تجاوز إلى المحتوى
سيد الغوامض

الفصل 477 : اعتبارات الأحمق المتعددة

أول ما أبصره كلاين كان المذبح، الذي حفتْه طبقات من الضياء، والهيئة النحيلة الطويلة الواقفة فيه.

نزعت الهيئة قلنسوتها، كاشفة عن وجه جميل مفعم بأنوثة شيطانية، بينما غُطي الصدر الأيسر والكتفان والبطن والفخذان بلحم ودم يتدفق بلزوجة وتقزز.

كانت الأرجاء من حوله غاصة بظلال واهمة شفافة تفيض بمشاعر كالتبلد، واليأس، والألم، والاكتئاب.

وخلف المذبح، كانت الهيئات الأربع التي دأبت على الصلاة قد سقطت صريعة؛ بدت جلودهم منكمشة، وعظامهم مكسوة بضيق، كجثث نخرها البلى لسنوات طِوال.

وفي أعلى القاعة، نفذت أشعة من الضياء عبر الأثير، لتلج المذبح سراعاً من خلال الأعمدة الحجرية، والأرضية، والجو المشبع بالرموز والعلامات السحرية.

بمجرد أن برز كلاين من مكمنه، فتح السيد «أ» عينيه ورمقه بنظرة.

اصطبغت حدقتاه بالدماء، واستكنَّ جنون مطبق داخل عينيه الباردتين.

لو كان أي <متجاوز> آخر، لأشاح ببصره لا شعورياً، فلا يجرؤ على مواجهة نظراته، بيد أن كلاين، الذي واجه <الشمس المتوهجة الأبدية> والتقى بـ آمون، لم يرهبه ذلك. ضغط على الزناد برباطة جأش، مرسلاً رصاصة فضية لـ <صيد الشياطين> منقوشة بأنماط شتى، انطلقت نَحوَ المذبح.

وإذ شهد السيد «أ» هذا المشهد، أراد لا شعورياً رفع يده، لكنه كف عن ذلك في النهاية؛ وراح يراقب ببرود الرصاصة الفضية وهي تنفذ إلى طبقة الضياء المحيطة بالمذبح.

وفي سكون، ذابت الرصاصة المنقوشة وتلاشت تحت طبقات التألق، مبتلعة في لُجّة من ضغينة لا تُوصف ومشاعر سلبية سحيقة.

وفي الختام، تفتتت بالكامل، دون أن تترك وراءها أثراً واحداً.

انقبضت حدقتا كلاين وهو يفرغ ما تبقى من رصاصات مسدسه. انطلقت الرصاصات الذهبية الباهتة لـ <التطهير> ورصاصات البرونز لـ <طرد الأرواح>، لتخترق الحاجز المتألق واحدة تلو الأخرى.

ومع ذلك، تفتتت بذات الطريقة واختفت دون أن تثير أدنى تموج.

ضحك السيد «أ» بصوت متحشرج:

«لا جدوى من ذلك، أيتها الدودة الضئيلة. لقد بدأ الطقس رسمياً، وبقوتك هذه، يستحيل كسره أو مقاطعته. حتى لو كنت <متجاوزاً> من <المتسلسلة 5>!»

«لكنك محظوظ أيضاً؛ فستعيش لتشهد قدوم رَبِّنا، وتندمج في جسده».

وبقوله هذا، تجاهل السيد «أ» كلاين وأغلق عينيه ثانية، وكأن الأخير ليس سوى دودة حقيرة فعلاً.

رَفَع <الراعي> يديه في إيماءة بسط الذراعين وصاح بـ <لغة هيرميس القديمة>:

«يا رَبَّاً منشئ كل شيء؛

يا رَبَّاً يتربع خلف ستار الظلال؛

يا طينة الانحلال لكل كائن حي.

عُبّادُك المخلصون يصلون من أجل قدومك؛

إني لأبذل جسدي وعاءً ليحمل عِبء مشيئتك العظيمة!»

ووسط الصلوات، انبثق ضياء من مصدر مجهول فوق رأس السيد «أ»، غلفه بالكامل.

وانهمرت المظالم والمشاعر السلبية التي تجمعت حول السيد «أ» في جسده كالسيل العارم.

طاخ! طاخ! طاخ!

فَرقع كلاين أصابعه مراراً واستخدم قدرته على التحكم في اللهب، باذلاً قصارى جهده لمهاجمة المذبح، بيد أن هجماته لم تقوَ على مقاومة التفتت أمام حاجز الضياء.

‘ماذا بوسعي أن أفعل؟ كل أغراضي الغامضة الأخرى تقع فوق الضباب الرمادي. ولأجل إخراجها، يلزمني إقامة طقس، سيستغرق دقيقة أو دقيقتين على الأقل، وسيكون جسدي بلا حماية في خطر داهم… ماذا أفعل؟’ كف كلاين عن محاولاته برزانة ووقف هناك، وأفكاره تتسابق في عقله.

وعلاوة على ذلك، سواء كان <دبوس الشمس>، أو <زجاجة السم الحيوي>، أو <العين حالكة السواد>، أو حتى ورقة <الإمبراطور المظلم> التي رَفعت رتبته، لم يَبْدُ أي منها قادراً على اختراق حاجز المذبح!

‘أيكون انتظار التعزيزات التي ستستدعيها الآنسة عدالة هو خياري الوحيد؟ أم أكتفي بالمراقبة بقلة حيلة بينما يهبط <المنشئ الحق>؟’ توتر كلاين، وأخذت أفكاره تحلق سريعاً في ذهنه، وشرع يَزِن الاستراتيجيات المقابلة.

وبينما كان يتفكر في كل غرض يحمله، تفصّد كفاه عرقاً بارداً لا شعورياً.

وفجأة، طرأت له خاطرة!

ودون أن يتسع الوقت للتفكير في العواقب، مَدَّ يده في جيبه وقبض على شيء له ملمس مَعدني.

طاخ! طاخ! طاخ!

خطا كلاين بضع خطوات للأمام، وهَزَّ ذراعه بقوة، وقذف الغرض الذي في كفه نَحوَ المذبح.

وبومضة برونزية، ولج الغرض حاجز الضياء.

لقد كان مفتاحاً عتيقاً وبسيطاً.

كان <المفتاح السيد>.

داخل حاجز الضياء، بدأ <المفتاح السيد> النحاسي يتحلل ويذوب.

وحين تلاشت قشرته الخارجية، برزت اللعنة الكامنة في جوفه، لتتصل بالمنطقة المجهولة حيث يقبع السيد باب.

في <حي الإمبراطورة>، داخل الفيلا الفاخرة لـ الكونت هول.

وقفت أودري بجانب النافذة الممتدة من الأرض للسقف ورنت ببصرها نَحوَ الأفق في قلق.

رأت الضباب عند الأفق يتكاثف تدريجياً، مستحيلاً لصُفرة باهتة اصطبغت بسواد حديدي وهي تنتشر ببطء نَحوَ مَوقعها.

«ثمة خطب في ذلك». جلست الكلبة الذهبية الكبيرة، سوزي، بجانبها ورمقت هي الأخرى السديم الشائع.

‘أجل، آمل أن يتم إيقافه في الوقت المناسب…’ لم تكن أودري تعلم ما يمثله الضباب، فصلّت في سكون لـلإلهة وللسيد <الأحمق> ألا يدعوا <الشيطانة البدائية> تهبط.

وفجأة، لاحظت أن الأغصان خارج النافذة بدأت تهتز والزجاج يرتجف طفيفاً.

‘الريح قادمة…’ شَعرت أودري ببهجة لا تملك تفسيراً لها.

دعمك لمَجَرَّة الرِّوايات يكون بترك النسخ المسروقة والعودة للمصدر الذي يحفظ الحقوق.

<حي شيروود>، كاتدرائية الريح المقدسة.

انبثقت عواصف ترويعية يمكن رؤيتها بالعين المجردة فجأة خارجها، ثم اندفعت نَحوَ الشرق في إعصار لا يحده خيال.

ووش!

تشتت الضباب الكثيف المتراكم، وتلاشت الألوان الصفراء والسوداء الحديدية سراعاً.

ووش!

سقطت الأغصان اليابسة على الأرض بينما تصاعد الغبار والأتربة في الهواء، متبعة الضباب نَحوَ الأفق السحيق.

ووش!

طارت قبعات الكثير من المَشاة عن رؤوسهم، وترنحت أجسادهم حتى اضطروا للتشبث بالأشجار أو الجدران.

شعر البحارة في منطقة الأحواض وكأنهم عادوا للمدينة المرفئية ليشهدوا إعصاراً استوائياً.

انقشع الدخان في <الحي الشرقي> وحي المصانع، وشعر الأصحاء من السكان بانـزياح توعكهم الطفيف.

بوم! بوم!

قفز البرق وزمجر الرعد.

وسرعان ما هدأت العواصف، وبدأ وابل من المطر يطهر الأرض.

«لقد استجابت <كنيسة رب العواصف> بسرعة هذه المرة… ويرجع الفضل أيضاً لتقديمنا موعد العملية وعدم استعدادنا الكامل… هه هه، لولا الحماية التي نالها هؤلاء، لكان مَصير أبناء الطبقة الوسطى والأثرياء في هذا الضباب العظيم كمَصير العامة؛ لكانوا جميعاً حِملاناً تنتظر الذبح…» جلست سيدة اليأس في عربة مستأجرة وهي تنصت بتمهل لوقع المطر على النوافذ الزجاجية.

ورغم أن خططها قد أُحبطت في الوقت المناسب، إلا أن السديم السالف قد حصد أكثر من 20,000 روح وَفْقاً لحساباتها. وعلاوة على ذلك، سيتلو ذلك انتشار الطاعون.

‘بهذا، أكون قد هضمت معظم جرعتي تقريباً، بيد أن هذا ليس سوى نفع نلته عَرَضاً… ومع فناء أعداد غفيرة من السكان، فإن كل الأصابع تشير نَحوَ <طائفة الشفق> ونَحوَ <المنشئ الحق>؛ فلن يخمن أحد مآرب العائلة المالكة الحقيقية… آن أوان رحيلي، رفقة <المنشئ الحق>…’ فكرت سيدة اليأس وهي في مِزاج رائق.

كانت تحركاتُها مَحفوفة بالسرية، وقد اعتنت بكل شيء مسبقاً؛ لذا لم تخشَ الوقوع في حصار أنصاف الحُكَّام باكلاند على الإطلاق.

فبحلول الوقت الذي يعثرون فيه على أثرها، ستكون قد أبعدت النجعة عن المدينة!

وبينما همت سيدة اليأس بمغادرة العربة، تشوشت رؤيتها وأبصرت هيئة تظهر أَمامها.

جلست الهيئة قبالتها؛ كانت امرأة شابة في رداء كلاسيكي بقلنسوة، ذات عينين وشعر بـلون أسود، ووجه جميل بيد أنه جامد.

بعد قذف <المفتاح السيد>، قَبض كلاين على صافرة آزيك النحاسية، ثم حبس أنفاسه وانتظر النتائج.

لو فشلت الأمور في التطور كما تخيل، وظل حاجز المذبح سليماً، كان ينوي استخدام صافرة آزيك النحاسية ليرى إن كان بوسعه نيل أي مساعدة من الرسول.

إذا فشل ذلك أيضاً، كان سيصعد فوق الضباب الرمادي ويستخدم كل الأغراض مثل ورقة <الإمبراطور المظلم>. كان عليه تجربة كل احتمال حتى الرمق الأخير!

في هذه اللحظة بالذات، لم يكن ثمة قمر قرمزي، ناهيك عن قمر مكتمل جلي بما أن الوقت كان ظهراً. لذا، لم يملك كلاين ثقة كافية في اللعنة الكامنة داخل <المفتاح السيد>، ورجا فقط أن تهدد آثار التفتت لحاجز المذبح وجود اللعنة ذاته وتدفعها للرد غريزياً، كأن تتصل بالسيد باب عكسياً وتنقل صرخة استغاثتها لـ «ـه».

في غضون ثانية أو ثانيتين، رأى كلاين <المفتاح السيد> يتفتت إلى أصغر جزيئات الضياء ولون قرمزي واهم مشوه.

تلاطم القرمزي وتلاشى سريعاً وهو يصارع ثم انفجر بغتة!

في لحظة، فقد كلاين حاسة السمع. رأى الهيئات التي لا تُحصى والمتشكلة من المظالم والحنق ترفع رؤوسها جميعاً وتصرخ.

تحولت سراعاً، واصطبغت بخضرة مائلة للسواد، ونبتت لها جمجمة ثانية، وعين ثالثة، بل ورجل خامسة…

تجمعت في سيل جارف واكتسحت جسد السيد «أ».

فَتَح السيد «أ» عينيه فجأة، وبدا الذهول وعدم التصديق جلياً وسط عينيه الباردتين بلون الدم.

وسرعان ما التوى حاجز الضياء المتألق المحيط بالمذبح وانهار.

بوم!

انتشر انفجار عظيم من مَركز المذبح، مفجراً عاصفة ترويعية.

كراخ! تداعت الأعمدة الحجرية الغليظة الأربعة الأقرب للانفجار في الحال، ولم يملك كلاين السحيق سوى الوقت للانحناء والتدحرج قبل أن تقذفه مَوجة الصدمة بعيداً.

طاخ!

ارتطم بالجدار، منبسطاً كوريقة رقيقة.

وسرعان ما مزقت الريح اللاحقة تلك الوريقة الرقيقة، ناثرة إياها في كل اتجاه.

ظهر كلاين نفسه في الركن، مستخدماً الجدران لمقاومة مَوجة الصدمة اللاحقة.

لقد جاوز الدمار الذي سببه <المفتاح السيد> خياله!

إن اللعنة التي صُهرت قسراً أبدت رد فعل غريزي حقاً، إذ نقلت زئير السيد باب، وصوت هذا الكيان المَهجور، الذي يقع على الأقل في مَستوى مَلَاك، دَنَّس المظالم وخَدَّر اليأس اللازمين للطقس. ونتيجة لذلك، فَقَد المذبح توازنه وسلك مَسار التدمير الذاتي!

وبمجرد أن هدأ الانفجار قليلاً، اندفع كلاين للتأكد من النتائج.

كانت الهيئة الواهمة وشعور الكبت في الهواء قد تلاشت بالفعل، مخلفة وراءها بقايا متناثرة من المذبح.

كان السيد «أ» جثياً بجانب عمود منهار وجسده يميل للأمام. كان يفتقر لـذراع، ونصف وجه، وعدد من الأعضاء. امتلأت عينه المتبقية بكراهية استقرت في نخاع العظام.

ومع ذلك، غُطيت جراحه سريعاً بلحم يتلوى.

بعد تلك النظرة الواحدة، لم يتردد كلاين في الركض.

فقد حقق غايته القصوى بإحباط هبوط <المنشئ الحق>. وإذا لم يرحل الآن، فهل كان هو، صاحب <المتسلسلة 6>، سيشارك <الراعي>، السيد «أ»، مأدبة عشاء لاستقبال العام الجديد؟

التالي
477/819 58.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.