الفصل 429 : أطرافٌ شتى
أضاءت مصابيح الشوارع في جُنح الليل الأرضية الندية، والتي كانت تتناثر مياهها إثر مُرور عربةٍ تجرها الخُيول بين الفينة والأُخرى.
كانت باكلاند تقبع في قلب المملكة، ولا يفصلها عن بحر سونيا سِوى عشرات الكيلومترات، ولِذا كانت الأمطار تهطل فيها بِغزارةٍ على مَدار العام. ولم تكن أقصى درجات الحرارة في شهر يوليو تتجاوز الـ 28 درجة مئوية، وأدناها يُقارب الـ 2 درجة مئوية في فصل الشتاء. ونادراً ما كان الطقس يتدنى لِيبلغ الصِفر أو ما دونه، بيد أن هذا لم يَحُل بين القاطنين هُنا وبين استشعار قسوة البُرودة. بل وحتى أبناء الشمال المُنحدرين من فيسَاك، الذين اعتادوا العيش في خِضَمّ الجليد والثُلوج، كانوا يعجزون أحياناً عن تكبد وطأة الرُطوبة التي كانت تتغلغل عَبْر ثيابهم لِتصل إلى عِظامهم.
وقف كلاين خلف النافذة البارزة في غُرفةٍ لم يُشعل فيها الموقد. ورمق المشهد الهادئ في الخارج وساوره شعورٌ بالاسترخاء في جسده، وقلبه، وروحه.
‘ما دُمتُ قادراً على جمع المُكوّنات وتحضير الجُرعة، فيسعني الارتقاء مُباشرةً لِلمُتسلسلة السادسة، لِأغدو ‹عديم الوجه›.’
‘لقد هُضِمت جُرعة ‹الساحر› بالكلية… ولقد أجهزتُ بِأُم عيني على ‹رَسُول الشّهوات› وأخفق في الفرار… ولا زالت عملية تقصي ‹طائفة الشفق› عن مُؤمني ‹الأحمق› تدور في حلقةٍ مُفرغة… وبِاستثناء مُطاردة السيد آزيك من قِبل فصيلٍ مجهول ومُعضلة مُكوّنات الجُرعة، فليس ثمة ما يُؤرّق مضجعي في الوقت الراهن…’ مال كلاين بِجسده إلى الأمام واستنشق نفساً عميقاً. ثُم رمق الضباب الذي تكثف على زُجاج النوافذ.
لقد كان السّر وراء مُخاطرته بِحياته لِاعتراض طريق ‹رَسُول الشّهوات› هو خشيته من أن يكون لِلطرف الآخر خُططٌ بديلةٌ تُتيح له الإفلات من مُطاردة المُتجاوزين الرسميين بِسلاسة. وحينها، لربما كان ليُحفر في ذاكرته لِما أسداه من نصيحةٍ حاسمةٍ ويسعى لِلثأر منه لاحقاً—وبِصفته ‹ذو دمٍ بارد›، فمن المُستبعد أن يُجازف شيطانٌ بِالثأر لِرفاقه، بيد أن هذا لا ينفي احتمالية أن يُؤثروا صبّ جام غضبهم على مَن كاد أن يُودي بِحياتهم.
‘لقد كانت هذه العملية ضروريةً بِلا ريب. فَلَرُبما كان أحدهم من ‹نظام نُسّاك الشفق› يترقبه في بقعةٍ ما. وما إن يُفلح ‹رَسُول الشّهوات› في الفرار، وفي ظل افتقاري لِأي معلوماتٍ ذات صِلة، فَلَرُبما كُنت سأُعدّ العُدة لِمُجابهة مُتجاوزٍ من المُتسلسلة الخامسة، ظناً مني أنني سأكون في مأمنٍ تامٍ ما إن أرتقي لِأغدو ‹عديم الوجه›، بيد أن ‹رَسُول الشّهوات› كان ليُحسن استغلال المعلومات التي توفرها بطاقة ‹الهاوية› وعون ‹نظام نُسّاك الشفق› لِلارتقاء ويغدو مُتجاوزاً من المُتسلسلات العُليا! إن تطوراً كهذا لَيُثير الرُعب في نفسي كُلما أمعنتُ التفكير فيه… يتعين على المرء أن يُسدّد ضربة العدالة القاصمة…’ استرجع كلاين ما جرى إبان فترة ما بعد الظهيرة وطَفِق يُلخص تجاربه وما استقاه من دُروس.
وعقب استمتاعه بِمشهد الليل لِبعض الوقت، عاد أدراجه إلى الأريكة وجلس لِيُقلّب في ذهنه خُططه المُستقبلية.
‘وبِفضل المُكافأة التي جاد بِها ‹عقل الآلات المُدبر›، سيتسنى لي تحمل تكلفة الغدة النخامية المُتحورة ودماء ‹الصياد ذي الألف وجه›. أما شعر ‹ناغا أعماق البحار› فلا يقتضي مني سِوى امتلاك المال. ومن المُفترض أن يكون العُثور على مُكوّنٍ كهذا أمراً يسيراً نسبياً في عُرض البحر. يسعني التماس العون من السيد ‹المشنوق›. المُعضلة الأُولى والأخيرة تكمن في خاصية ‹الظل المكسو ببشرة إنسان›…’
‘وحتى إن لاح لي خيطٌ يقود إليها، فلا أملك من المال ما يكفي…’
ومع هذا الخاطر، لم يتمالك كلاين نفسه من إطلاق ضحكةٍ ساخرةٍ من نفسه.
‘لستُ بِذلك الشخص الذي يهوى جمع المال بِشغفٍ مُفرط، بل هو مُجرد تفضيلٍ عاديٍّ للغاية. ففي سالف الأيام حينما كُنت في تينغن، طالما حثثتُ ميليسا على الإنفاق وألححتُ عليها وعلى بينسون لِاستئجار خادمة. وساورني شعورٌ بِأنه مَهما كانت الظُروف، يتعين عليّ ألا أبخل على نفسي كثيراً، وفي كُل مرةٍ كُنت أُنجز فيها عمليةً سرية، لطالما وضعتُ السلامة على رأس أولوياتي وحرصتُ على توخي الحذر لِئَلا تطالني أي تأثيراتٍ عقليةٍ جراء غواية الثروة.’
‘بيد أنه، وبُغية الثأر، يتعين عليّ الارتقاء، والارتقاء يقتضي مني ابتياع مُكوّنات مُتجاوزين باهظة الثمن. ولِذا لا يسعني سِوى كنز كُل بنسٍ وادخار كُل ما تقع عليه يداي…’
تكوّر على نفسه بغتةً وشَعر بِأن بُرودة غُرفة الجلوس قد بَعَثت قشعريرةً في أوصال ‹ساحرٍ› مِثله، لا يحظى بِبُنيةٍ جسديةٍ استثنائية.
ولِذا، عقد العزم على الاغتسال، والانزلاق في فراشه، والمُطالعة هُناك.
‘لم يتبقَّ سِوى ثلاث أو أربع ساعاتٍ على موعد النوم؛ لا حاجة لِإشعال الموقد مُجدداً…’ ومع تنهيدة، نهض كلاين ومشى صوب الطابق الثاني.
…
في قبو ‹كاتدرائية البُخار›.
وعقب أن فرغ إيكانسر من قراءة كافة الإفادات المُدونة، التقط كوبه وارتشف جُرعةً من قهوته.
وبعد بضع ثوانٍ من الصمت، استل المرآة الفضية العتيقة التي تُدعى أرودس.
اختلس كارلسون نظرةً إليها وسأل بفضول: «أيها الشمّاس، إن طرحتُ على ‹الأرودس› المُبجل سُؤالاً حول مُعضلةٍ رياضيةٍ استعصت على الحل أو مُفارقةٍ كلاسيكية، فهل سيجود عليّ بالإجابة الصائبة؟»
«في جُلّ الأحيان، سيرفض إجابتك مُباشرةً. وإن ساوره الشك بِأنك تُضمر نوايا خبيثة، فَلَرُبما يصعقك بصاعقةٍ من البرق أو يُلقي عليك لعنةً لن ترغب في مُجابهتها قَطّ،» قال إيكانسر وهو يزفر تنهيدة. «إنه غرضٌ مختومٌ ينبض بالحياة ويتمتع بِذكاءٍ فائق، وليس مُحرك فرقٍ جامداً يمتثل لِلقواعد بِصرامة. وحينما تستخدمه، من الأجدر ألا تُقلّب في ذهنك فكرة البحث عن ثغرات.»
جال كارلسون بِبصره في زُملاء فريقه واقترح بِلُطف: «أيها الشمّاس، دعني أتولى مُهمة طرح السُؤال نيابةً عنك. فليس لديّ ما أُخفيه.»
استقام في جِلسته واتخذ وضعيةً تفيض بالصراحة والوضوح.
ابتسم إيكانسر ابتسامةً مريرةً وقال: «لا حاجة لِذلك، فقد أدركتُ ما أبتغي معرفته بالفعل. ولم أعد أرتعد فزعاً من أسئلةٍ مُشابهة، وبين الفينة والأُخرى، يطرح ‹الأرودس› المُبجل أسئلةً بالغة العُمق. وفي ظل حالتك الجسدية الراهنة، لن يكون من اليسير عليك تكبد العِقاب اللاحق.»
وعقب تفوهه بِذلك، أحكم قبضتيه قُبيل أن يبسط أصابعه ويُمسّد سطح المرآة بِرِقّةٍ لِثلاث مرات.
وفي خِضَمّ تِلك الأجواء المُشحونة بالترقب، سأل إيكانسر بِصوتٍ عميق: «أيها ‹الأرودس› المُبجل، سُؤالي هو: ‹من هو الشخص أو الفصيل الذي حرّض ‹رَسُول الشّهوات› لاغتيال الدوق نيغان؟›»
لم تُبدِ المرآة الفضية أي استجابةٍ لِفترةٍ من الزمن. ولم يبرز البريق المائي على سطحها إلا بعد انقضاء وقتٍ طويل، لِيُشكّل مشهداً بدا كلوحةٍ زيتية.
لقد كان سهلاً توشك الشمس فيه على المَغيب. وكانت الأراضي الشاسعة تكتسي بِشفقٍ ذهبيٍّ باهت.
«إلامَ يُشير هذا؟» تبادل كارلسون وسائر أعضاء ‹عقل الآلات المُدبر› النظرات، وقد استعصى عليهم فهم المغزى. ورغم أن أحدهم كان مُتجاوزاً ارتقى من ‹مُسترق السمع الغامض› ولم تكن قراءة الإلهامات أمراً غريباً عليه.
«الشفق؟ أَهَلِ يرمز هذا لِنهاية الحياة؟ أهي طائفةٌ تدين بالولاء لِـ ‹حاكم الموت›، أم زُمرةٌ من المجانين الذين يُؤمنون بِنهاية العالم؟» قال أحد ‹مُسترقي السمع الغامضين› عقب بُرهةٍ من التروي.
أومأ كارلسون برأسه مُتفقاً معه.
«أميل لِلاعتقاد بأنه الاحتمال الأخير.»
لم يُعِر إيكانسر نقاشهم أي اهتمامٍ لأن سُؤال أرودس كان قد تجلّى بالفعل.
«ما هو لون الملابس الداخلية الأثير إلى قلبك؟»
تورد وجه إيكانسر بغتةً بِحُمرةٍ قانية، وساوره شعورٌ وكأن الدُخان يتصاعد من قمة رأسه.
وبِصعوبةٍ بالغة، تفلّتت منه كلمة: «الأحمر.»
استحالت الغُرفة بغتةً إلى صمتٍ غير مألوف، وتظاهر كارلسون والآخرون بالنظر صوب إحدى الزوايا.
جلس إيكانسر بِتثاقلٍ وحكّ شعره المُنتفخ، مُتأهباً لِطرح السُؤال الثاني.
لم يطق كارلسون صبراً وقال: «أيها الشمّاس، دعني أُجرب حظي.»
«… احرص على ألا تبلغ مرحلة العِقاب.» أومأ إيكانسر أخيراً بالمُوافقة.
حاكى كارلسون أفعال الشمّاس بِثقة، ومَسّد سطح المرآة الفضية بِرِقّةٍ لِثلاث مراتٍ بينما تحلّق سائر الأعضاء حوله مُجدداً.
«أيها ‹الأرودس› المُبجل، سُؤالي هو ‹من هُم شُركاء ‹رَسُول الشّهوات›؟›»
تموّج البريق المائي بينما تبدل المَشهد. وتجلّى في بادئ الأمر ظهر امرأة، امرأةٌ تتمتع بِقوامٍ مُمشوق.
ثُم، بَرَز شخصٌ كان بالغ الضبابية لِدرجة أنه بالكاد تسنى لهم تبين ذُكورته من خِلال ثيابه.
«ثمة شريكٌ آخر حقاً. لا بُد وأن هذا هو من باع المعلومات الاستخباراتية حول الدوق نيغان! يا لَلأسف أن الطرف الآخر قد سوّى أمره بالفعل…» جال كارلسون بِبصره في الأرجاء وقال.
لقد كان على يقينٍ بِأنه لا يحوي أي أسرارٍ ولم يكترث لِلأسئلة التي ستعقب ذلك.
وهذه المرة، كانت الخيارات التي طرحها أرودس هي سُؤال، أو مُهمة، أو عِقاب.
ودون أدنى تردد، قال كارلسون: «سُؤال!»
وسُرعان ما رَسَمت كلماتٌ بدت وكأنها قطرات دماءٍ على سطح المرآة الفضية: «أَهَلِ تُريح نفسك بيدك يومياً؟»
ارتعش ثغر كارلسون، وشَعر بِأُذنيه تلتهبان حرارةً في لمح البصر.
الأسماء والأماكن داخل الرواية من صنع الخيال ما لم يذكر غير ذلك.
ورغم أن هذا كان أمراً يراه في غاية الطبيعية، إلا أن الإدلاء بِإجابةٍ على مرأىً ومسمعٍ من كُل هؤلاء الزُملاء ورئيسه قد بَعَث في نفسه رغبةً عارمةً في دفن رأسه في التُراب.
«أجل…» أجاب بِصوتٍ خافتٍ جداً.
…
في قبو ‹كاتدرائية القديس صموئيل›.
ألقت دالي، بِظلال عُيونها الزرقاء، رُزمةً من الوثائق أمام ‹مُؤمّن الأرواح› سويست.
«هذه هي كافة المعلومات التي تنشدها حول قضية بطاقات التاروت.»
«إنها أقل مما كُنت أتصور،» قال سويست، وقد تملّكه شيءٌ من الدهشة.
ضحكت دالي بِخُبث.
«هذا مُجرد فهرسٍ فحسب.»
وما إن أبصر ليونارد ذلك، حتى لمس شفته السُفلية براحة يده اليُمنى المُغلفة بِقُفازٍ أحمر.
«النقيب سويست، لِمَ لا نُجري تحقيقاً شاملاً حول الأشخاص الذين تفاعلوا مع جيسون بيريا ونُقارن ذلك مع القضيتين السالفتين؟ فَلَرُبما ظفرنا بِخيوطٍ تقودنا لِلمُنظمة التي تتخذ من بطاقات التاروت رمزاً لها.»
«إن الدوق نيغان مُؤمنٌ مُخلصٌ لِـ ‹سيد العواصف›، وهو يُمثّل مصالح ‹كنيسة سيد العواصف› في المُعترك السياسي. ومن المُؤكد أن ‹المُعاقبين المُفوّضين› سيبحثون بِسُعارٍ مُجنونٍ عن المُذنب الحقيقي، لذا لا حاجة لنا لِإقحام أنفسنا في الأمر؛ وإلا، فسيُفضي ذلك بِسُهولةٍ إلى صِدامٍ معهم. فَلْنُركز تحقيقاتنا على القضايا التي تنطوي على بطاقات التاروت، ومن يدري، فَلَرُبما اهتدينا لِخيوطٍ جديدة. وبطبيعة الحال، سينتهي بنا المطاف نركض في كُل حدبٍ وصوب، بيد أن هذا جُزءٌ لا يتجزأ من مهام ‹القفاز الأحمر›،» أوضح سويست مُبتسماً.
أومأ ليونارد برأسه.
«أفهم ذلك.»
وفي أعماق عقله، سخر الصوت العجوز وضحك.
«لقد فوّت ‹صقور الليل› الفُرصة بِهذه البساطة. إن ذلك الشخص يفوح بِرائحة ‹الإمبراطور المظلم›، ‹الإمبراطور المظلم› الحقيقي!»
…
في جوف ‹كاتدرائية ريح القُدس›.
جال ‹مُغني تعاويذ الحاكم›، آيس سنيك، الذي كان يعتمر قُبعةً ناعمةً سوداء، بِعينيه الفضيتين وانتقى أحد نُخبة ‹المُعاقبين المُفوّضين›.
«ورغم أنني أوشك على مُغادرة باكلاند، إلا أن هذا هو قرار مجلس الكرادلة.
«ليس لديكم سِوى مُهمةٍ واحدةٍ عقب هذا، وهي التحقيق في اغتيال الدوق نيغان.
«وعقب تقديم الطلب، سيُخوّل لكم جميعاً استخدام غرضٍ مختومٍ من الدرجة الأولى. يتعين عليكم اكتشاف هُوِيّة من يستهدفنا!»
وسارع رجلٌ في مُنتصف العُمر، كان يقف في المُقدمة تماماً ويرتدي قُبعة قُبطانٍ مُعدلة، لِتولي قيادة المجموعة. وأحكم قبضته ونقر بِخفةٍ على صدره.
«أمرك، يا صاحب النيافة!»
كان نحيلاً ولم تكن فيه أي سِماتٍ استثنائيةٍ بارزة، بيد أن وشم مِرساةٍ كان يبرز على عُنقه.
…
حي الإمبراطورة، داخل قصر الإيرل هول الفخم.
رمقت أودري سوزي، التي دفعت الباب لِينفرج بِنفسها، وقالت بِصوتٍ خفيض: «عَمَّ يتحدث أبي والآخرون؟»
فما إن أدركت أن الإيرل هول قد عاد مُتأخراً وأن ملامحه تكتسي بِجديةٍ غير مألوفة، حتى سارعت بِإرسال سوزي لِتسترق السمع.
«لقد اُغتيل الدوق نيغان.» أوصدت سوزي الباب خلفها بِقدميها.
«آه؟» تسمّرت أودري في مكانها، وقد ساورها الشك بِأن سمعها قد خانها.
ورغم أنها سبق وأن شَهِدت مُحاولة اغتيالٍ طالت الدوق نيغان، إلا أنه لم يَدُر بخلدها قَطّ أن يلقى هذا النبيل ذو البأس والنُفوذ حتفه حقاً.
«إنها مَحض حقيقة.» منحت سوزي إجابةً قاطعة.
غرق عقل أودري في لُجّةٍ من الفراغ في التوّ واللحظة، ووجدت أن الأمر يفتقر لِلواقعية إلى حَدٍ ما.
‘كيف لِنبيلٍ بِمثل هذه السطوة، إنسانٌ من لحمٍ ودم، يتبادل الأحاديث ويُطلق الضحكات، الدوق الذي أهداها قِطعة أرض، أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بِهذه البساطة؟’
وفجأة، استشعرت قسوة وصقيع عالم البالغين.
«من اقترف ذلك؟» سألت أودري بغير وعيٍ منها.
«‹شيطان› من المُتسلسلة الخامسة،» أجابت سوزي بِسُرعة. «بيد أنه قد أُسكِت للأبد بالفعل على يد مَن يُدعى بِـ ‹البطل القاطع الإمبراطور المظلم›.»
«آه؟» بُهِتت أودري مُجدداً.
‘كيف يُعقل أن يكون ‹البطل القاطع الإمبراطور المظلم›؟ كيف لِهذا أن يكون من صنيع عابد السيد ‹الأحمق›؟’
‘لقد عاونني سلفاً في إجهاض مُحاولة الاغتيال السابقة التي طالت الدوق نيغان!’
‘إن هذا لَتَناقُضٌ صارخ!’
سارعت أودري بالإيعاز لِـ سوزي لِمُواصلة استراق السمع، بينما أوصدت الباب خلفها وجلست على حافة سريرها، مُبتهلةً لِلسيد ‹الأحمق›.
وعقب أن فرغت من تلاوة اسمه المُبجل وسردت تفاصيل اغتيال الدوق نيغان، سألت بِثقةٍ مُطلقة: «أَهَلِ كان عابدك حاضراً هُناك؟»
وبعد بُرهة، تجلّى أمامها الضباب الرمادي المُمتد بِلا آفاق وطَرَق مسمعها صوت ‹الأحمق›.
«أجل.
«لقد كان يتقصى أثر المُنظمة التي تُوجه ‹رَسُول الشّهوات›.»
‘كما توقّعت، لم يكن الأمر بتدبيرٍ من السيد ‹الأحمق›! أَهَلِ كان السّر وراء إيعاز ‹هُو› لِعابده بِإيقاف كيلانغوس في المرة السالفة يُعزى أيضاً لِتلك المُنظمة التي تُحرك الخيوط من خلف الكواليس؟’ استرخت أودري وسألت بِفُضول: «وأيُّ مُنظمةٍ تِلك؟ لِتسترعي انتباهك البالغ هكذا.»
وبعد ثانيةٍ واحدة، طَرَق مسمعها ردُّ السيد ‹الأحمق› بِنبرةٍ تفيض بالهُدوء واللامبالاة: «‹نظام نُسّاك الشفق›.»

تعليقات الفصل