكلٍ جليٍّ مُجدداً، وقال بِصوتٍ أجوف: «لستُ أدري. كُل ما كان يعنيني هو قُبول المُهمة أو رفضها.»
«إذن، أَهَلِ طَرَق مسمعك أي شيء؟» ألحّ كلاين في سؤاله.
حافظ ‹رَسُول الشّهوات› على ذات الحالة من اللامبالاة.
«طَرَق مسمعي أن غايتهم هي بَعْث أو إيقاظ المنشئ.
«وهُم يتدخلون في مسار التاريخ، ويُطوعونه لِيتوافق مع مآربهم، بُغية بُلوغ غاياتهم في لَحظةٍ زمنيةٍ بعينها.
«وإن لم تجرِ رياحُ العصر بِما تشتهي سُفنهم، فسيبذلون قُصارى جُهدهم لِعكس مسارها.
«وبِاستثناء ذلك، يكتفون بالمُراقبة في هُدوءٍ من على الهامش، بِلا مُبالاة. فَلَرُبما لا يُقدمون على أي فِعلٍ أو يُوكلون أي مُهمةٍ حتى لِمرةٍ واحدةٍ كُل بضعة عُقودٍ أو قُرون…»
‘مُنظمةٌ سريةٌ بِكل ما تحمله الكلمة من معانٍ… هذا يتوافق مع وصف روزيل لِلفصيل ذي البأس الشديد الذي يتلاعب بالعالم في خفاء… ويبدو أنه يَمُتّ بِصِلةٍ لِلخالق الأصلي…’ ولما أبصر أن الجسد الروحي لِـ ‹رَسُول الشّهوات› يوشك على التلاشي، سارع كلاين بالسُؤال: «ما اسم تِلك المُنظمة؟ وكيف يسعني التواصل معهم؟»
رمق ‹رَسُول الشّهوات› الأمام بِلا أي مشاعر، وطَفِق طيفه يتحلل بِسُرعة.
وقُبيل أن يتلاشى بالكلية، أجاب على السؤال: «يُدعون…
«‹نظام نُسّاك الشفق›.»
…
في جوف القصر ذي الصوبة الزُجاجية.
جلس السكرتير النحيل ذو النظارة ذات الإطار الذهبي والقُفازات البيضاء بِوجهٍ مُكفهرٍ وملامح تفيض بالأسى العميق.
«ما اسمك؟ وفي أي مُتسلسلةٍ أنت؟ ولِأي مسار مُتجاوزين تنتمي؟» سأل الشمّاس إيكانسر بِوقار.
أجاب السكرتير الأشقر بِبُطءٍ وبِصوتٍ عميق: «لوكارت سياكام، المُتسلسلة الخامسة، أما فيما يخص مسار المُتجاوزين الذي أنتمي إليه، فيسعك التقدم بِطلبٍ لِلاطلاع على سِجلاتي من الـ ‹إم آي 9› (المخابرات العسكرية).»
«حسناً.» ثُم سأل إيكانسر: «أَهَلِ كان الدوق يقصد هذا المكان في موعدٍ مُحددٍ كُل أُسبوع؟»
«كلا، إنه لم يكن يستهوي العمل وِفقاً لِجدولٍ زمني، ولا سيما عقب مُحاولة اغتياله على يد كيلانغوس. وقُبيل هذا اليوم، لم يكن أحدٌ على درايةٍ بِأنه سيقصد هذا المكان اليوم، ولم يطرق مسمعي هذا الأمر سِوى في الصباح إبان تواجُدي في البرلمان،» أجاب لوكارت سياكام بِجدية.
استغرق إيكانسر في التفكير لِبرهةٍ وسأل: «إن كان هُناك جاسوسٌ مندسٌّ بين صُفوفكم، فَمَن تظنه يكون، وبِمَن تُساورك الشُكوك؟»
قلّب لوكارت الأمر في ذهنه لِبضع ثوان، ثُم هزّ رأسه.
وإثر ذلك، استفسر إيكانسر عن تفاصيل المعركة وكوّن فكرةً تقريبيةً عن مُجرياتها.
وأبصر أن لوكارت كان شاحباً ومُثخناً بالجراح؛ ولِذا، نهض بلباقةٍ لِيتفقد سائر حُراس الدوق.
وعقب مُراقبة شمّاس ‹عقل الآلات المُدبر› وهو يُغادر، استنشق لوكارت نفساً عميقاً ومشى بِتثاقلٍ صوب جُثة الدوق نيغان.
لم يَعُد النبيل العظيم عارياً كَما كان سلفاً، بيد أن بقايا الرُعب كانت لا زالت ترتسم على وجهه.
وبعد أن رمق جُثة الدوق نيغان بِنظرةٍ عميقة، تمتم لوكارت في أسى: «أنا أعتذر.»
وفي تِلك اللحظة، وبينما كان يُولي ظهره لِلجميع، انحنت زوايا فمه قليلاً.
وأضاف في قرارة نفسه بِهُدوء: «هذا هو خِيار العصر…»

تعليقات الفصل