تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 67 : تظاهر بعدم الرؤية

الفصل 67: تظاهر بعدم الرؤية

نظر سو إن إلى رينا التي كانت لا تزال مذهولة، وعرف أنه لم يكن واضحا في تعليماته، فشعر أن عليه أن يشرح وقال: “انزعي ملابسك بسرعة، ولا تتركي شيئا خلفك، الملابس والمعدات وخاتم التخزين، انزعي كل شيء، رائحة مسحوق الاحتراق لا تربك حاسة شم الوحوش إلا لمدة دقيقة”

أنزع ملابسي؟

تفاجأت رينا قليلا في البداية، لكن في اللحظة التالية جعلها ذكاؤها تفهم نية سو إن تلقائيا

في الحقيقة، أثناء هروبهم قبل قليل كانت المساعدة روزا قد خمّنت المشكلة، وهي أن وحوش الكلاب السوداء هذه قد تعتمد على حاسة الشم لتحديد مكان “فريستها”

لكن تلك الوحوش بدأت بمطاردتهم فور ظهورها، ولم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها

كما أنهم جربوا من قبل، حتى جرعة إزالة الرائحة الأعلى جودة لم تُجدِ نفعا إطلاقا، مما جعلهم يشكّون في حكمهم

عندما سمعت عبارة “انزعي ملابسك” خمّنت بطبيعة الحال أن سو إن يفكر بالطريقة نفسها

كانت بلا أمل أصلا، لكنها صُدمت حين اكتشفت أن طريقة سو إن أربكت بالفعل قدرات إدراك الوحوش المشوهة

وبحساب الوقت، كان ينبغي لتلك الوحوش المشوهة أن تكون قد اخترقت الركام منذ زمن، لكن أيا منها لم يندفع إلى الدخان لمهاجمتها، وكان واضحا أن الدخان فعّال حقا

بعد أن أنهى سو إن كلامه، لم تكن لديه نية للبقاء في مكانه

أخرج بسرعة قارورة من جرعة إزالة الرائحة وقطعة من ملابسه من خاتم التخزين ووضعهما على الأرض، ثم استدار وركض إلى نهاية الممر ليختبئ

لم يكن ذلك لأنه يتظاهر بالتهذيب ويتجنب رؤية رينا وهي تبدل ملابسها، بل لأنه لم يكن متأكدا إن كان المسحوق سيعمل بنسبة 100% ضد تلك الكلاب السوداء، ولم يكن متأكدا أيضا إن كانت الرائحة التي تجذب الوحوش شيئا خارجيا أم رائحة رينا نفسها

لذلك لم يكن أمامه إلا أن يجرب

إن كان ما يجذب الوحوش شيئا خارجيا، فلم يكن سو إن متأكدا أي غرض تحمله رينا هو السبب، ولم يكن لديه وقت لتجربة الأغراض واحدا واحدا، لذلك لم يجد سوى أن يطلب منها نزع كل شيء

وإن كانت الرائحة رائحتها هي، فعندما ينتهي احتراق المسحوق ستكون تلك حكم إعدامها

ابتعد قليلا حتى لا يتأثر

والآن يبدو أن المسحوق أكثر فعالية مما توقع

لم تُصدَم رينا وحدها، بل إن سو إن نفسه اندهش لأن دخان احتراق المسحوق أربك حقا حاسة شم الكلاب السوداء

كان هذا المسحوق الدخاني المحترق قد حصل عليه من شذرات ذاكرة ذلك الصيدلاني الغامض، وكان شيئا يشبه طاردا للوحوش المشوهة

في البداية ظن سو إن أنه جاهل فحسب ولم يسمع من قبل بدواء بهذه المعجزة

لكن الآن، بعد أن حصد كما كبيرا من معارف الخيمياء من شذرات ذاكرة جاك، أدرك أن حتى أكاديمية البرج الأسود لا تملك سجلا لهذا الدواء الخاص

إذن هناك احتمالان فقط، إما أن شذرات الذاكرة التي حصل عليها كانت تفتقد هذا الجزء مصادفة، أو أن المسحوق متقدم جدا لدرجة أن حتى أكاديمية البرج الأسود لا تملكه

شعر سو إن أن الاحتمال الثاني أرجح

وإلا لكانت المساعدة روزا قد فكرت بهذه الطريقة أيضا، فلا بد أن معها كثيرا من الجرعات المتقدمة، ولو كان لديها هذا الطارد لما طوردت بتلك الخطورة

وهذا جعله أكثر فضولا بشأن أصل ذلك الصيدلاني الغامض

تحرك سو إن بحذر دون أن يترك أثرا واضحا، والآن جاء دور رينا لتتخذ قرارا صعبا

أن تنزع كل ما عليها؟

كانت تعرف أن هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذ نفسها في هذه اللحظة، لكنها بقيت مترددة في داخلها

لم تبدل ملابسها من قبل في مكان غريب، فكيف وهي تشعر أن رجلا غريبا يستعجلها

لكن لم يبق سوى دقيقة واحدة، ولم يكن هناك مجال للتردد

كانت رينا حاسمة جدا، وبعد تردد قصير نزعت نظارات الرؤية الليلية والقناع الواقي، ثم بدلت ملابسها بسرعة وحرصت على نزع ما عليها من معدات وحلي وخاتم التخزين، ثم سكبت جرعة إزالة الرائحة على نفسها وارتدت قطعة الملابس الكبيرة لتستر نفسها بأقصى ما تستطيع

وأخيرا لم تعد مكشوفة للهواء، وتراجع شعورها بالحرج بسرعة

وبفضل موهبة “المرأة القطة” كانت قدرتها على الرؤية في الظلام جيدة

حتى لو لم تتعمد النظر، كانت لا تزال تلمح نهاية النفق بطرف عينها، ورأت أن ذلك الشخص ما زال هناك، فاحمرّ وجهها قليلا وانتشر الخجل في ملامحها

ومع التفاتة سريعة تظاهرت بأنها لم تر شيئا

راقب سو إن تبديل رينا لملابسها بهذه الحسم، ومدحها في داخله وقال: “قرار ذكي”

لو ترددت هذه المرأة لكان قد استدار وغادر بلا تردد وتركها تواجه مصيرها وحدها

من لا يميز الموقف لا يستحق مساعدته، فهذا لن يجلب إلا الضرر له

وعندما رآها تحسم أمرها وتبدل ملابسها، لم يصرف سو إن نظره هذه المرة

كان يمسك مسدس النار الروني ويحرس مدخل النفق، ونظره ثابت نحو الدخان والممرات أمامه

لم يكن يقصد مراقبتها وهي تبدل ملابسها، بل كان يراقب الوحوش المشوهة

فقدان البدلة القتالية يعني أن رينا بلا دفاع تقريبا، وهو يريد إنقاذها، وإن ظهرت الوحوش فجأة قبل أن تنتهي، فسيتمكن من مساعدتها بإطلاق النار

لكن نظره ظل هادئا، ومع انحسار الدخان ازدادت ملامحه جدية وتقبضت حاجباه

فنجاح الطارد في إرباك حاسة شم الكلاب السوداء لا يعني أنها لن تعود للمطاردة بعد زوال دخان المسحوق

ثم إن مصدر الخطر لم يكن هذه الكلاب السوداء وحدها أبدا

من الواضح أن رينا أدركت ذلك أيضا

ارتدت ملابس سو إن بسرعة، وتركت كل أغراضها خلفها ثم ابتعدت عن مكان التبديل

لكنها لم تقترب من سو إن فورا، بل توقفت على مسافة آمنة عند مفترق طريق، حتى إن عادت الوحوش لمطاردتها تستطيع أن تركض

لكن غالبا لن تكون هناك فرصة للهروب

من دون بدلتها القتالية ومن دون أي معدات، إن فشل هذا الاختبار فهي عمليًا تسير نحو الموت

بعد دقيقة واحدة، تبدد الدخان الأصفر الناتج عن احتراق المسحوق

في نهاية النفق، تجمعت أكثر من عشرة كلاب سوداء سائلة شرسة، وبدا أنها فقدت طريقها، تدور في مكانها، وكان السائل الأكّال على أجسادها يتبخر ويأكل جدران النفق حتى صار مليئا بالحفر

لكن ما إن انقشع الدخان حتى بدا أنها التقطت رائحة ما، فانقضت بحماس على كومة الملابس التي خلعتها رينا، وتمزقت أكثر من عشرة كلاب سوداء وتشابكت معا، ثم اندمجت أخيرا في وحش أسود ضخم سد النفق كله

ولحسن الحظ لم يبدو أنها تنوي الانقضاض على رينا البعيدة

عند رؤية ذلك، أطلق سو إن زفرة ارتياح أخيرا وقال: “الحمد أنني راهنت بشكل صحيح، مصدر الرائحة خارجي، ولم يضع استخدام دواء باهظ ثمنه يعادل فعاليته نحو 160,000 كيلومتر”

أما رينا، الفتاة التي نجت، فقد ظهرت على وجهها علامات ارتياح كأن حملا ثقيلا انزاح عنها

عندها فقط وجهت نظرها إلى الرجل الذي أنقذ حياتها في اللحظة الحرجة، وكانت ملامحها معقدة بعض الشيء

شعرت أنها يجب أن تشكره، لكن شيئا خطر ببالها فاحمرّ وجهها

نظر سو إن إلى رينا وخمّن أن فتاة صغيرة قد تشعر بعدم الارتياح بعد ما حدث أمام رجل غريب

لكنه لم يكن مربية ولا خاطبا، ولا داعي لمجاملة مشاعرها

لوّح بيده مشيرا إليها أن تتبعه وقال بحدة: “اتبعي معي”

وبذلك تقدم سو إن وسار إلى أعماق النفق المظلم من دون أي نية لانتظارها

كان موقفه واضحا، الأمر يعود لها إن كانت تريد أن تتبعه أم لا

رينا التي كانت بعيدة، راقبت سو إن وهو يمضي ببرود، وظهر على وجهها الجميل شيء من الدهشة

لكن لا مبالاته بطريقة ما خففت ثقل الجو المحرج

الظلام من حولها ابتلع كل شيء كوحش، وجعل رينا التي بلا معدات تشعر بعدم الأمان، وبعد لحظة تفكير تبعته وركضت حافية لتلحق به

سار الاثنان واحدا خلف الآخر، وسو إن لا يبدي أي نية لمراعاتها، يمشي بخطى سريعة

كان الهواء يمر عبر قميصها الخفيف، فشعرت رينا بقشعريرة تسري في جسدها مع شيء من الحرج، أرادت أن تقول شيئا، لكن عندما نظرت إلى القامة الباردة أمامها ابتلعت كلماتها

وأخيرا، بعد مسير طويل، كسرت رينا الصمت المحرج وقالت: “السيد سو إن، شكرا لأنك أنقذتني”

“هم”

بقي سو إن باردا كما هو

لم يرد أن يتورط معها كثيرا، فهي قد تكون معرفة قديمة لمالك الجسد الأصلي

لكنه كان فضوليا بشأن أمر ما، وبعد تفكير قصير سأل: “كيف تعرفين اسمي؟”

أجابت رينا بخجل: “العمة كيانتياو أخبرتني، قالت إنك قناص جيد وهادئ في التعامل مع الأمور، وإن وقعت في مشكلة يوما يمكنني طلب مساعدتك”

توقفت قليلا ثم أضافت: “لم أظن أنه ضروري من قبل، لذلك لم أذكر ذلك”

استمع سو إن بلا تعبير، غير مهتم بالتفاصيل، ثم سأل ثانية: “هل العمة كيانتياو عمتك الحقيقية؟”

أومأت رينا: “نعم”

بعد أن أشبع فضوله، لم يتكلم سو إن مرة أخرى

كان يستطيع أن يخمّن الباقي

وبعد هذا الحديث القصير عاد الاثنان إلى الصمت من جديد

في النفق المظلم، لم يُسمع سوى وقع خطواتهما وأنفاسهما، وكان الجو موحشا بعض الشيء

التالي
67/604 11.1%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.