الفصل 547 : كمين قتل وقتل مضاد باستنفاد كل الحيل
الفصل 547: كمين قتل وقتل مضاد باستنفاد كل الحيل
جمع سو لون معلومات عن العدو وعاد إلى الليل الأبدي
كانت القلعة المنطادة السحرية هدفا كبيرا جدا وليست سريعة، لذلك لم تكن هناك حاجة لملاحقتها سرا، بل اتبعوها مباشرة
تماما كما فعلوا سابقا حين تعقبوا مجموعات القراصنة العظماء من لوينغ عبر البحار الغربية والجنوبية، حافظت مجموعة الفجر على مسافة معتبرة خلفهم
اختار أهل المستوى العلوي الاندفاع مباشرة، وهذا وفّر على سو لون ورفاقه الكثير من العناء
حيثما مرت المنطادة السحرية، كانت مخلوقات البحر الوحشية ضمن عدة أميال بحرية تضطرب
كانت الوحوش القوية تحاول اختبار قوتها، لكن تشكيل السحرة كان يتغلب عليها فتترك جثثا، أما الأضعف فكانت تتجنبهم تماما
باختصار، لم يواجه الليل الأبدي وحوشا تهددهم أثناء تتبعهم لأولئك الناس
مرت الأيام بسرعة
أبحر الليل الأبدي بهدوء فوق البحر، ولم تكن هناك صعوبة في التتبع، لكنهم لم يجدوا أيضا فرصة للهجوم
استمتع أفراد مجموعة الفجر بعدة أيام من الهدوء
لكن لم يخفض أحد حذره، لأنهم كانوا يعلمون أن معركة شرسة لا مفر منها
…
في إحدى الأمسيات
لم يكن الطقس جيدا، وبدأ ضباب كثيف يزحف فوق البحر
هذا النوع من الطقس ذو الرؤية المنخفضة كان مناسبا جدا للصيادين المتقنين للتخفي كي يصطادوا
على سطح الليل الأبدي كان الجميع منشغلين بمهامهم أيضا
كانت دورا توجه الميكانيكيين لتركيب بعض الأجهزة الميكانيكية الجديدة على السفينة، وهذه القطع الميكانيكية عالية التقنية كانت معدة للاستخدام مستقبلا على “قلعة السماء”، لكنهم كانوا يطبقونها الآن على الليل الأبدي لاختبار حي، كما كان صناع السفن يساعدون في تعديل بعض أجزاء هيكل السفينة، وكان رجال المدفعية يصونون المدافع، وكانت كيانتياو وسيوفيوها الآخرون منشغلين بتدريب فنونهم أيضا
كانت السفينة تعج بالحركة
حين تلقى الرسالة صعد سو لون إلى السطح
لوحت تاني له فورا من على الصارية وهي تنادي، “السيد سو لون، إلى هنا!”
رفع سو لون نظره وقفز إلى أعلى الصارية
لم تكن تاني وحدها على الصارية، بل كان هناك أيضا باريت وعدة مخططين بحريين، وحين اقترب سو لون رحبوا به واحدا تلو الآخر
كانوا جميعا يحدقون بجدية في الضباب المحيط بهم
عادة كان لقاء الضباب في رحلة بحرية أمرا شائعا، لكن في هذا الضباب شيء مريب
قالت تاني بصراحة، “هذا الضباب هو زفير وحش سراب بحري عالي المستوى، وفيه مجال مغناطيسي خاص يجعل بوصلة الملاحة تشير إلى اتجاه خاطئ، وهذا ليس غريبا، لكن الغريب أن الأسماك في البحر مضطربة، ما يدل على وجود حضور قوي جدا قربنا، كما قالت أمي إن هناك آثارا لجوهر سحري مختلط في الريح…”
“همم، أحسنت”، رد سو لون وهو يومئ، وحدق في الضباب الملتف بعينين عميقتين
مع تاني وأمها على متن السفينة، كانت رحلة الليل الأبدي كأنها مدعومة بعون سماوي
كان كل من الأم والابن يملكان قدرات استشعار نادرة، تمنحهما مدى إدراك واسعا جدا في البحر
كثير من الأساليب التي قد تخدع حواس البشر لا تستطيع خداع حيوانات العالم الطبيعي، وكانت قدرة تاني على سماع أصوات وحوش البحر فريدة بشكل خاص، أما تموجات القوة السحرية في الريح التي لا يمكن التقاطها بوسائل أخرى، فقد استشعرتها فريدا بدقة
حتى لو حاول السحرة بكل طاقتهم إخفاء وجودهم، ما لم يمتنعوا تماما عن استخدام السحر، فإن هذه الثغرات لا يمكن إخفاؤها في النهاية
في القتال البحري، كان وجود تاني وأمه يمنح مجموعة الفجر أفضلية لا تضاهى في جمع المعلومات
بعد لحظة تفكير تحدث سو لون دون أن يبدو مندهشا من الاستنتاج، “يبدو أن أهل المستوى العلوي يجهزون لكمين”
أومأ باريت والمستشارون الآخرون موافقين، فهذا يطابق تقييمهم
عندها سأل باريت، “هل نواصل على هذا المسار؟”
فكر سو لون لحظة ثم سألهم بدلا من الإجابة، “ما رأي الجميع؟”
عند سؤاله تبدلت تعابير الحاضرين قليلا
كانت مجموعة الفجر تريد أن تتفوق على آلاف السحرة لدى أهل المستوى العلوي، والعدو بلا شك يريد إزالة هذا الإزعاج بشكل حاسم
رغم أن مياه بلاد التنين القديمة خطرة، كان واضحا أن مجموعة الفجر هي التهديد الأكبر
في عدة اشتباكات سببوا خسائر فادحة لأهل المستوى العلوي
لو كان سو لون مكانهم لاختار القضاء على هذا الإزعاج أولا
…
“منطادة العدو السحرية هدف كبير وصعب الإخفاء، إن أرادوا اعتراضنا فعليهم نصب كمين، وإن لم أكن مخطئا فهناك على الأقل تشكيل سحرة يضم عشرة آلاف أمامنا، وفوق ذلك ستستهدف خطتهم بالتأكيد قدراتنا التي كشفناها من قبل، ومن المرجح جدا أنهم سيستخدمون سحر الفيلق لتجميد سطح البحر لتقييد سفينتنا مباشرة”
“إن كان هناك أكثر من تشكيلين من تشكيلات العشرة آلاف، فقد نضطر إلى اللجوء إلى الخطة الثانية”
…
كانت معرفة سو لون بتكتيكات أهل المستوى العلوي العسكرية واسعة جدا
أمام وضع كهذا كان يستطيع توقع معظم خطط العدو
العوامل غير المؤكدة الوحيدة كانت ما يتجاوز الحساب، مثل التنبؤات أو قوة الحكام، وهي أمور لا يستطيع عقل البشر استباقها
وهنا يكمن الخطر
بما أنهم عرفوا أن العدو سيضع كمينا، فقد أعاد قادة مجموعة الفجر دراسة كيفية الرد القتالي بدقة شديدة
وكانت المخاطر قد قُيّمت مسبقا بشكل شامل بطبيعة الحال
“متفقون!”
عند سماع ذلك أومأ باريت وعدة مستشارين في وقت واحد، وشعروا أن الأمر يستحق المحاولة
حين قدموا إلى مياه بلاد التنانين كانوا مستعدين نفسيا لتحمل المخاطر
لم يعد الاختباء خيارا
إن لم يتم التعامل مع حكام المستوى العلوي، فستصبح مخاطرهم أكبر
أخذ زمام المبادرة لحل بعض المتاعب أفضل مليون مرة من انتظار العدو حتى يطرق الباب وإجبارهم على رد فعل سلبي
ثم إن كتيبة الفجر كانت في وضع يسمح لها، حتى لو واجهت وحدة عسكرية من عشرة آلاف ساحر، أن تقاتل دون أن تكون عاجزة
على متن السفينة كان هناك “صياد التنانين” بارتولو، و”دوق الدم” واتسون الذي نجح في التقدم إلى الرتبة الثامنة، وكان هناك الرقم 19 أيضا، ومع وجود مقاتلين كبار لم يخشوا أن يتعرضوا لضربة قاصمة
أما القوة المتبقية مثل مدفعية السفينة المتقدمة، فكانت بالتأكيد الكابوس لأي فيلق، ما داموا لا يبخلون بالذخيرة، فمن حيث قوة الإخراج وحدها لم تكن أقل من سحر الفيلق
وفوق ذلك كان لدى سو لون خطط احتياطية
…
اتخذ الطاقم القرار، وما إن صدر الأمر حتى نفذه أفراد كتيبة الفجر بكفاءة فورية
بمجرد ذكر الاستعداد للمعركة بدأ الطاقم يفحص مختلف معدات السفينة ويحمّل الذخيرة
حين تبدأ المعركة سيكونون قادرين على التحرك في لحظة
بعد وقت قصير صار الضباب حول الليل الأبدي أكثر كثافة فأكثر
أطلق سو لون وكل خبراء الاستشعار إدراكهم بأقصى قوة، لكنهم لم يلتقطوا شيئا غير طبيعي كما هو متوقع
كانت تاني وحدها تعتمد أحيانا على معلومات تنقلها الأسماك وعلى موهبة أمها الناجا الفطرية في الاستشعار لتقدير الوضع من حولهم
“في الشمال الغربي والجنوب الشرقي والشمال الشرقي رُصدت اضطرابات في هذه الاتجاهات…”
“بعد وصولنا، هناك من أغلق طريق تراجعنا أيضا، يبدو أننا دخلنا نطاق تطويق العدو…”
…
كان سو لون يستمع ويحسب بوجه جامد
هذه المعلومات الدقيقة قد تبدو لا شيء لغيره، لكنها في أذنيه كانت ترتيبا تكتيكيا قياسيا
سحرة المستوى العلوي يقاتلون طوال العام، وقد لخصوا تدريجيا منظومة تكتيكات مكتملة لمواجهة الأعداء، كما أن دورات القيادة المتقدمة في أكاديمية السحرة كانت تدرّس منهجا منظما أيضا
قد تتغير أساليب القتال مؤقتا بسبب الظروف والموقع، لكن من يتقن تلك الأساليب يستطيع فورا استنتاج قوات العدو وانتشارهم واستراتيجيتهم من الوضع القائم
لكن حتى مع المعرفة، لم تكن هناك ثغرات تكاد تُستغل
فهذه تكتيكات صُقلت بعد استخدامات لا تحصى
ما لم يتم تفاديها مسبقا، فبمجرد الوقوع في الطوق لا خيار إلا القتال
ومع تزايد المعلومات وقبل أن يرى العدو، كان سو لون قد استنتج كثيرا من التفاصيل الحاسمة وتمتم، “يبدو أن هناك ثلاث وحدات عسكرية، كل واحدة تضم عشرة آلاف ساحر، يا للعجب… إنهم يضعوننا في حساب كبير حقا”
أصدر أمره الحاسم عبر جهاز التواصل الداخلي لكتيبة الفجر، “الجميع، استعدوا لتنفيذ الخطة الثانية”
جاءت الردود فورا عبر جهاز التواصل، وأجاب القادة جميعا بصوت واحد، “نعم!”
في ذهن سو لون كان الأمر كأن هناك مجسما رمليا ثلاثي الأبعاد، وعلامات البيانات تحدد نقاط كمين العدو بالكامل
بعد أن حسب الإحداثيات بدقة أصدر أمرا ثانيا، “دورا، اجعلي فرقة المدفعية تستعد لقفل الإحداثيات المستهدفة، غربا نحو الشمال الغربي 12.3 درجة، نحو 5,300 متر، وشمالا نحو الشمال الشرقي 17.4 درجة، 4,700 متر، وشمالا مباشرة 6,500 متر، غطوا هذه الإحداثيات الثلاث بنيران كثيفة، والهدف كسر معسكر العدو مع أول دفعة قذائف!”
أجابت دورا فورا، “نعم!”
بعد لحظات جاء تأكيد عبر جهاز التواصل، “تم تعديل زوايا المدافع، تم قفل الإحداثيات، تم تحميل الذخيرة، جاهزون للإطلاق في أي وقت!”
بعد هذه الكلمات ساد الصمت، وصارت السفينة ساكنة كالموت
كان الجميع ينتظر أمر سو لون
كان الضباب يطبق على السفينة من كل الجهات، وبدا المركب الضخم ذو الأشرعة السوداء كأنه يتجه إلى فم وحش يبتلع الغيوم ويبصق الضباب
انتشر جو الصمت القاتل تدريجيا
على السطح كان بعض أفراد الطاقم الأقل رتبة متوترين لدرجة أن أيديهم المتشبثة بأسلحتهم تتعرق
الآن بعد أن دخلوا طوق العدو لم يعد هناك حظ، بل قتال فقط
في تلك اللحظة، ومض بريق حاد في عيني سو لون وأصدر الأمر المباشر، “أطلقوا النار!”
في لحظة واحدة لفظت مئات المدافع على جانبي الليل الأبدي، ومعها عدة مدافع فائقة الضخامة من “مدافع تدمير الحكام” على السطح، ألسنة لهب في الوقت نفسه
“دوي!”
“دوي!”
“دوي!”
…
اندمجت أصوات المدافع في هدير واحد يصم الآذان
…
كان أهل المستوى العلوي يرون كتيبة الفجر تندفع إلى داخل الطوق، فظنوا بطبيعة الحال أنهم لم يُكتشفوا
ولأجل إخفاء وجودهم لم يفعلوا أي حواجز سحرية عالية المستوى أيضا
وكانت هذه أكبر ثغرة
ثغرة تكفي لإلحاق ضرر فادح بوحدة عسكرية من عشرة آلاف ساحر
كان سو لون يعرف كل شيء عن تكتيك “ثلاث وحدات تطوق واحدة”، القوات والمواقع وأفضل توقيت للهجوم
لذلك ما إن دخلوا الطوق، وقبل أن يتوغلوا أكثر، أمر بإطلاق الضربة
كانت هذه المسافة خارج مدى السحرة، لكنها ضمن مدى المدافع بالكامل
وكان سو لون يعلم أيضا أن أول دفعة قذائف تحقق أفضل أثر قتالي، لذلك لم يبخل بالذخيرة، بل صب قذائف خيميائية عالية الجودة تساوي ملايين كما لو أن المال لا قيمة له
بعد المرور بمعارك طويلة كثيرة كان قد لخص خبراته
ما دام النصر ممكنا فالعائد سيغطي الكلفة بالتأكيد
فكلما ارتفع مستوى الذخيرة كان العدو الذي تواجهه أعتى، وكانت الغنائم أغنى
الدفعة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة
في وقت قصير جدا أطلقت المدافع وابلا من النار على أهداف ضمن المدى
لم تكن الأهداف مرئية، وكل شيء اعتمد على حسابات دورا الدقيقة لمسارات القذائف كي ينجح الإطلاق الأعمى
ومع ذلك بدت القذائف كأن لها عيونا، تضرب أهدافها بدقة
كان الأمر تماما كما حسبه سو لون
تضمنت الأهداف الثلاثة جزيرتين مقفرتين ومعسكرا مؤقتا على سطح البحر، وكانت كلها مخفية أصلا بأجهزة سحرية عسكرية شديدة التطور تجعلها غير مرئية، قريبة لدرجة أن حتى خبراء رفيعي المستوى لا يستطيعون رصدها
لكن بشكل غير متوقع، ما اعتقده سحرة المستوى العلوي إخفاء مثاليا فاجأته هذه الدفعة من القذائف
“دوي” “دوي” “دوي”…
كانت أصوات المدافع على الليل الأبدي كثيفة كعاصفة رعدية، وحتى موجات الصدمة من إطلاق القذائف وحدها أذهلت مساحات واسعة من الأسماك في المياه القريبة
حول الإحداثيات الثلاث التي سقطت فيها القذائف اندلعت ألسنة نار شاهقة
سقوط آلاف القذائف الخيميائية كان كإطلاق آلاف التشكيلات من الرتبة السابعة أو الثامنة في وقت واحد، فتسبب بانفجار مدو
في المرة السابقة كان القصف من مسافة بعيدة وربما لم يشعر السحرة بشيء كبير، أما هذه المرة فكان قصفا قريبا لمعسكر غير مستعد تماما، فتشتت السحرة فورا مع قتلى وجرحى كثرة
هذه الدفعة وحدها قتلت على الأقل ما بين 10 و20 بالمئة من السحرة، مع عدد أكبر بكثير من الجرحى
لكن في النهاية كانت تلك وحدات سحرية مخضرمة من عشرة آلاف، وكانت استجابتهم سريعة جدا، ما إن دوى صوت المدافع حتى عرف القائد أنهم كُشفوا، فانطلقت مختلف القيود السحرية فورا
“اللعنة، كيف اكتشفونا؟ لا يهم، نفذوا الخطة الأصلية وطوقوهم!”
“فيلق الجليد، جمّدوا سطح البحر فورا!”
“نعم!”
…
بعد الدفعة الأولى فورا فُعّلت أجهزة سحر الفيلق وتعاويذ الدفاع، فأُخفيت المعسكرات الثلاثة بالكامل، وصار أثر القذائف اللاحقة أقل بكثير من حيث الخسائر والقتلى
ومع ذلك كانت خسارة لم تعهدها تلك الوحدات السحرية القوية من قبل، لم يسبق لهم أن فقدوا 20 بالمئة من قوتهم دون أن يروا العدو في أي معركة سابقة
كانت خسارة مفاجئة لدرجة أنها بدت مخيفة
كيف اكتشفوا؟
وفوق ذلك، إن كان العدو قد اكتشف الكمين مسبقا، فلماذا جاء رغم ذلك؟
احمرّت وجوه عدة سحرة من الرتبة الثامنة المسؤولين عن القيادة من شدة الغضب
ومع إضاءة أبراج السحر، أُطلقت تعاويذ الفيلق واحدة تلو الأخرى
في هذه المرحلة لم يعد هناك خيار سوى القتال وفق الخطة
…
كان ضباب البحر عائقا لكتيبة الفجر كما كان عائقا للسحرة
هبّت نسمة بعد لحظات من إطلاق المدافع فبددت الضباب في الحال
ولأن الوقت كان مساء ولم يكن الضوء كافيا، أضاءت تقنيات الوميض المختلفة السماء أيضا
وفجأة صار خط النظر واضحا
على سطح البحر رأى الجميع على الليل الأبدي توهج الدروع السحرية الصفراء الدافئة عند الإحداثيات التي سقطت فيها القذائف، فعرفوا أنهم أصابوا أهدافهم، فهتفوا بحماس
السحرة دون دفاع الفيلق هشون كأنهم ورق أمام قصف المدافع، وتلك الدفعة كانت بلا شك قد قتلت الكثير من العدو، وكانت كلفة الذخيرة تستحق ذلك تماما
لكن لم يمر وقت طويل حتى دوى في آذان الجميع صوت فرقعة تشكل الجليد فجأة
أطلق عدة مراقبين في أعلى الصواري تحذيرا في الوقت نفسه، “الجميع انتبهوا، سطح البحر يتجمد!”
كان سو لون وباريت قد وقفا بالفعل في أعلى الصارية، وعندما رأيا بياض سطح البحر ينتشر كمد من بعيد، كانت ملامحهما جادة دون مفاجأة
اتكأت تاني بتراخ على الصارية، وكانت طاقة سيفها المتراكمة بالكاد تنحبس وعلى وشك الانفجار
نظرت إلى البحر المتجمد بلا خوف، بل تمتمت بوجه مملوء بحماس المعركة، “ها، سو لون~ لقد أصبت مجددا، هؤلاء فعلا اختاروا تجميد سطح البحر”
لم يستطع سو لون إلا أن يبتسم في نفسه وتذمر بصمت، ‘لقد غفوت أثناء الاجتماع، الآن الجميع يعرف إلا أنت’
لكنه رد أيضا، “لأنهم إن لم يسيطروا على سفينتنا فلن تستطيع قوتهم الرئيسية اللحاق بنا أصلا”
كانت سرعة إبحار سفينة حربية من فئة إمبراطور البحر مثل الليل الأبدي لا تضاهيها أي سفينة بحرية، وكان من المستحيل تماما أن يطاردهم حكام المستوى العلوي بقوتهم الرئيسية
لذلك لا بد من تقييد حركة السفينة كي يقبضوا على الجميع دفعة واحدة
ثم إن تجميد سطح البحر بسحر الفيلق لا يتطلب جهدا كبيرا، وكانت احتمالية استخدامه شبه مؤكدة
كان سو لون على معرفة شديدة بتلك التكتيكات، فكان توقعها أمرا طبيعيا
وبينما كانوا يتحدثون كان الخط الأبيض البعيد على سطح البحر قد امتد ووصل، وكان الجليد يزحف من كل الجهات، ولم يعد أمام الليل الأبدي أي مهرب
فجأة، ومع صوت اصطدام عنيف، غُلف الليل الأبدي بالجليد في لحظة واحدة
امتد الصقيع من سطح البحر إلى بدن السفينة، وغطى هذا المركب ذي الأشرعة السوداء بستار أبيض رقيق
انخفضت حرارة الهواء عشرات الدرجات في كل مكان، وتحولت نسائم البحر الدافئة إلى برد قارس يخترق العظم
عندما نظروا إلى الأسفل رأى الجميع طبقة الجليد تزداد سماكة دون أي إمكانية للاختراق
رغم أن السفينة لم تعد تتحرك، واصلت المدافع الإطلاق
وبدأ الطرفان قصفا متبادلا من مسافة بعيدة
لكن على هذه المسافة كانت الأفضلية كبيرة لكتيبة الفجر
المدافع تستطيع تغطية الأهداف بالنيران بسهولة ودقة
أما السحرة فقد بلغوا حدهم في مدى الإلقاء، وحتى مع تعزيز أجهزة سحر الفيلق كانت قوة سحرهم أضعف بكثير
وفوق ذلك، رغم أن فيلق السحر قوي، فإنه في القصف البعيد تكون المدافع والقذائف الخيميائية التي لا تكل أكثر عملية من سحرة يطلقون التعاويذ يدويا
وبسبب الضغط بالنيران المركزة اضطرّت الوحدات السحرية الثلاث من عشرة آلاف إلى الحفاظ باستمرار على دروعها السحرية، وهذا منعها من التقدم بسرعة
وهذا منح أفراد مجموعة الفجر وقتا كافيا للرد
العدو كثير، لكنه في الوقت الحالي لم يكن صاحب اليد العليا
…
ثلاث وحدات سحرية من عشرة آلاف، تعادل ثلاث قوى قتالية من الرتبة التاسعة، كانوا خصوما لا تستطيع مجموعة الفجر الحالية مواجهتهم مباشرة
لكن الناس على السطح لم يذعروا أبدا
لأن كل ما حدث حتى الآن كان ضمن توقعاتهم السابقة
نظر سو لون إلى العدو المطوّق وقال للناس على السطح، “انشروا الطعم، فعّلوا التشكيل الخيميائي!”
“نعم!”
أجاب أهل السطح بصوت واحد
السحرة الخيميائيون الثمانية من الرتبة السادسة الذين جهزوا تشكيل النجمة الثمانية فعّلوه فور أمر سو لون
أشرق ضوء أبيض متوهج، ورمى سو لون قطعة لحم ملطخة بالدم في وسط التشكيل
لم تكن لحما عاديا، بل جزءا من جسد التنين الفضي من الرتبة السادسة الذي جمعوه سابقا من عاصمة ملك التنين الفضي آيكه
هذا التشكيل الخيميائي لم يكن له استخدام كبير في غير ذلك، ووظيفته الوحيدة نشر الرائحة لمسافة بعيدة جدا
نعم
كانت “الخطة الثانية” لدى سو لون هي جرّ الكارثة إلى مكان آخر، واستعمال سكين مستعار للقتل
كان اختيارهم اختراق الطوق يهدف إلى إلحاق ضرر شديد بأهل المستوى العلوي
والآن بعد أن لم يعد تشكيل الانتقال في جزيرة قوس قزح موجودا، فإن كل فرد من أهل المستوى العلوي يموت يعني تهديدا أقل
لو كانت هناك وحدة واحدة من عشرة آلاف لكانت مجموعة الفجر مستعدة لمواجهتها مباشرة
لكن الآن هناك ثلاث، فكان الخيار إما الهروب أو طلب عون خارجي
إن استطاعوا جذب التنين الفضي من الرتبة الثامنة، شعر سو لون أن الوحدات الثلاث من عشرة آلاف ستتكبد على الأرجح خسائر كبيرة، وعندها مع تصادم قوتين ستظهر فرصة يمكن استغلالها
كانت الخطة تحمل قدرا من المقامرة، لأن سو لون لم يكن متأكدا من مكان التنين الفضي ولا متأكدا أنه سيأتي حتما
لكن لم يكن فيها خطر كبير
حتى لو لم ينجذب التنين الفضي فلا بأس
فهم كانوا مستعدين للهروب
لأنه لا يزال يملك عالم الفراغ الجيبي
وكان يعلم أن أهل المستوى العلوي يحتاجون معلومات كي يضعوا خططهم القتالية
ترتيب العدو لثلاث وحدات من عشرة آلاف لنصب كمين لمجموعة الفجر كان بالفعل تخصيصا عاليا يعتبر “ضمانا”
لكن لدى العدو معلومة لم يحصل عليها، وهي أن سو لون يستطيع إدخال سفينة الليل الأبدي إلى عالم الفراغ الجيبي والانتقال بعيدا في لحظة
لذلك
منذ البداية كان تكتيك تجميد البحر لتقييد حركة السفينة عديم الجدوى تماما
…
يبدو أن أهل المستوى العلوي ظنوا أنهم حاصروا سفينة مجموعة الفجر على الجليد وضمنوا النصر من كل الجهات
لذلك لم يندفعوا، بل كانوا يعدلون تشكيل الطوق ويتقدمون ببطء تحت النيران، طالبين النصر بالثبات
هذا الأسلوب قلل الخسائر فعلا، لكنه أعطى مجموعة الفجر وقتا أطول لنشر الطعم
تظاهر سو لون ومقاتلو مجموعة الفجر الكبار بأنهم يقودون الاندفاع، وكأنهم يتهيأون لاختراق الطوق
لكن بما أنه كمين، فإن وحدات العشرة آلاف لم تترك أي فرصة بطبيعة الحال
رغم محاولات اندفاع متكررة نحو نقاط تبدو أضعف، صمد العدو بحزم وصد كل هجوم، ومنع مجموعة الفجر من الهرب بقوة كبيرة
ومع أن القتال كان عنيفا، لم تتكبد مجموعة الفجر خسائر كبيرة
باستثناء كيانتياو وبعض المقاتلين المتحمسين الذين اندفعوا عدة مرات، كان معظم الصخب من تبادل القصف بالمدافع
واستُخدمت تباعا بعض التقنيات السوداء، مثل “مدفع ليزر الطاقة السحرية” و”مدفع الإبادة عيار كبير” و”مدفع الجسيمات الخارق”
ومع وجود أعداء مناسبين للتجربة، جرى اختبار منتجات مختبرية كثيرة صممت لمواجهة القيود السحرية في هذه المعركة
أظهرت بعض المعدات الجديدة أداء مذهلا، وبعضها لم يلب التوقعات
لكن في كل الأحوال، لم يعرفوا ما ينقص إلا بعد اختبار فعلي، وحصلوا على بيانات تعينهم على تحسينها
كان ميكانيكيو ورشة الحرب هؤلاء هم من صنعوا هذه التقنيات السوداء، وقد اشتروا لمجموعة الفجر وقتا طويلا
تبادل الطرفان القتال بهذه الوتيرة قرابة نصف ساعة
وحين ضاق طوق الكمين وبدأ قتال قريب محدود
جاء من بعيد جدا زئير تنين غاضب
نظر سو لون إلى الظل الفضي المألوف في السماء، وظهر الفرح في عينيه، “أخيرا جاء!”
وشعر باقي أفراد مجموعة الفجر بالفرح أيضا عندما رأوه
وصول التنين الفضي يعني أن “الخطة الثالثة” بدأت تعمل
وهذا سيضاعف مكاسبهم عدة مرات

تعليقات الفصل