تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 410 : الخيمياء الفلكية – الإمبراطور الأحمر

الفصل 410: الخيمياء الفلكية – الإمبراطور الأحمر

بعد 10 أيام، عند الظهر، استطاعت سفينة حيتان بيضاء تجارية أن ترى من بعيد المدينة الهائلة عند الساحل

وصل سو لون من جديد إلى دولة مدينة موروس

لكن الرحلة لم تكن سهلة

كان هناك في السابق عدة طرق بحرية مستقرة من الجنوب إلى الشمال باتجاه مدينة روما، ورغم أنها لم تكن هادئة دائما، فإنها كانت تضمن على الأقل ألا تصادف السفن التجارية العواصف خلال 8 أو 9 أشهر من السنة

لكن هذه المرة واجه سو لون وطاقمه عدة مرات طقسا شديد الخطورة، بعواصف مرعبة ودوامات هوائية وأمواج مخيفة، ولولا مهارة تاني العالية في الإبحار لكانت السفن العادية قد غرقت في قاع البحر منذ زمن

بعد أن دخلت السفينة التجارية الميناء، لاحظ سو لون أن الميناء الذي كان يعج بالضجيج والحركة في دولة مدينة موروس صار خاليا على نحو واضح، إذ إن 8 أو 9 أرصفة من كل 10 كانت فارغة، ولم يبق سوى بضع سفن تجارية تنزل البضائع أو تحملها

كان عمال الميناء والعبيد في الغالب بلا عمل

يتجمعون في مجموعات من 3 إلى 5، يلعبون الورق ويتحادثون بكسل بلا أي حيوية

“يا رجل، الحياة صعبة هذه الأيام، كمية البضائع التي ننزلها في يوم صارت أقل من عُشر ما كانت عليه، والآن ارتفع سعر الطعام عشرة أضعاف، بالكاد نستطيع أن نأكل”

“لا يأتي تجار الحبوب، فكيف لا ترتفع الأسعار”

“ومن يجرؤ على القدوم أصلا، في بداية هذا الشهر جاءت 8 سفن من هاستلِن، فغرقت كلها في العاصفة، وفي منتصف الشهر رأى تجار الحبوب الأسعار ترتفع فأرسلوا أكثر من 10 سفن محملة بالحبوب، ولم تصل إلى الميناء إلا 3، الطقس يزداد سوءا، من يجرؤ على القدوم”

“ليست المشكلة في الطقس فقط، سمعت أن سيد البحر يريد معاقبة روما، هل سمعتم بحادثة جزيرة الشيطان”

“اصمت، انتبه لما تقول”

نزل سو لون والسيد جينغ من السفينة

حتى من دون تنصت، كان يمكن سماع معظم عمال الرصيف يشكون من تدهور أعمال النقل

ولكي يظلوا غير لافتين، أحضرت شركة الحوت الأبيض للتجارة سفينة مليئة بالحبوب، وما إن رست حتى تزاحم حولها العمال النشطون، يتسابقون لنيل عمل التفريغ

تولى مدير الشركة أمر التفريغ، ولم تكن هناك حاجة لأن يقلق سو لون وطاقمه بشأن ذلك

مروا بجوار الرصيف ورأوا سفينة “الأميرة ستيكا” وعدة سفن مرافقة ترسو أيضا في الميناء

ثم سار الرجلان على الطريق باتجاه بوابة المدينة

كانت هوية تجار الحبوب مفيدة جدا، فلم يجرؤ حراس روما عند بوابة المدينة على افتعال مشكلة، ودخل الاثنان بسهولة شديدة

كانت المدينة كما هي، لكنها أقل حيوية بكثير

كان سو لون قد جاء إلى هنا من قبل، وكانت المدينة في ذلك الوقت مزدحمة بتجار أجانب ومغامرين وقراصنة بأعداد كبيرة

أما الآن فالمتاجر شبه خالية، والشوارع باردة ومقفرة، ولا يظهر فيها سوى قلة من المارة يبدو أنهم من السكان المحليين

واصل الاثنان السير حتى اقتربا من الساحة المركزية، ثم توقفا

ضيّق السيد جينغ عينيه وهو يتأمل تمثال سيد الحرب تير في الساحة، وقال متعجبا: “غريب، لماذا طاقة الإيمان شحيحة جدا هنا”

استمع سو لون ونظر حوله

هو لا يستطيع استشعار أي طاقة إيمان، لكن بما أن أخته الكبرى قالت ذلك فلا بد أن هناك مشكلة

ومضى وقت طويل ولم ترتخ تجاعيد جبين السيد جينغ، وبقي حائرا: “معبد أغابارنون قائم منذ آلاف السنين، ولا يمكن الاستهانة به، استعدوا، سأجول في المدينة أولا لأتفقد الوضع”

“حسنا”

أومأ سو لون ولم يزد

ثم افترقا

كان السيد جينغ قد حصل على معلومات تقول إن الكاهن الأكبر لمعبد أغابارنون قد تنبأ بمشاهد عبر وسائل غامضة، ومن المرجح أنه يعرف أن مجموعة الفجر ستأتي إلى دولة مدينة موروس

لم يمنعهما أحد، وكأن الأمر محتوم ولا فائدة من محاولة إيقافه

كان خبراء أسطول البحر الشمالي على الأرجح داخل المدينة الآن، ينتظرون ظهورهم فقط

لكن السيد جينغ لم يكن ضمن النبوءة

وقبل المعركة الكبرى، أرادوا دخول المدينة أولا لمعرفة الوضع

بعد أن افترقا، أخذ سو لون يتجول في المدينة وحده

دار حول الساحة المركزية ولم يستطع إلا أن يتذكر المرة التي التقى فيها هنا بـ “رسام السيد” فينسنت فان غوخ، ذلك الرجل كان قد زوده أيضا بمعلومات مهمة جدا

والآن حين يفكر بالأمر، فالأرجح أن ذلك كان من تدبير كاتيوشا

تحالف الزواج بين أسطول البحر الشمالي وإمبراطورية مافا كان شيئا لا تريد عائلة لانس، التي تسعى للسيطرة على البحر الشمالي، أن تراه يحدث أبدا

ولهذا بدا اغتيال الأميرة ستيكا منطقيا

ولسبب ما، تذكر سو لون فجأة المرة التي ضربه فيها دوق لانس، وكأن خده ما زال يؤلمه قليلا

“دوق كبير فعلا، لم يرحمني أبدا”

هز سو لون رأسه بلا حول واستمر في السير

وبينما كان يتجول بلا هدف، وجد نفسه من دون أن يشعر في شارع الفظ في الجزء الشرقي من المدينة

كان هذا حي الحانات في المدينة

السكارى لا يتوقفون عن الشرب بسبب الركود الاقتصادي، وكان المكان أكثر حيوية من قبل

ومع غياب الغرباء، صار البحارة الذين كانوا يعتاشون على السفن بلا عمل، يقضون أيامهم كلها في الحانات يغرقون أحزانهم

كان هذا أكثر مكان صاخب في المدينة، فقرر سو لون الدخول

اختار مقعدا قرب النافذة وطلب زجاجة من شراب الروم

كان الوقت نهارا، ومع ذلك كانت الحانة مليئة ببحارة ثملين حتى فقدوا اتزانهم

لم يتوقف صخب الصراخ والشتائم

ورغم كثرة الناس، فإن معظمهم بحارة فقراء، وقد اختفت مصاريف الغرباء التي كانت تدر المال

“يا أوفار، أيها الوغد، ادفع أولا ثمن الشراب الذي دِنته أمس”

“يا زعيم، نحن أصدقاء منذ زمن، ما رأيك أن تسجله علي الآن، لم أنضم إلى أي فريق مغامرة ليبحر هذه الأيام، وسأسدد كل شيء حين أجد عملا”

“هه، ومع هذا الوضع ما زلت تتوقع أن يستأجرك أحد للإبحار، المرة الماضية ذهب إلى جزيرة الشيطان مئات الآلاف من المغامرين، وسمعت أن بضعة آلاف فقط عادوا أحياء، من يجرؤ بعد الآن على القدوم إلى روما، لولا أن كل مدخراتي مستثمرة في هذه الحانة داخل المدينة، لكنت غادرت منذ زمن”

“نعم، والآن تنتشر شائعة أن الكنز كان مؤامرة تعمد المعبد صنعها لجذب المغامرين واستخدامهم في “قربان البحر”، سواء كانت صحيحة أم لا، بعد رحيل مئات الآلاف، من سيجرؤ على القدوم، ومن يجرؤ على الإبحار”

“كلها أكاذيب، هل تظن أن العواصف في البحر مزيفة، وأن موت عشرات الآلاف مزيف، لولا الأفعال القذرة التي فعلها أولئك الكهنة، هل كان سيصل الأمر إلى هذا”

“اصمت، لا تتفوه بالهراء”

“وما الذي أخشاه من قولها، الجميع يعرف أنها عقاب سيد البحر، تباً، مجموعة الكهنة في المعبد يتظاهرون بالطهارة كأنهم ملائكة، لكنهم منافقون”

“توقف عن الكلام، إغضاب كهنة المعبد جريمة كبيرة”

“إغضاب، هاهاها، الأخبار انتشرت، من في المدينة لا يعرف، “قيثارة سيدة الإلهام” موجودة هنا في المدينة، إن كانت كذبا، فلماذا لا يأتي كاهن ويعزف عليها ليرى الناس، هل يجرؤ منافقو المعبد على إظهار وجوههم، إن نفد الطعام فعلا، هل يعرفون كم شخصا في روما سيجوع، شتمي لهم أهون ما سيكون”

الخمر يطلق اللسان، وهؤلاء الشيوخ الخشنون، مع الثمالة، أخذوا يشتدون في شتائمهم حتى احمرت أعناقهم

جلس سو لون يستمع برهة، وبدأ اهتمامه يزداد تدريجيا

هو شاهد بنفسه حادثة جزيرة الشيطان، ويعرف أن ما يقوله هؤلاء البحارة صحيح

لكن ما حيّر سو لون أن الأخبار لا ينبغي أن تنتشر بهذه السرعة

لو كان هو حاكما في مدينة روما، لقمع مثل هذا الرأي العام السلبي بكل قوة

وفوق ذلك، المعبد كان عقيدة أهل روما منذ آلاف السنين، ولا يمكن أن تنهار هيبته بسبب “شائعات” فقط

وهؤلاء يرمون كلمة “فضيحة” بسهولة، ما القصة

مع أن سو لون كان يعرف فضائح معبد أغابارنون

الكاهنة العليا هيلفي كانت حبيبة أوليغ ولها ابن غير شرعي، أونيس بوبوف، قائد الأسطول الثالث، وهذا الرجل ليس بسيطا أيضا، فقد تورط مع جميع الكاهنات في المعبد

لكن مثل هذه الفضائح لا ينبغي أن يعرفها عامة الناس

“هل هناك من ينشر هذه الأخبار عمدا؟”

خمّن سو لون الأمر فورا

أما “قيثارة سيدة الإلهام” التي سمع عنها من قبل، فهي أيضا من الآثار المكرمة التي ضاعت في أساطير روما

يقال إن الفتيات الأكثر صفاء في القلب وحدهن يستطعن تحريك أوتارها لتخرج أروع موسيقى في العالم

وكانت في الماضي تُعزف في الأعياد الكبرى لتجميع طاقة الإيمان

والغريب أن هذه القيثارة التي ضاعت قرونا ظهرت في هذا الوقت الحرج

والآن كاهنات معبد أغابارنون لم يعدن عذراوات، ولذلك لا يستطعن تحريك الأوتار

ولو كانت شيئا آخر لربما حطمها أهل روما منذ زمن، لكن لأنها أثر مكرم مرتبط بالإيمان، لم يجرؤ أحد على لمسها

فهل هذا هو سبب شك السيد جينغ سابقا في انهيار الإيمان داخل المدينة

أليس هذا مساعدة من القدر

رأى سو لون أن هذه أخبار جيدة

بالنسبة لأتباع المعابد، طاقة الإيمان هي أهم مصدر قوة في القتال

فإذا فقد المعبد مصداقيته، فقد لا يطيع محاربو روما أوامره كما كانوا

تماما كما يحدث الآن

في الحانة، إضافة إلى البحارة، كان هناك عدد غير قليل من أهل روما، بل وحتى بعض الجنود بمدرعات نظامية

لكنهم وهم يستمعون إلى البحارة يشتمون المعبد، كانوا يشربون بصمت، ولم ينطق أحد بكلمة

ولكن حين يعلمون أن هناك أفعالا مخزية، فمهما كان المحارب شجاعا، ستضعف ثقته من الداخل

سيد حرب روما “تير” يرمز إلى النزاهة والعدل

يمكنهم مواجهة الموت دون خوف، لكنهم يحتقرون الأساليب الدنيئة والقذرة

وفوق ذلك، أهل روما يواجهون المشكلات وجها لوجه، على عكس أسلوب المعبد الحالي القائم على التهرب

لذلك امتلأ الجميع بالشك

“من الذي ينشر هذه الأخبار؟”

زاد فضول سو لون

أسطول الشمال سيظن بالتأكيد أن هذه الشائعات من صنع “مجموعة الفجر”، عدوهم الأكبر

لكن سو لون يعرف أنها ليست منهم

“من يفعل ذلك يريد بطبيعة الحال إضعاف قوة أسطول البحر الشمالي وهدم أساس إيمان معبد أغابارنون، والمرشحون الأرجح هم العائلة الحاكمة في لوينغ وبعض النبلاء الكبار في الشمال”

فكر سو لون، ثم تذكر شيئا فجأة وقال في نفسه: “هل تكون عائلة لانس وراء كاتيوشا؟”

كان قد التقى في البحر الشمالي بـ “الدوق بارتولو لانس”، والدوق الكبير لا يملك وقتا ليضربه لغير سبب، لا بد أن وراء ذلك خططا أخرى

وبينما كان سو لون يفكر، ابتلع جرعة أخرى من الشراب ولم يواصل البحث في الأمر

فمهما كان الفاعل، فهذا خبر جيد لمجموعة الفجر على أي حال

أخرج جهاز الاتصال وتواصل مع السيد جينغ، ونقل إليه ما جمعه من معلومات

وجاءه أيضا خبر من جهة السيد جينغ، فقد كانوا يأملون في البداية التفاوض مع التجار لإيجاد حل، لكن القرار الآن أن التفاوض غير ممكن، وعليهم الاستعداد للقتال في أي لحظة

كما أنه اكتشف وجود كثير من الأقوياء داخل المدينة

لكن كل شيء ما زال يمضي تقريبا وفق الخطة الأصلية

بعد أن أنهى الاتصال، كان كأسه قد فرغ أيضا

لم ينو سو لون البقاء في الحانة أكثر، فنهض ليستعد للمغادرة

لكن في تلك اللحظة دخلت إلى الحانة هيئة مغطاة بعباءة ووجه محجوب، نظرت حولها ثم اتجهت مباشرة إلى طاولة سو لون

“سيدي، هل تسمح بأن أشرب معك؟”

كان الصوت ناعما لطيفا

حتى دون رؤية الوجه يمكن تخمين أنها فتاة ذات جمال واضح

لكن تعبير سو لون صار مذهولا

لقد تعرف إلى هذه الروح المألوفة منذ لحظة دخولها، فسأل: “كاتيوشا؟”

رفعت الهيئة حافة العباءة قليلا دون أن تكشف الوجه تماما، وأظهرت ابتسامة لامعة: “السيد سو لون، طال الغياب”

كان صوتها حميما يشبه دفء ضوء الربيع

نظر سو لون إلى وجه فتاة شابة وقطّب جبينه

لم تكن كاتيوشا التي يتذكرها

لا نمش على وجهها، ولا ضفائر بلون الكتان، بل شعر أرجواني جميل للغاية

كانت سيدة نبيلة فاتنة الجمال توصف بأنها تخطف الأنفاس

ابتسمت الفتاة ذات الشعر الأرجواني بلطف وجلست على المقعد العالي المقابل لسو لون، وكانت كل حركة منها مليئة برقي ابنة نبيل رفيع، ثم غطت وجهها مرة أخرى بالعباءة وقالت: “عذرا، لا يناسبني أن أكشف وجهي هنا”

شعر سو لون بغربة شديدة

وبعد تفكير، سأل: “هل أناديك كاتيوشا أم الآنسة يكاتيرينا؟”

“أي اسم مناسب”

أمالت الفتاة ذات الشعر الأرجواني رأسها، ووميض مشاكس يلمع في عينيها الواسعتين

التقطت ما في نبرة سو لون وقالت: “لم أكذب عليك قط، كاتيوشا لقب، لا يناديني به إلا أقرب أفراد عائلتي”

“حسنا”

شعر سو لون بانقباض لا يعرف سببه

الفتاة الخضراء الساذجة تحولت فجأة إلى سيدة نبيلة تقف أمامه برقي

نعم، إنها أجمل

لكنها ليست الصديقة التي يعرفها

كاتيوشا التي عرفها كانت بريئة نقية كصفحة بيضاء، وفي روحها ميل إلى الحكايات الجميلة

أما هذه أمامه، فرغم حسن تنكرها، فهي ليست نفسها

وفوق ذلك، اللقاء هنا يحمل رائحة خطط ومناورات تخنقه

خمّن سو لون شيئا ما

الفتاة ذات الشعر الأرجواني، وهي ترى سو لون هكذا، سحبت ابتسامتها البريئة تدريجيا، وصار بريق عينيها عميقا للغاية

أوقفت تنكرها بتعبير ساخر دون أن تفقد تهذيبها: “كنت أريد لقاءك كوجه مألوف، لكن يبدو أنني بالغت في حساباتي”

ثم ساد الصمت بينهما

كان سو لون يعلم أن هذا اللقاء صار حديث قوة ومصالح فقط

تنهد في قلبه وسأل مباشرة: “الآنسة يكاتيرينا، ماذا تريدين مني؟”

أجابت يكاتيرينا بوضوح: “أريد عقد صفقة معك”

لم يتفاجأ سو لون: “بشأن أسطول البحر الشمالي؟”

فبمجرد أن رآها أدرك أن ما يجري في البحر الشمالي يحمل بصمتها

مشروع صيد العبيد في الغابة الصامتة، وحركة الإصلاح في أمة ناسك الجبل، واغتيال مدينة القراصنة، والآن الرأي العام الذي يغلي في مدينة روما

كانت سياسية ماهرة ومخادعة على نحو غير عادي

هزت يكاتيرينا رأسها وقالت: “كان هذا أحد الأهداف في البداية، لكنه لم يعد كذلك”

رفع سو لون حاجبه: “حقا؟”

هذا الرد فاجأه، إن لم يكن بسبب المعركة القادمة، فبماذا

قالت يكاتيرينا بهدوء: “أسطول البحر الشمالي والأميرة من مافا نصبا كمينا هنا بانتظارك، الجميع يعتقد أن مجموعة الفجر ستباد حتما”

توقفت هنا، رفعت كأسها وأشارت به

وبحكم اللباقة، صدم سو لون كأسه بكأسها وشرب جرعة كبيرة

أما يكاتيرينا فارتشفت رشفة صغيرة بأناقة

لم تعد الفتاة الساذجة التي كانت تشرب حتى تفقد وعيها

تابعت: “كنت أريد تحذيرك أن أوليغ جاء بنفسه، لكن ما دمت هنا فالنصيحة لا فائدة منها، ويبدو أن قائدك الغامض في الفجر قد جاء أيضا”

نظر سو لون إليها: “كيف عرفت ذلك؟”

لمع بريق في عيني يكاتيرينا كأن شيئا لا يخفى عنها: “ليس بالتنبؤ، حتى الكاهن الأكبر لمعبد أغابارنون لا يملك القدرة على التنبؤ بوجود كهذا، أنا فقط أعرف أنك لن تكون متهورا، أن تأتي إلى دولة مدينة موروس وأنت تعلم أن هناك كمينا يعني أنك واثق، وأظن أن قائدك الغامض قد جاء أيضا”

لم يجب سو لون

وبعد لحظة، سأل من جديد: “إذن ما مضمون الصفقة؟”

عند سماع السؤال، لم تتعجل يكاتيرينا الرد

دارت أصابعها الرقيقة حول حافة الكأس، وفكرت قليلا ثم قالت ببطء: “أحتاج إلى عقد تحالف زواج مع عائلة ريجاديا”

كان صوتها منخفضا، لكن جبين سو لون تقطب على الفور

فهم المعنى فورا

زواج سياسي

كاد سو لون ينسى أن لديه هو أيضا هوية “فيك ريغاد”

سو لون ليس فيك، ولا يهمه أي تحالف زواج

شرب ما بقي في كأسه من دون تعبير

والآن صارت أشياء كثيرة واضحة

محاولة اغتياله الأولى على يد ويليام ريجاديا كانت بسبب هذا الارتباط أيضا

مع أنه لا يعرف لماذا لم تختر ويليام الذي يبدو أفضل بوضوح، واختارت “فيك”

لكن هذا لم يعد مهما

كان سو لون يطارده دائما موتُه السابق

لكن معرفة الحقيقة الآن بدت بلا وزن أيضا

لماذا يشعر بانزعاج شديد في داخله

هل لأن لقاء مدينة العاصفة الثلجية حوّل رفيقة شراب محتملة إلى قطعة جديدة في لعبة سلطة

تابعت يكاتيرينا: “هذا الزواج لن يؤثر عليك كثيرا، هو يحتاج فقط إلى هوية ’فيك ريجاديا‘، أنت ستظل سو لون، كل ما عليك أن تفعله أن تظهر في ليندون بعد 3 أشهر وتتلقى بركة جلالة الإمبراطورة معي، عندها فقط سيعترف نبلاء لوينغ بهذا الزواج، قبل ذلك وبعده، يمكن أن نبقى بعيدين عن بعضنا”

الزواج السياسي لا يحمل سوى تبادل مصالح

لم يكن في كلماتها أي أثر لمشاعر شخصية

أكبر نبيل في الشمال، وعائلة ريجاديا الصاعدة في الجنوب، اتحاد يكفي ليجعل بيت لوينغ الملكي في حالة حذر

يبدو أن المشهد السياسي في لوينغ على وشك أن يتغير

أضافت يكاتيرينا: “وشرطي أن أساعدك في هذه المعركة، وسأوفر لك بعد ذلك موارد أكثر وتسهيلات أكثر، تعاون وحماية وتطوير، كل ما تحتاجه مجموعة الفجر”

استمع سو لون بصمت بلا كلام

كانت “الآنسة يكاتيرينا” حادة جدا، فقد رتبت كل شيء قبل أن تنطق

وهذا الزواج يحمل فوائد كبيرة لسو لون أيضا

هوية لا قيمة لها لديه، مقابل فوائد لا تنتهي

لكن لسبب ما، لم يشعر بأي رغبة

كان ضيقه يزداد، لم يرد على شروطها، وشرب آخر ما في كأسه

ومضى وقت طويل دون أن يتكلم أي منهما

وصارت الأجواء أبعد وأبرد

كانت الفتاة ذات الشعر الأرجواني أمامه هادئة ومتماسكة وعقلانية وثابتة

لكنها التقطت شيئا ما، فمر في عينيها أثر مشاعر خافت جدا

في تلك اللحظة، أخرجت أخيرا صندوقا كانت تحمله معها

كان سو لون قد رأى هذا الصندوق الحجري من قبل، ويتذكر أنه كان يحوي نيازك صغيرة جميلة وثمينة

والآن حين فُتح

كان بداخله ما زال هناك عملة ذهبية منقوشة

أخرجت يكاتيرينا العملة ووضعتها على الطاولة وقالت بجدية: “السيد سو لون، لقد أعطيتني هذه العملة الذهبية من قبل، هل يمكنني استخدامها الآن؟”

تعرف سو لون إلى العملة من النظرة الأولى

كان قد قال حين أعطاها لكاتيوشا لأول مرة: “أدين لك بفضل”

وعندما رآها الآن، تشكلت سخرية على وجهه الجامد

وفي تلك اللحظة بدا كأن شيئا انكسر في قلبه

لم يعد هناك ما يتردد فيه، فأمسك العملة من الطاولة وقال بلا أي تغير في نبرة مشاعره: “حسنا، سأظهر في ليندون بعد 3 أشهر”

قال ذلك ونهض وغادر

نقر بإصبعه ولم يأخذ العملة معه، وتركها مرة أخرى على الطاولة

لكن هذه المرة، العملة التي كانت رمزا صار معناها مجرد ثمن شراب

طوال الوقت، كانت يكاتيرينا في غاية الاتزان والحكمة كما يُنتظر منها

لكن في تلك اللحظة، لمع في عينيها بريق مختلف

وحين رأت ظهره وهو يلتفت، قالت فجأة جملة شاعرية: “لقاؤنا لا بد أنه بسبب قدر، لا بسبب أي شيء آخر”

ضحك سو لون ضحكة خفيفة

لم يلتفت

لم يعد لأي شيء معنى

خرج من الحانة، وكان في هيئة ابتعاده ما يبعث كآبة لا تفسير لها

ومنذ لحظة التفاته

كان يعرف أنه فقد صديقا جيدا

خاتم التخزين، والرسالة التي تركتها تلك الصديقة وراءها

“أعتذر عن رحيلي المفاجئ، لأنه أفضل نهاية استطعت أن أفكر بها لقصتنا”

“السيد سو لون، تذكر أننا راقبنا النجوم معا، لقد أخفيت وجهي بين النجوم، فإن تذكرتني يوما، ارفع بصرك إلى السماء ليلا، النجوم ستنقل إليك بركاتي”

“لو واصلت الكتابة، لصارت كاتيا شاعرة جوالة حرة في القصة، لكن قصتنا تنتهي هنا، على الأرجح لن نلتقي مجددا، اعتن بنفسك، كاتيا”

اتضح أنها كانت قد ودعته منذ زمن

ولم يدرك سو لون ذلك إلا بعد فوات الأوان

رحل سو لون

أما يكاتيرينا فخفضت نظرها إلى العملة على الطاولة، وكانت العباءة تغطي وجهها البديع بالكامل

لم ير أحد أن أنفها ارتجف قليلا، وأن الدموع بدأت تدور في عينيها

أول خفقة مشاعر في حياة فتاة قد لا تكون قوية، ولا تكون بالضرورة حلوة، لكن ذلك الاستيقاظ الصافي للقلب يظل شعورا لا تنساه أبدا، كان فعلها الوحيد الذي اندفعت فيه بشجاعة بلا قيد، وصدقها الوحيد الذي تعهدت به، مثل زهرة برية مضيئة في قصيدة، تنبت وحدها، ليست رقيقة تماما، لكن حين تنظر إلى الحقل لاحقا يبقى لونها ساطعا

سو لون لم يكن مجرد سطر رومانسي في حياة كاتيا، بل كان أيضا مشاهد كثيرة فريدة وجميلة

وتلك العضة مرة واحدة

ربما ستتذكرها سنوات طويلة

كانت أفكارها تدور بلا توقف

ومع انقشاع الدموع أخيرا من عينيها

في تلك اللحظة

استقرت أخيرا في عالم المكرم

وبينما كانت يكاتيرينا تراقب ذلك الظل الذي يبتعد عن قلبها، همست لنفسها: “كنت الرجل الوحيد الذي أحبت كاتيا وجوده، ما دام الأمر كذلك، فلنكتب قصيدة وداع”

نظرت من النافذة ورفعت عينيها إلى السماء في الجنوب الشرقي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة

غمسَت ريشة في الشراب وكتبت سطرا شعريا على الطاولة

السماء الزرقاء تلمع بضوء قطرات الندى

والغيوم الذهبية

تمزقت

اسمع

الريح تعوي

انظر

النجوم تلمع وسط اللهيب

اليوم استيقظ حلمي، ثم ابتعد عني

كشهاب نهاري، لحظة ضوء، تنفجر بجمال مدهش

وما زال الحبر رطبا، لكن عيني يكاتيرينا امتلأتا بحدة لا ترحم

وقالت بصوت خافت: “الخيمياء الفلكية – الإمبراطور الأحمر!”

خارج المدينة، صاح أحدهم فجأة

“مصيبة، انظروا إلى السماء!”

“شهاب نهاري، يا للعجب، أهو عقاب؟”

“يبدو أن النيزك يتجه نحو المعبد!”

اندلعت فوضى في دولة مدينة موروس، وازدحم الناس في الشوارع ينظرون إلى السماء بذهول

وفي الوقت نفسه، في شارع قديم مجهول في غرب المدينة، كان السيد جينغ يتمشى ببطء على الطريق المرصوف، وحين أحس بشيء ابتسم لنفسه وهو يراقب الشذوذ المفاجئ في السماء: “سو لون لديه صديق مدهش حقا”

التالي
410/628 65.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.