تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 370 : لوحات فان غوخ

الفصل 370: لوحات فان غوخ

كان [القلب العنصري رباعي الألوان] مصطلحا معروفا لدى أي خيميائي من سادة الدمى

يقال إن هذا الكنز من منتجات حضارة العفاريت، ويمثل قمة حرفة صناعة نوى طاقة الدمى

حتى الآن

أحد الأنظمة الثلاثة الرئيسية لتصميم نوى طاقة الدمى في السوق، وهو “النواة العنصرية”، مشتق من هذه المجموعة من تقنيات العفاريت

وهذا ينطبق أيضا على سلالة محرك الدمى لدى سو لون

دمى الرون التي يستخدمها حاليا، ونوى الطاقة الخاصة بالغرغولات الخيميائية، كلها تستخدم قلوبا عنصرية متعددة الوظائف

لكنها في الحقيقة نسخ غير مكتملة

حضارة العفاريت اختفت منذ سنوات لا تحصى، ولم يعثر السحرة القدماء إلا على بعض مخططات تصميم مجتزأة في نصوص ووثائق قديمة، لذلك فإن “القلوب العنصرية” الحالية غالبا لا تمتلك إلا عنصرا واحدا

الدمى المصنوعة بهذا النوع من النوى لا تملك عادة إلا قدرة واحدة، أما تصميم دمية بقدرات متعددة فيزيد صعوبة التصميم بشكل هائل، ويزيد الحجم المادي للدمية أيضا

لكن [القلب العنصري رباعي الألوان] المنسوب إلى حضارة العفاريت الأسطورية حل هذه المشكلة تماما، فهو نواة طاقة تمتلك في الوقت نفسه عناصر الأرض والرياح والماء والنار

وليس العناصر الأربعة الأساسية فقط، بل يمكنه أيضا التحويل بكفاءة بين عناصر متعددة، فيمد الدمية فورا بالطاقة التي تحتاجها، مثل البرق والضوء والظلام والخشب والمعادن، وأي مصدر طاقة مطلوب

وفوق ذلك، النقطة الأهم أنه يستطيع “تخزين الطاقة تلقائيا”

هذه النواة العنصرية يمكنها امتصاص القوة العنصرية من محيطها تلقائيا لإعادة الشحن عندما لا تكون قيد الاستخدام، بمعنى آخر، إنها نظريا “نواة طاقة بلا حدود”

يمكن اعتبارها الكنز النهائي الذي يحلم به كل سيد دمى

ولهذا صُدم سو لون حين سمع هذا المصطلح

إشراك غرغولاته الخيميائية في القتال بالفعل يمنحه قوة كبيرة

لكن الاستهلاك مرتفع بشكل مبالغ فيه

كل حركة تتطلب استهلاك كمية كبيرة من طاقة النواة البلورية، وكلها استخدام واحد، وكلما اشتد القتال زاد الاستهلاك، الأمر أشبه بحرق المال

وبصيغة أخرى

طريقة تزويد سو لون دماه بالطاقة حاليا تشبه إدخال “بطاريات جافة”

ولو حصل على [القلب العنصري رباعي الألوان] فسيكون الأمر كأن الدمى صارت تملك “محطة طاقة نووية” خاصة بها

هذا الشيء، حتى في ملاحظات معلمته سيريا، سُجلت محاولات لا تحصى لإعادة هذا الإنجاز العجيب من تقنيات العفاريت عبر جهود متواصلة

….

سأل سو لون بفضول أكبر: “هل تقصدين… أنه قبل نحو نصف سنة، عثر شخص ما على [القلب العنصري رباعي الألوان] من حضارة العفاريت على ’جزيرة عالم الجحيم ذات حاجز الضباب‘؟”

“نعم”

بدت الفتاة الشابة البائعة وكأنها ترى هذا الخبر معروفا للجميع ولا حاجة لإخفائه، فقالت: “كهنة معبد أغابارنون أكدوا هذا الخبر أيضا، ولهذا جاء كثير من سادة الدمى إلى هنا من كل مكان بعد سماعهم به، لكن ’جزيرة عالم الجحيم‘ خطيرة جدا، باستثناء الشخص الذي نجا في البداية بحظه، لم يُسمع عن أحد عاد بعد أن صعد إليها، ومع ذلك تم العثور على بعض الآثار القديمة وحطام السفن حول أطراف الجزيرة، ليس القلب العنصري وحده، بل كنوز قديمة كثيرة أخرى أيضا، وهذا يجذب كثيرا من المغامرين للمخاطرة…”

“فهمت”

استمع سو لون ورتب في ذهنه بسرعة سبب الأمر ونتيجته

ثم سأل: “من هو الشخص الذي نجا؟”

أجابت صاحبة البسطة الشابة: “البارون أوباترا الملقب حاليا بـ ’قلب الأسد‘، ملك المصارعين في الحلبة المركزية، بعد أن حقق مئة انتصار، شارك في ’اختبار البطل‘، وكان ينوي قتل وحش بحري عميق عالي الرتبة بمفرده، ثم دخل بالصدفة ’منطقة بحر حاجز الضباب‘ واكتشف الجزيرة المليئة بالكنوز، وبعض الناس يظنون أنها قد تكون أطلال مدينة قديمة مفقودة صعدت حديثا من قاع البحر…”

عند سماع ذلك، أدرك سو لون أنه ليس كنزا واحدا، بل كنوز كثيرة على تلك “جزيرة الشيطان”

وكان قد شعر بغريزته أنها قد تكون موجهة إليه، فمهنة محرك الدمى مهنة نادرة، وظهور كنز مغر كهذا فجأة بدا وكأنه مصادفة مريبة جدا

عندها فقط كادت شكوكه أن تتبدد تماما

اكتشافات الكنوز المفاجئة أمر شائع جدا في هذا البحر المليء بكنوز لا تُحصى

خصوصا أن الخبر خرج منذ ستة أشهر

في النهاية، كان هذا سوقا شعبيا، ولم يكن من اللائق الثرثرة طويلا مع أشخاص لا يعرفهم

لم يواصل سو لون الاستفسار، وخطط لزيارة تاجر معلومات لاحقا لشراء تفاصيل أكثر ببعض المال

كما لم تبدُ صاحبة البسطة مهتمة بالاستمرار أيضا، وبدأت تروج دمى الرون الخاصة بها مجددا قائلة: “سيدي، أرى أنك لا بد أن تكون محرك دمى، وهذه ’دمى الرون‘ لا يمكن أن تكون أنسب لك، أضمن لك أنها أفضل اختيار بين الدمى من الفئة نفسها، والسعر رخيص جدا أيضا”

توقفت لحظة، وكأنها تخشى أن تخسر زبونا كسبته بصعوبة، ثم قالت السعر مباشرة: “إن كنت مهتما، فـ ’الدمية الضاحكة‘ بخمسين ألف ريسو فقط، و’الدمية الناحبة‘ أغلى قليلا، بثمانية آلاف ريسو إضافية فقط”

كانت الفتاة ذات الشعر البني محقة، فدمى الرون بالفعل من أفضل الدمى من حيث الفائدة ضمن الفئة نفسها

نظر سو لون إليها ورأى أن مواد هذه الدمى وحدها يفترض أن تكلف أكثر من 30,000، ومع أجور العمل والرسوم التقنية صار السعر معقولا جدا

عادة، سادة الدمى لا يبيعون دمى القتال الخاصة بهم

إلا إذا كانوا بحاجة شديدة للمال

مع أنه لم يتحدث معها كثيرا، كانت لدى سو لون انطباع جيد عنها، فابتسم وقال: “كيف عرفت أنني محرك دمى؟”

أشارت صاحبة البسطة الشابة إلى أصابعه وقالت: “أصابعك نحيلة وطويلة، وعضلات الثني والبسط لديك متطورة، ورأيتك تشتري بعض مواد الدمى من بسطة أخرى، لذلك لا بد أنك محرك دمى، لا موسيقي”

ثم ابتسمت ابتسامة لطيفة وأضافت، وكأنها تشرح ملاحظتها غير المطلوبة وربما غير المهذبة: “في هذا السوق الشعبي، أهل المهنة يهتمون بأعمال بعضهم في النهاية”

بدت جيدة التربية، وعلى الأرجح أنها من خلفية محترمة

فإتقان فن الدمى ليس شيئا يستطيع محترف عادي تحمله كتسلية

كلامها لم يثر أي نفور، فنظر سو لون إلى كفه وابتسم: “ملاحظة جيدة، أعرف بعض الشيء عن تقنية الدمى”

أخرج كيسا صغيرا من العملات الذهبية وقال: “سآخذ الدمى الأربع كلها”

أشرق وجه الفتاة بسعادة فورية: “شكرا لك”

لم يمانع سو لون، وسألها بعفوية: “إن سمحت لي بالسؤال، هل لديك إرث في تقنيات الدمى؟”

لم يكن الحديث عن إرث المدرسة أمرا مخجلا، خصوصا للمحترفين، فالتقاليد الطويلة المعتبرة تجعل المعرفة تبدو أكثر أصالة وتستحق الاحترام

عند سماع السؤال، أجابت الفتاة بفخر: “هل سمعت عن نصف حاكم الخيمياء، السير إسحاق، قبل ألف سنة؟”

هز سو لون رأسه: “بالطبع”

أضافت الفتاة: “زوجة ذلك نصف الحاكم هي مؤسسة سلالتنا من ’محركي الدمى‘، والسلالة التي أرثها هي سلالة ’المعلم روبرت بويل‘”

عند سماع هذا، لمع بريق غريب في عيني سو لون وسأل: “روبرت بويل؟”

“نعم، هل سمعت عنه؟”

كان الحماس واضحا على وجه الفتاة

سادة الدمى مهنة نادرة، ومحركو الدمى أندر داخل هذه الندرة، لذلك نادرا ما يعرف أحد عنهم

كانت تظن أن لا أحد سيتعرف على الاسم، لكن الرجل أمامها عرفه بالفعل، بل ونطق الاسم بشكل صحيح

وتابعت بفخر واضح: “إنه أحد أجداد عائلة بويل الخاصة بي”

عند سماع ذلك، تنهد سو لون في قلبه بخفة، لم يتوقع أنهم في الحقيقة من المدرسة نفسها، وتمتم لنفسه: “السيد بويل معلم في مجال الدمى يستحق احترامنا”

كانت معلمته سيريا قد أخذت ثلاثة تلاميذ طوال حياتها، وكان روبرت بويل واحدا منهم

وبحسب الأقدمية، كان يُعد تلميذا أقدم من سو لون في المدرسة

وهذه الشابة هي سليلة تلميذه الأقدم

شعر سو لون بشيء من الحنين أيضا

في تلك اللحظة، لاحظ الخاتم في يد الفتاة، وكان يحمل شعار عائلة إسحاق

بدا لسو لون مألوفا جدا، فسأل: “ذلك… هل يمكنني إلقاء نظرة على الخاتم في يدك؟”

عند سماع هذا، تصرفت الفتاة كقطة داس أحدهم على ذيلها، فأسرعت تحمي الخاتم وقالت بوجه مشكك: “هذا ليس للبيع!”

ثم بدا أنها أدركت أن دفاعها المفاجئ قد يبدو غير مهذب لغريب، فشرحت: “هذا مجرد خاتم عادي، هو شيء موروث من عائلتنا، لا شيء مميزا فيه”

كان سو لون يعرف ذلك، فقد تم التعرف عليه كـ [خاتم خيمياء مكسور] بلا وظيفة خاصة

قال: “كنت فقط فضوليا وأردت أن ألقي نظرة، إن لم يكن ذلك مناسبا فانس الأمر”

عندما رأت الفتاة ابتسامة سو لون الصادقة واللطيفة، لم تجد سببا للرفض، فخلعت الخاتم من إصبعها النحيل وناولته بحذر: “إن كنت تريد النظر، فلا بأس”

أخذ سو لون الخاتم ورأى النقش على الجدار الداخلي: “يُهدى لتلميذي روبرت بويل”

كان قد انكب مؤخرا على قراءة كمية ضخمة من ملاحظات سيريا، وتعرف على خط اليد، لا شك أنه خط معلمته الراحلة

وهو ينظر إليه، أطلق سو لون زفيرا طويلا

هذا فعلا خاتم تركته معلمته قبل ألف سنة، يا لها من مصادفة

وبعد نظرة واحدة، أعاد الخاتم وقال: “شكرا لك، هذا أثر ثمين جدا، اعتني به جيدا”

بدت صاحبة البسطة حائرة بعض الشيء

لم يزد سو لون شيئا، وفي هذه اللحظة أخرج مجلدا وقال: “هذا يحتوي على بعض تصاميم الدمى التي صادفتها من قبل”

وبعد لحظة تردد، أشار إلى مواد الدمى على البسطة: “إن أمكن… أود مبادلتها بهذه المواد”

“تصاميم؟”

بدت الفتاة مذهولة قليلا، فتَصاميم الدمى قد تكون ذات قيمة كبيرة

وشعرت أن الصفقة غير عادلة بشكل واضح

هل يمكن أن تكون التصاميم فيها مشكلة؟

لا ينبغي ذلك، فزبون سخي كهذا لن يطمع في هذه المواد بلا سبب

ومن دون أن تتحقق من المحتوى، وافقت بسرعة: “حسنا!”

ابتسم سو لون وهز رأسه وجمع المواد وغادر البسطة

لم يمكث طويلا في سوق التبادل، واختفى تدريجيا بين الحشود

لم تستفق الفتاة، واسمها كاما، إلا بعد رحيله، وهي تحدق في المجلد بين يديها بشرود

في تلك اللحظة، ظهر صوت متحمس في عقلها: “أختي، أسرعي وانظري، أي نوع من تصاميم الدمى هذه!”

نظرت كاما إلى السلة بجانبها حيث لم يكن هناك أحد، بل كومة من دمى نصف مكتملة

عقدت حاجبيها برقة وتمتمت بصوت منخفض: “هابيل، قلت لك ألا تستخدم التواصل العقلي بتهور، هل نسيت عندما تعرضت عائلتنا لغارة قراصنة؟ أشتبه أن عائلة تيروميدو كانت وراء ذلك، ولو كنت ما زلت حيا فسيكون الأمر سيئا إن اكتشفوك، إن لم تسمع كلامي فلن آخذك معي إلى البسطة مرة أخرى”

عاد الصوت إلى عقلها: “فهمت يا أختي، لكن أرجوك افحصي التصاميم!”

لم تقل كاما شيئا أكثر، وفتحت المجلد الذي تركه الزبون الغامض

وبما أنها بدلته بتلك المواد فقط، افترضت أنه لا يمكن أن يكون تصميما أساسيا قيما لدمى

لكن لدهشتها، ما إن بدأت تقرأ حتى تجمدت نظرتها في مكانها

عندما رأت الرون الكثيفة المسجلة، وبصفتها وريثة سلالة “محرك الدمى”، فهمت أكثر من أي أحد، هذه كانت التصاميم الأصلية لـ “دمى الرون”

كيف يمكن هذا

ألم تكن مفقودة؟

كيف يمكن أن توجد تصاميم بهذه الدقة؟

“هذا…”

شعرت كاما وكأن صاعقة ضربتها، وفرغ عقلها في لحظة

وبعد لحظة قصيرة من عدم التصديق، أدركت أخيرا ما رأت، فاستدارت بسرعة تنظر إلى الحشد تريد أن تعثر على شيء

للأسف، لم تعد ترى هيئة ذلك الزبون

كان سو لون يتمشى في الشوارع

وقد لاحظ بطبيعة الحال أن تلك الدمى نصف المكتملة التي أحضرتها صاحبة البسطة الشابة كانت تبث تقلبات روح

دمية لها روح؟

هذا مثير للاهتمام

حقا، إنها سلالة تستحق اسم معلمتي، يبدو أنهم صنعوا بعض الدمى اللافتة

لم تكن لدى سو لون نية للاستقصاء أكثر

فحالته الحالية لم تكن جيدة، وقد تندلع معارك عنيفة في أي لحظة

وبما أن سلالة “روبرت بويل” استمرت ألف سنة، فلتكمل طريقها

كان قد منحهم بعض المخططات الأساسية لدمى الرون، وهذا كان طريقته في رعاية أبناء المدرسة

فكر سو لون في الأمر، ثم عاد وزار عدة سماسرة معلومات في المدينة

استفسر من مصادر عديدة عن كنز الدمى المعروف باسم “قلب العناصر الأربعة”، وكاد الجميع يؤكد أن الشائعات صحيحة

وبالفعل، تم اكتشاف أرخبيل جديد يحمل اسم “جزيرة الشيطان”، ويقال إنه يحوي كنوزا كثيرة

أما عن المخاطر، فقيل إن المنطقة البحرية تضم وحوشا بحرية قوية كثيرة، خصوصا قرب “جزيرة الشيطان”، حيث يتردد أن البحر هناك يضم كائنات مغنية مخيفة، وكائنات مجنحة جارحة، وأشباح البحر، وكل أنواع الوحوش البحرية الغريبة والمخيفة، كما توجد وحوش سحرية ضخمة وشرسة، مثل أخطبوطات ذات لوامس يبلغ طولها مئة متر، وغوريلا بحجم جبل، وتماسيح عملاقة من أعماق البحر، وأسماك مضيئة، ومخلوقات طائرة هائلة

الوحوش في البحر أمر طبيعي

لكن عندما سمع سو لون أحدهم يتحدث عن رؤية وحش أخطبوط عملاق بطول مئة متر، امتلأ قلبه بالتوقع

فصناعة الأخطبوط الميكانيكي تتطلب استخدام أجهزة عصبية حيوية وبعض أنسجة الجسد كمواد، وكان يحتاج إلى عينة حيوية كبيرة بما يكفي ليصنع أخطبوطا ميكانيكيا أكبر

والأهم أن اتجاه “جزيرة الشيطان” لا يختلف كثيرا عن مسار الوصول إلى آثار الفراغ

وفي كل الأحوال، كان لا بد أن يذهب إلى هناك

وإن أمكن، كان يريد وضع يده على “قلب العناصر الأربعة”

بالنسبة إلى سو لون، الحصول عليه لا يقل عن امتلاك عدة تماثيل غرغول مكتملة إضافية، وإن استطاع أيضا الحصول على مخططات التصميم الأصلية من عصر حضارة العفاريت، فسيكون ذلك كنزا لا يقدر بثمن، وربما يعيد كتابة مستقبل تطور نوى طاقة الدمى في هذا العصر

القول إنه غير مغر سيكون كذبا

المعلومات التي جمعها من تجار الاستخبارات كانت مختلفة ومتفاوتة، وبعد الاستماع والتحليل، صار لدى سو لون تصور عام

باختصار، تلك المنطقة البحرية مليئة بمخاطر مجهولة كثيرة

وفي النهاية، بعد التفكير، قرر أنه يريد مقابلة الشخص الوحيد الذي نزل على “جزيرة الشيطان” ثم نجا، وهو البارون أوباترا الملقب بـ “قلب الأسد”

وفوق ذلك، صار لدى سو لون اهتمام شديد بمفهوم “اختبار البطل”

في روما، توجد منظومة إرث خاصة، حيث يمكن للمصارعين بعد أن يحققوا مئة انتصار متتال، وهو عدد مجازي يعني أنه لم يعد لهم منافسون، أن يختاروا خوض “اختبار البطل”

عليهم أن يبحروا وحدهم، ثم يقتلوا وحشا بحريا قويا بما يكفي

وعندما يعودون برأس الوحش البحري كقربان، يمكنهم نيل بركة “سيد الحرب تير” والحصول على إرث خاص

عادة، المؤهلون لـ “اختبار البطل” يكونون في حدود الرتبة السادسة

وبعد عودتهم ونيل البركة، تكون فرصتهم في اختراق الرتبة السابعة عالية جدا

واصل سو لون السير في الشوارع

كانت شوارع دولة مدينة موروس واسعة جدا، ومخططة بعناية مع حس جمالي واضح

كان هناك طريق يتسع لثماني عربات تجرها الخيول تسير جنبا إلى جنب، يمتد من الشمال إلى الجنوب عبر المدينة ويقسم المشهد العمراني إلى نصفين

ومن الوقوف على الشارع الرئيسي، يمكن رؤية ساحة النافورة الكبرى في مركز المدينة من النظرة الأولى

وفي وسط الساحة كان يقف تمثال ضخم بارتفاع يقارب مئة متر

كان التمثال يجسد محاربا بذراع واحدة، يمسك سيفا طويلا، وتفوح منه هيبة طاغية ووقار عظيم

كان هذا “تمثال سيد الحرب تير”، رمز العبادة لدى أهل روما

لم يكن على التمثال أي لباس، وكانت خطوط العضلات ملتوية وجميلة، تعكس تقديس أهل روما الفطري للقوة والجسد

معدلات موت المصارعين في روما كانت مرتفعة جدا، لكن معظمهم كان يدخل هذا الطريق بإرادته

السبب أنهم بطبعهم، منذ الولادة، لا يخافون الموت، بل يخافون موتا عاديا

الموت الطبيعي، أو الموت بالمرض، كانوا يسمونه “موت القش”، أي موتا عاديا مثل قش جاف

ولم تكن هذه النهاية مثالية عند الروماني، الذي يفضل الموت بشجاعة في ساحة القتال

لأن أساطير روما تقول إن المحاربين الشجعان بعد الموت يذهبون إلى العالم السماوي، وترافقهم كائنات مجنحة إلى “قصر فالهالا”، وفي ذلك القصر السماوي ينالون أطيب ما في عالم البشر

وببساطة

ينعمون برغد عظيم، مع الشراب والطعام ورفقة لطيفة، ويعيشون أجواء احتفال وفرح بلا انقطاع

مر سو لون قرب الساحة المركزية، ورأى رجالا رومانيين بعضلات بارزة يصلون أمام التمثال

وعرف أن البارون أوباترا الملقب بـ “قلب الأسد” موجود حاليا في أكبر بيت لهو في المدينة

مثل هؤلاء الأقوياء كانوا محبوبين جدا لدى النساء، ومشاركة الوقت معه كانت حلم كثير من نساء روما، وحتى سيدات النبلاء كن يتمنين إنجاب نسل منه

في أساطير روما، نسل الأبطال أكثر احتمالا أن يصير أبطالا بدورهم

فهم سو لون الأمر كأنه يشبه… فحلا

بذرة جيدة، نسل جيد

لكن بعد أن تجاوز الساحة المركزية بقليل، توقف فجأة

نظر سو لون إلى الرسام الذي كان يرتدي لباس روما المحلي ويرسم بورتريهات للمارة ليكسب المال

وعند النظر إلى الرسام ذي الشعر الأشعث، ورغم أن ملامحه بدت غير مألوفة، فإن جوهر نار روحه كان مألوفا جدا

تعرف عليه سو لون من النظرة الأولى، كان واحدا من “أشهر عشرة صيادي مكافآت أسطوريين”، المعروف باسم “رسام يد الحاكم” فينسنت فان غوخ

صياد مكافآت أسطوري يبيع لوحات هنا؟

“هل فشل هذا الرجل في الاغتيال سابقا، والآن لحق بي إلى هنا؟”

خطر لسو لون شيء ما

كان الرسام يحرك فرشاته على قماش الكتان، وفي اللحظة التي كان فيها سو لون يراقبه، بدا أن الرجل أحس بشيء، فالتفت ونظر نحوه

وعندما رأى سو لون ابتسامة ترتسم عند زاوية فم الرجل، عرف أيضا أنه قد تم التعرف عليه

ومن هيئة الطرف الآخر، بدا أنه يميل أيضا إلى الدردشة

لم يشعر سو لون بأي استعجال للمغادرة

وبعد أن انتظر بضع دقائق، غادرت السيدة التي اشترت الصورة الذاتية

ثم تقدم سو لون

فان غوخ، أحد أشهر عشرة صيادي مكافآت أسطوريين، لم يتصرف بتعال، بل بادر لتحيته بنبرة مرحة: “يا لها من مدة طويلة منذ آخر لقاء”

مع أن سو لون لم يشعر أنه قريب من الرجل، فإنه لم ير أي نية عدائية، فأجاب بأدب: “السيد فان غوخ، نعم، مرت مدة طويلة فعلا”

لم يبدو أن فان غوخ يهتم بشهرته، بدّل لوحته وبدأ يلتقط مشهد المدينة، وبينما يرسم قال: “يجب أن أقول إن أهل روما يفهمون الفن حقا، العمارة هنا جميلة جدا… وعلى ذكر ذلك، كنت مرمما للجداريات هنا عشر سنوات”

استمع سو لون وفي قلبه قدر من الدهشة

هل كل الأساتذة الكبار بهذا التواضع، حتى أنه كان مرمما للجداريات، ويبدو أنه يحب هذه المهنة؟

لم يكن سو لون مهتما بالحديث عن الفن، فدخل في صلب الموضوع وسأل: “من الذي تعمل لصالحه؟”

تحدث فان غوخ بنبرة مرتاحة: “أنا صياد مكافآت… وأنا بالطبع أعمل لصالح المال، في المرة السابقة كان ذلك لأنني قبلت مكافأة من العائلة الملكية في لوينغ، وكان علي أن أرد معروفا لا أستطيع رفضه فاضطررت للتحرك، هذه المرة… من الصعب القول”

كان سو لون فضوليا أيضا بشأن تكلفة استئجار صياد مكافآت أسطوري كهذا، فسأل: “ما الثمن الذي يتطلبه أن تقدم خدماتك؟”

لو استطاع حقا استئجار فان غوخ بالمال، فسيكون ذلك عائقا كبيرا إن اندلع قتال

ابتسم فان غوخ بخفة وقال: “يتوقف على مزاجي”

“…”

عند سماع ذلك، عرف سو لون أن استئجاره مستحيل

مثل هذه القوى العليا، خصوصا من يرتبطون بالفنون، غالبا ما تكون لديهم أفكار غريبة

سأل سو لون بعفوية: “هل جئت من أجل ’أميرة قمر الصقيع‘ ستيكا؟”

لم يخف فان غوخ هدفه أبدا: “نعم، لكنها اختفت عن الأنظار، وصعب قتلها… ومع ذلك سمعت أن كثيرا من الناس وضعوا أعينهم عليها، ربما لن تكون هناك حاجة لأن أتحرك”

رغم أن البحر الشمالي أرض قراصنة، فإن لوينغ ونبلاء الدوق رافائيل لديهم شبكات استخبارات شاملة

لا بد أن هذا الرجل يملك معلومات ذات صلة حتى يتبع الأثر إلى هنا

لقاؤه مرتين لم يجعل سو لون يظنها مصادفة، كان يشعر دائما أن الرجل يبدو كأنه يعرفه

لكن بما أنه لم يصرح من تلقاء نفسه، فالسؤال لن يجلب نتيجة بالتأكيد

وبعد تفكير، جس سو لون النبض: “إن أمكن، أود شراء بعض المعلومات”

قال فان غوخ: “أوه؟”

قال سو لون: “أريد وضع يدي على كنز بحوزة أميرة قمر الصقيع، ويبدو أنه هدية تبادلها أوليغ مع مافا”

قال فان غوخ: “أنا أعرف ذلك فعلا”

ثم تابع: “أميرة ’قمر الصقيع‘ ستيكا على الأرجح سترافق سرا شحنة عائدة إلى مافا خلال الأيام القليلة المقبلة، عند الرصيف السابع، السفينة لم تُحدد بعد، لكن يُتوقع أن تكون سفينة قراصنة، والتوقيت الدقيق للشحنة لم يؤكد بعد، لكن هناك بالفعل عيون كثيرة تراقب الأمر”

شعر سو لون أنه سأل الشخص الصحيح: “ألن تذهب؟”

كانت هذه معلومة لم يجدها حتى بعد سؤاله سماسرة المعلومات

هز فان غوخ رأسه وقال: “لا، لن أذهب، أنا مهتم بالناس فقط، من يريد أن يتعب نفسه بتلك الشحنة فليفعل”

ثم توقف قليلا وقال: “وفوق ذلك، اعترض أحدهم معلومة سرية تقول: ’عندما تصل التيارات والرياح المنتظرة، يجب أن نبحر فورا‘، أظن أن في الشحنة شيئا ذا قيمة كبيرة، لكن نية الأميرة ستيكا الحقيقية قد تكون استخدامها طعما للإبحار وجذب الانتباه”

ضاقت عينا سو لون قليلا بينما تسارعت أفكاره

هذا الرجل شارك معلومة بهذا المستوى من السرية؟

قد لا يفهم الآخرون معنى تلك العبارة، لكن سو لون فهم، فالوصول إلى منطقة آثار الفراغ يحتاج انتظار تيارات بعينها واتجاهات رياح محددة

بحلول ذلك الوقت، كان فان غوخ قد أنهى لوحته

قال: “هذا عملي الجديد، ’آكلو البطاطا‘…”

وأشار لسو لون كي ينظر إلى اللوحة، وعيناه ممتلئتان بالثقة، وكأنه راض جدا عن عمله

كانت لوحة غريبة نوعا ما

على القماش، ظهرت عدة أشكال مجردة جالسة حول طاولة طعام، تمسك شوكا وسكاكين

على الطاولة طبق بطاطا، وبدا وكأنهم يتفاوضون على كيفية تقسيمها للأكل

مصباح زيتي خافت أضاء زاوية، وكانت النبرة العامة للوحة قاتمة

نظر فان غوخ إلى لوحته بنظرة عميقة، وعقد حاجبيه كأنه لا يفهم شيئا تماما

وبعد تأمل، تمتم بنبرة غير واثقة: “هل يحتوي الظلام على مخلوق مخيف؟”

كأنه رأى “إشارة” ما في اللوحة

قدرة عرافة؟

فهم سو لون شيئا بشكل خافت

إذن محور اللوحة لم يكن الأشخاص الذين يمسكون أدوات الطعام، بل الخلفية؟

شعر أن قدرات هذا الرجل فريدة فعلا

لكن ما معنى هذه الجملة الغامضة؟

التالي
370/624 59.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.