الفصل 210 : لا يمكن التحديق في العلوي مباشرة
الفصل 210: لا يمكن التحديق في العلوي مباشرة
بما أن سو لون كان يعلم أن فريقا آخر سيأتي سرا لطرد الشيطان من الأميرة تيريزا، فمن الطبيعي أن السيد جينغ لن يغفل عن مثل هذه المعلومة الحساسة
إن أساليب الحاكم تبقى في النهاية عصية على فهم البشر العاديين، وحتى لو جرى ختم نار العلو، فلا أحد يعرف ما القدرات غير المفهومة التي قد يمتلكها
لذلك، بدل أن يفعّل فخا بنفسه، كان من الأنسب أن يترك العدو يختبر الطريق أولا، وبذلك يضعف قوته بنفسه
ظل أهل قصر الدوق يظنون أن الأميرة تيريزا ضحية “غزو روح شريرة” عادي
….
بينما كان سو لون يتحدث مع بيستويا، وما إن ارتدى الخاتم الذي أرسلته سيريا، حتى سمع صرخة من بعيد
بدا أن كيانا ما كان يحاول إجبار بيستويا على نزع الخاتم، لكن وجه بيستويا كان ممتلئا بالصراع، وكانت تقاوم بوضوح بإرادة قوية
كانت هذه هدية من أمها
لم تكن تريد خلعه
وفوق ذلك، بدا أن الخاتم لا يمكن نزعه أصلا
وقبل أن تتمكن من المقاومة أكثر، اختفى ظل بيستويا فجأة
يبدو أنها عادت إلى الجسد المضيف للأميرة تيريزا
استمع سو لون إلى الضجة من بعيد ونظر في ذلك الاتجاه
وبعد لحظة تفكير، لحق بسرعة
وبفضل سحر الصور لدى السيد جينغ، لم يكن عليه أن يقلق على سلامته في الوقت الحالي
أراد أن يراقب المعركة
وأراد أيضا أن يجرب حظه
ففي النهاية، كان هناك الكثير من الحراس من الرتبة الرابعة، بل وحتى واحد من الرتبة الخامسة، حول الأميرة تيريزا
ماذا لو وجد عدة جثث واستطاع استخراج بعض شظايا الأرواح؟
…
كانت القوة الروحية لدى سو لون كبيرة الآن، وكان شديد الحساسية لتقلباتها
حين شعر بذلك الضغط المرعب يهبط، عرف أن الحاكم قد أظهر وجهه
بدا فريق طرد الأرواح من قصر الدوق ماهرا جدا، فقد تمكن فعلا من إجبار الجسد الروحي للكائن المجنح الساقط على الظهور
لم يعرف سو لون ما الذي فعله السيد جينغ سابقا، لكن بدا أنه نجح في إشعال القتال على الجانب الآخر
اقترب بحذر، وبقي على مسافة تقارب كيلومترا لمراقبة المعركة، ثم وجد ساترا متينا يختبئ خلفه
لم ينس سو لون نصيحة السيد جينغ، فأغمض عينه اليمنى وراقب القتال بعينه اليسرى فقط، تلك التي تحمل العين العليمة
وكان يعرف أيضا أن هذه الهدية تملك وظيفة ترشيح وحماية، فتسمح له بتجنب رؤية بعض الكائنات “التي لا يمكن احتمال النظر إليها”
لا يستطيع الفانون التحديق في الحاكم
كان هذا التحذير الذي ترك للأجيال اللاحقة بعد معركة السير إسحاق العظمى مع الكائن المجنح الساقط
…
كان واضحا أن فريق طرد الأرواح من قصر الدوق جاء مستعدا
حين وصل سو لون، رأى مئات الأشخاص يطوقون تيريزا، كأنهم يواجهون عدوا مرعبا
لكن الذين استطاعوا الاقتراب إلى مسافة 100 متر من الأميرة تيريزا لم يكونوا سوى نحو عشرين شخصا، وكلهم سادة من الرتبة الثالثة فما فوق
في تلك اللحظة، كان القائد، رجل عجوز ذو لحية حمراء يرتدي رداء أبيض يشبه لباس طارد الأرواح، يمسك بصليب يشع بريقا فضيا يعمي الأبصار، ويواجه الأميرة تيريزا
وبنظرة إلى نجمة سباعية النقاط تحت قدميه، أدرك سو لون أن هذا الرجل أيضا محترف من الرتبة الخامسة
وعند التدقيق، اتضح أن صليب طرد الأرواح الخاص بفارس مكرم الذي بيده هو كنز من مستوى أداة عظيمة مختومة
كان الضوء الفضي المنبعث من الصليب يسقط على الأميرة تيريزا، فتتصاعد خيوط من غاز أسود
كأن الضوء يبدد الظلام، لم يلاحظ الناس العاديون ما المختلف في ذلك الضوء الفضي، لكن وجه الأميرة تشوه بقسوة، كأنها تتحمل ألما هائلا، وأطلقت صرخات حادة من حلقها
تحت الضوء المكرم، بدا كأن جسدها يحترق
راحت تيريزا تتلوى تحت الضوء المكرم الحارق، وحلقها يطلق زئيرا موجعا، “أيها البشر الحمقى! أنتم تغضبون قوة عظمى جليلة!”
ومع الصليب المضغوط على وجهها، أدرك الكائن المجنح الساقط أنه لم يعد يستطيع الاختباء، فلم يحاول ذلك أصلا
لكن بالنسبة لأهل قصر الدوق، لم يكن لكلامها أي معنى
بل إن طارد الأرواح ذو اللحية الحمراء بصق فمهة من دم قديم على الصليب، فاندفع وهج الضوء المكرم بعنف
لم يأخذ أحد كلمات “تيريزا” على محمل الجد، فالأرواح الشريرة ليست نادرة في هذا العالم
تلك الأجساد الروحية التي تتشكل لأسباب معينة كثيرا ما تتباهى بأنها حكام لتخدع الناس، وقد اعتاد طاردو الأرواح ذلك منذ زمن
في الحقيقة، لم تكن سوى أرواح أعلى مستوى
ظنوا أن حالة أميراتهم لا تختلف كثيرا عن ذلك
لكن سو لون كان يعلم أن هؤلاء على وشك مواجهة مصيبة كبيرة
فهذا الكائن كان يوما ما فعلا من مستوى علوي حقيقي
…
تأخر أهل قصر الدوق كل هذا الوقت لأنهم كانوا ينتظرون وصول هذه الأداة العظمى المختومة، الصليب، لضمان عدم الفشل
وبالفعل، كان ذلك الشيء فعالا جدا، إذ يستطيع طرد الأجساد الروحية الشاذة من داخل البشر
ففي النهاية، الكائن المجنح الساقط الذي فقد نار العلو وجسده المادي لم يعد من المستوى العلوي
وكان هذا الصليب، بخصائصه المكرمة، مؤذيا جدا للكيانات المظلمة
لم يمض وقت طويل تحت الضوء المكرم حتى بدأ السواد في تيريزا يتجمع ببطء في هيئة ظل روح شريرة
لكن ما لم يتوقعه أحد هو أن ظل “الروح الشريرة” لم يكن على هيئة إنسان فقط، بل كان له جناحان أسودان يمتدان أمتارا عدة من ظهره
ومع ظهور هذين الجناحين، هبط حضور شرير مهيب فجأة
وعند التدقيق في الظل، بدا شبيها بشكل صادم بالكائنات المجنحة الساقطة في الحكايات الأسطورية
لم يفهم المتفرجون ذلك وبدت الصدمة على وجوههم
ومن بعيد، تمتم سو لون لنفسه، “إذن هذا هو الكائن المجنح الساقط…”
صرخ طارد الأرواح ذو اللحية الحمراء، بخبرة واسعة، “هذه تقنية وهم لشيطان! احموا عقولكم ولا تنخدعوا!”
تناسق تلاميذه الستة بسلاسة، وشكلوا نمطا سداسيا، وبقي الحبل الذي يقيد “تيريزا” مشدودا، فلا يمنحها فرصة للانفلات
عندها، داس العجوز الممسك بالصليب بقدمه، فأضاء تشكيل النجمة السباعية تحت قدميه بضوء أبيض قوي، علامة واضحة على أنه يستعد لإطلاق ضربة قوية
في هذه اللحظة، أخرج زجاجة بلورية ورش الماء نحو “تيريزا”
سقطت المياه المكرمة على طيف الكائن المجنح الساقط، فصدرت فحيحا وتصاعد بخار كأنه حمض آكل
وبدا أن الخطة هي طرد “الشيطان” الذي تجسد في المكان
“آه… أيها البشر المساكين، لقد نجحتم في إغضابي!”
صار صوت “تيريزا” مرعبا للغاية، ممتلئا بالغضب وبنية قتل ساحقة
لو كانت روحا شريرة عادية، لكانت في هذه اللحظة قد دمرت أو طردت
لكن للأسف، هذا كان سيدا حقيقيا
فهمه لمختلف القوانين كان أبعد بكثير من أن يصل إليه هؤلاء الفانون
لقد فوجئ بهجوم سابقا، ولم يستطع التحرر من ضوء الصليب المكرم، لكن الآن، كان قد استعاد نفسه
وبينما كانت الروح على وشك أن تُطرَد من جسد تيريزا، قام بحركة حيّرت الجميع
اندلع لهب أسود فجأة من معصمه الأيمن، وتحول الحبل الفضي الذي يقيد معصمه في الحال إلى سواد شديد، وانتشر الظلام بسرعة من المعصم حتى وصل إلى طارد الأرواح الممسك بالحبل
“تبّا، إنها سرقة العناصر!”
تغير وجه الرجل ذو اللحية الحمراء بشدة، “تبّا، كيف يمكنه قلب القوة العظمى لـ ’حبل تقييد الروح’ بالقوة؟!”
سو لون، وهو يراقب من بعيد، لم يتفاجأ كثيرا
لقد رأى سو لون “سرقة العناصر” من قبل، فقد استخدمها السيد هي وجماعته حين قتلوا محترفا من الرتبة الخامسة
واستخدم السيد هي التقنية نفسها لإذابة تعويذة من الرتبة الخامسة بقوة من الرتبة الرابعة
واستخدام هذه التقنية يحتاج فهما عميقا للغاية للقوانين
كانت الأداة الخيميائية “حبل تقييد الروح” تحتوي على رونات تثبيت من الرتبة السادسة، وتحويل القوة العظمى الثابتة للرونات إلى قوة مظلمة أعقد من مجرد تقنية بسيطة، إذ يتطلب إتقانا لا يقل عن الرتبة السابعة أو الثامنة من التعويذات المكرمة
وفي الوقت الحالي، لا يوجد في العالم سوى قلة تستطيع فعل ذلك
لكن المؤسف أن هذا الكائن يستطيع
حاول طارد الأرواح ذو اللحية الحمراء اتخاذ إجراء علاجي
لكن بحلول ذلك الوقت
كان الأوان قد فات
“تيريزا” تحررت فجأة بيدها اليمنى، وغرستها في صدرها بلا تردد، فاندفع الدم متناثرا
هل انتحرت؟
سو لون، وهو يراقب من بعيد، بدا عليه الارتباك أيضا
كانت حركة محيرة
وليس له وحده، فقد بدا الذهول على الجميع في تلك اللحظة
جاء حراس القصر لإنقاذ شخص، والآن جعل الشيطان الذي يستحوذ على أميراتهم إياها تنتحر، ما الذي يحدث؟
وكان الأشد رعبا لم يأت بعد
“تيريزا” سحبت قلبها بيديها مباشرة، ثم سحقته بلا أي تردد
ومع “فرقعة”، انفجر كأنه كيس من سائل دموي، وتناثر الدم في كل مكان
الآن، تحولت الأميرة النبيلة الأنيقة إلى هيئة مرعبة غارقة بالدم
طرد الأرواح؟
واصلوا طرد الأرواح إن تجرأتم!
روحه ما زالت هناك، وتيريزا لن تموت بعد
لكن إذا طُردت الروح، فتيريزا بلا قلب ستموت حتما
عند هذه النقطة، فهم الجميع لماذا تصرف الكائن بتلك الطريقة
….
ومن بعيد، تعجب سو لون من الخطة، “هل يستطيع سيد فعلا أن يعيش بلا قلب؟”
تذكر فورا بعض تقارير الأبحاث التي رآها في ملاحظات الطبيب الشرعي جيرالد
ذلك الرجل كان يدرس أيضا هذا الموضوع، كيف يمكن النجاة إذا دُمّرت أعضاء حيوية مثل القلب
وكان الحل المقترح في الملاحظات هو صنع دوران للدم بقوة خارجية إذا لم تعد وظيفة ضخ القلب مطلوبة
لكن ذلك ظل تجربة نظرية، وها هو الآن مثال حي أمام عينيه
راقب سو لون بدقة تغيرات جسد “تيريزا” الذي في صدره ثقب دموي
وبعد أن حصد ذكريات جيرالد، صار يملك خبرة عميقة في تشريح الإنسان
وحين لاحظ علامات نبض خفيفة في الجسد، خمّن، “لا بد أنها تستخدم انقباضات العضلات مع قوة روحية مظلمة لصنع نظام دوران بديل… هس… يبدو أن حل جيرالد النظري يعمل فعلا”
سو لون، بصفته مراقبا، كان يتعامل مع الأمر بهدوء، لكن أهل القصر كانوا مذهولين تماما، ووجوههم شاحبة من الخوف
لم يتخيلوا أبدا أن الأمور ستنتهي هكذا، طرد أرواح بدا شبه مضمون تحول إلى أذى خطير للأميرة؟
إن ماتت، فلن يسامح الدوق المسؤولين عن حمايتها
لكن بعدما وصلت الأمور إلى هذا الحد، لم يعد أمامهم خيار سوى القتال حتى الموت
حتى لو لم يتمكنوا من إنقاذ الأميرة، فعلى الأقل كان عليهم قتل “الشيطان”
أمر الرجل الذي يرتدي زيا عسكريا ووجهه شاحب بحزم، “تحركوا، أمسكوا الشخص أولا!”
لكن “تيريزا” لم تمزق قلبها فقط لتجعل طارد الأرواح يتردد
اندفع مقدار هائل من الدم وتكاثف بسرعة في يديها ليصير نصلا أحمر
كان النصل مصنوعا بالكامل من ومضات حمراء، وبرق دموي يلمع فوقه، كأنها تقبض على صاعقة
ظهور هذا الفصل خارج مَجَرَّة الرِّوَايات إشارة واضحة إلى نقل غير مأذون للمحتوى.
ومع خنجر في اليد، تبدل سلوكه فجأة بشكل حاد
لم يكن هذا الكائن المجنح الساقط يستخدم الخيمياء، ولم يكن هناك أي تشكيل خيميائي ظاهر، لكن سو لون لاحظ بحدة أن خصلات رمادية ظهرت فجأة بين خصلات شعره الأسود، فاستنتج في ذهنه، “يبدو أنه استخدم تقنية محرمة تضحي بالعمر لتكثيف تشكيل روحي”
قيل إن جسد الأميرة تيريزا لا يتجاوز الرتبة الثانية، وهو ضعيف جدا رغم أنه مسنود بروح سيد
…
في غمضة عين، اشتبك الطرفان في قتال شرس
وكان سو لون قد فهم قليلا عن وضع المستوى الهاوي عبر أحاديثه مع معلمته سيريا
كان عالما ببيئة قاسية جدا للبقاء
والظروف المعادية للحياة داخل هذا الكهف ليست سوى صورة مصغرة عن ذلك المكان
لكن بالمقابل، كان مليئا بكائنات مرعبة
من ينجو في الهاوية يكون نخبة من نوعه
وهذا الكائن المجنح الساقط القادم من الهاوية لم يكن استثناء
فقط من مشاهدة تقنيات الخنجر السلسة لدى “تيريزا”، لم يستطع سو لون، “سيد القتال”، أن يرى أي ثغرة واحدة
لم يكن فقط يملك خبرة قتالية لا تشوبها شائبة، بل كان خنجر الصاعقة الحمراء في يده غامضا أيضا، فبمجرد الملامسة ينفجر الرعد، ويقطع الأسلحة العادية والعتاد الميكانيكي كأنها طين لين، وحتى عند صده، تتحول تلك الكهرباء القرمزية بالكامل إلى رعد عنصري، فتفاجئ الناس وتقتلهم فورا
قُتل محترفو الرتبة الأولى والثانية بضربة واحدة، ولم يصمد محترفو الرتبة الثالثة إلا بضع حركات، ولم ينج بالكاد تحت خنجر الرعد عند تعاونهم إلا محترفو الرتبة الرابعة المحميون بـ “حواجز عنصرية”
كان أهل قصر الدوق رافائيل يأملون في البداية أن يقبضوا على “الروح الشريرة”، لكنهم الآن، وسط المعركة، أدركوا كم كانوا سذجًا
وبشكل خافت، بدأ الجميع يشعر أن في ادعاء الروح الشريرة السابق عن كونها كيانا علويا شيئا من الحقيقة…
لكن
لم ير أحد قط كيف يبدو سيد
وكان القتال قد بدأ بالفعل
ولم يعد لديهم طريق للتراجع
فبصفتهم جنودا خاصين لقصر الدوق رافائيل، فإن حياة الجميع مجتمعين لا تساوي شيئا أمام حياة الآنسة تيريزا
لم يبق سوى خيار القتال حتى الموت
…
كم هو مرعب قتال المحترفين ذوي الرتب العالية؟
لفترة من الزمن، انفجرت شتى التعويذات العالية في الأنقاض كأن مفجرا يسقط القنابل بلا توقف، وصارت موجات الصدمة ترتفع أعلى فأعلى
وتحولت البنى الصلبة التي صمدت آلاف السنين بسهولة إلى غبار، وتطايرت الأطراف في الهواء، وتشكلت أنهار من الدم حقا…
“هذه القوة القتالية مبالغ فيها حقا…”
راقب سو لون من بعيد بعينين جادتين
حتى لو استخدم تقنية محرمة تقصر العمر، فإن “تيريزا” بالكاد بلغت ما توقعه السيد جينغ من امتلاك مستوى محترف من الرتبة الرابعة
لكن رؤيته وهو يصمد أمام اثنين من الرتبة الخامسة، ومعهما أكثر من عشرة من الرتبة الرابعة، وعدد كبير من محترفي الرتبتين الثانية والثالثة…
من يجرؤ على تصديق أن هذا مجرد رتبة رابعة؟
معدات أهل قصر الدوق لم تكن ضعيفة أبدا، كانوا نخبة النخبة، أقوى بعدة مستويات من أولئك القادمين من عائلات مثل أوليفر وكلارك
شتى الآثار القديمة، والأدوات الخيميائية، والعناصر الملعونة، واللفائف… كانت تُرمى كأن المال بلا قيمة
كأن المرء يسمع صوت المال وهو ينهال كالسيل…
لم يستطع سو لون إلا أن يوسع عينيه دهشة
حقا، في هذا العالم الذي يحكمه النبلاء، وحيث أشد الاحتياطات رعبا عند الأكثر ثراء، كانت أسس الدوق رافائيل مرعبة للنظر
ومع ذلك، حتى والمال يمهد الطريق، كانت خسائر حاشية الدوق تواصل الارتفاع
كانت الجثث تملأ الأرض، وتلوح كتل من “الضباب الرمادي” نحو سو لون بإغراء كأنها تناديه، مما أثار في نفسه غيرة شديدة
هؤلاء كانوا المساعدين الموثوقين للدوق رافائيل، مختارين من الأفضل بين الأفضل
يمكن تخيل جودة أرواحهم، أليس كذلك؟
لو حُصدت هذه كلها، فمن المتوقع أن يتم توفير ما لا يقل عن عشرة إلى ثمانية عشر عاما من تراكم المعرفة…
لكن رغم لعابه الذي كاد يسيل عليها، لم يجرؤ على القيام بأدنى حركة
فلبّ ساحة المعركة تحول الآن إلى طاحونة لحم، إذ لم يكن لمحترفي الرتبة الثالثة أي فرصة للبقاء، وكان محترفو الرتبة الثانية يواجهون الموت خلال لحظات
وعلى الرغم من أن سو لون كان أقوى قليلا من متوسط أصحاب الرتبة الثانية، فإنه لم يكن مغرورا لدرجة أن يظن نفسه قادرا على مواجهة المعركة وجها لوجه
“ما زال هناك اثنان من الرتبة الخامسة، وكثيرون من الرتبة الرابعة…”
تمتم في نفسه ليواسيها، مؤكدا أن شظايا الأرواح للمحترفين من الرتبة الثالثة فما فوق هي الكنوز الحقيقية
كما تمنى أن لا تكون شظايا الضباب الرمادي قد تلاشت تماما حين يصل السيد جينغ والآخرون
…
على الرغم من أن القتال بدا من طرف واحد، وقد سقط بالفعل عدة من أصحاب الرتبة الرابعة
بدأ سو لون يلاحظ تدريجيا أن هناك أمرا غير طبيعي
عمر الجسد البشري محدود، وهذا يعني أن تقنية “تيريزا” المحرمة لا بد أن لها حدا زمنيا ولا يمكن استخدامها مرارا
صار هذا واضحا وسط المعركة
ومع إطالة القتال، تحول شعر “تيريزا” إلى فضي بالكامل
ويبدو أن أهل قصر الدوق رافائيل لاحظوا هذا التغير أيضا
كلما ضغطوا أكثر، ماتت تيريزا أسرع
إذا استنفدت الأميرة تيريزا عمرها وماتت، فسيفقد القتال معناه
ومع ذلك، لم يكن أسرها حية ممكنا
يقاتلون أم لا يقاتلون…
هذا التردد منح “تيريزا” فرصة لقتل عدة أشخاص آخرين، بل إن اثنين من أصحاب الرتبة الخامسة أُصيبا بجروح متفاوتة تحت الخنجر الرعدي غير المتوقع
بدا الأمر كأنه وضع سيتكبد فيه الطرفان خسائر فادحة
ويبقى أن نرى، هل ستنفد حياة “تيريزا” أولا، أم سيُقتَل جميع رجال الدوق
…
لكن لم يلاحظ أحد أن عمليات القتل لدى “تيريزا” كانت تقع في الغالب عند عقد خاصة معينة، وأن مواضع الجثث بدت كأنها مصطفة مع تشكيل ما
ومع مرور الوقت، امتصت الأرض بهدوء دماء من سقطوا في المعركة
راقب سو لون من بعيد، وكانت العين العليمة تلتقط كل شيء أمامه
وسرعان ما رصد أيضا تدفقا غريبا للدم في الهواء، وتعرف عليه بوصفه تقنية محرمة تتشكل، ففكر، “هل يستدعي تعويذة محرمة؟”
لم يكن يوصف بأنه فوق النظام، بل بأنه “محرم”، أي… فنون علوية؟
وعند اكتشافه ذلك، لم يتفاجأ سو لون إطلاقا
فباعتباره قوة من مستوى السادة، يستحيل أن يخلو من أوراق خفية
وفوق ذلك، شعر أيضا أن “تيريزا” لا بد أنها خمّنت شيئا
الاستمرار في التشابك مع هؤلاء والتعثر أمامهم سيجعله أسوأ لاحقا
هل كان الكائن المجنح الساقط يخشى هؤلاء الرجال؟
لا
من البداية إلى النهاية، ما كان يخشاه حقا هو السير إسحاق الذي هزمه قبل 1000 عام
ورغم أن السيد جينغ والآخرين لم يظهروا بعد، فإن دلائل عدة كانت تشير إلى أن مؤامرة تستهدفه كانت تضيق شبكتها
تماما مثل خاتم بيستويا قبل قليل، وتوقيت “طرد الأرواح” الغريب كأنه مصادفة مقصودة…
لو كان سو لون مكانه، لكان قد صار يقظا منذ وقت طويل
…
خمّن سو لون أن “تيريزا” يجمع فنونا علوية
وبالفعل، في تلك اللحظة، صار الجو على ارتفاع مئات الأمتار عاصفا فجأة
وتجمع الضباب الكثيف في الأنقاض ليصير سحابة سوداء دوامة في السماء
كبرت الدوامة أكثر فأكثر، وتكثف مركزها ليصير ثقبا أسود قطره عشرات الأمتار
كانت هذه الضجة غير عادية إلى درجة أن حراس الدوق، المنهمكين في القتال على الأرض، توقفوا عن الضرب وألقوا نظرات خاطفة إلى السماء
كان هذا الاضطراب مبالغا فيه إلى حد لا يمكن أن تسببه أي خيمياء من الرتبة الخامسة أو السادسة
كأن نهاية العالم حلت
وفي تلك اللحظة، كانوا ما يزالون غير مدركين تماما لأي نوع من الكائنات يواجهون
لكن كان لديهم أيضا تخمين غامض
حينها، تشقق الثقب الأسود ببطء كاشفا عن حدقة تشع ضوءا غريبا شبحيا
كانت عينًا هائلة
في اللحظة نفسها التي فتحت فيها تلك العين الضخمة، اندفعت رهبة تجعل الناس يرغبون في العبادة من أعماق قلوب الجميع…
كأن قوة عظمى تحدق في العالم من علٍ
وكل شيء
لم يكن سوى نمل
كل من رأى تلك العين العملاقة، ركع واحدا بعد الآخر
حتى محترفا الرتبة الخامسة صمدا لحظة فقط قبل أن يركعا عاجزين عن المقاومة
ولم يبق على وجوههم سوى خشوع وهوس
ظن سو لون أن “تيريزا” سيسيطر على هؤلاء الناس ليحرسوه
لكن على نحو غير متوقع…
حين نظر ثانية، رأى حاشية الدوق تسل سيوفها في وقت واحد وتنتحر في مكانها
بنظرة واحدة فقط، هلكوا جميعا
وامتزجت دماؤهم وطاقتهم بالكامل في التشكيل على الأرض
في هذه اللحظة، ومع امتصاص قوة التشكيل، تشكل خلف تيريزا جناحان أسودان صلبان ببطء، بهالة طاغية إلى درجة لم يعد يمكن النظر إليها مباشرة
“قوة الكائنات الأدنى ضعيفة حقا…”
ترددت همسات الهاوية في الآذان، كأنها تحمل سحرا يجعل الناس يصدقونها
شعر سو لون بذلك الإحساس الغريب، فالتقطت عينه اليسرى فورا نصا على هيئة [؟؟؟]، وحجبت تلقائيا القوة المحرمة التي كان يمكن أن تجعله يفقد توازنه
وفهم في الحال، “لا يمكن النظر إلى العلوي مباشرة… هكذا إذن!”
عرف سو لون أنه قد كُشف
وفي تلك اللحظة، التفتت “تيريزا” فجأة لتنظر في اتجاهه
بنظرة واحدة، مات سو لون بعنف في مكانه
لكن لم يحدث أي انفجار للدم
كمرآة محطمة، تفكك جسده إلى ذرات ضوء
ومع رؤية هذا التحول، تغيّر لون “تيريزا” التي كانت قبل لحظة راضية عن نفسها
من الواضح أنها تعرفت على أصل هذه “القدرة المرآتية”
….
كان ذلك في اللحظة التي تشكلت فيها العين العملاقة في السماء، وفي مكان بعيد داخل ذلك البرج
السيد جينغ، رغم أنه لم يكن في ساحة المعركة، شعر أيضا بتلك القوة التي تدفع الناس إلى العبادة، وكان يعرف تماما ما هي
ففي النهاية، كانت هي الشخص الوحيد في هذا المستوى الذي رأى حقا “سيدا”
تمتمت، “قوة الإيمان… أخيرا يستخدم هذه الحركة، مع زوال نار العلو وبقاء قدر ضئيل فقط من قوة الإيمان، يبدو أنه يستعد للقتال حتى الموت ليهرب عائدا إلى الهاوية”
ومع وميض هذه الفكرة في ذهنها، اختفى جسدها من البرج

تعليقات الفصل