الفصل 71 : لا شروط للفوز، اصنع الشروط
الفصل 71: لا شروط للفوز، اصنع الشروط
اكتشف سو إن القاتل الذي ظهر من العدم خلفه، لكنه بدل أن يتفاجأ كان قد توقع ذلك مسبقا
فتح سترته الجلدية بحسم، فانطلقت دميتان نحو العدو، إحداهما تطلق عواء مخيفا والأخرى تبتسم ابتسامة ماكرة، وتشققت أيديهما لتكشف شفرات خناجر سوداء مسمومة
ترنح القاتل، وكأنه لم يدرك لماذا فقد وعيه لحظة واحدة فجأة، فعض لسانه واستعاد صفاءه فورا، وفي تلك اللحظة رأى الشفرات المسمومة قد وصلت إلى أمامه، ولمع برد في عينيه
ومع صوت “طنين”، تطايرت الشرارات
صد القاتل خنجر إحدى الدميتين، لكنه شعر بلحظة ارتباك: ليس جيدا
وباستجابة غريزية للخطر، اندفع إلى الخلف بحركة حادة جدا، وفي تلك اللحظة كان خنجر الدمية الأخرى قد مر بمحاذاة خد القاتل، ومع صوت تآكل خفيف انشق طرف قناعه عند الحافة
“هذه الدمية غريبة!”
لاحظ القاتل شيئا مريبا وكاد يمد يده، لكنه رأى فجأة الدميتين تطيران عائدتين كالبرق
ولأنه لم يستطع توجيه ضربة، انسحب بسرعة
في تلك اللحظة، أظهر سو إن بصفته المتحكم لمحة ندم على وجهه وهو يفكر في نفسه: “المحترفون من الرتبة الثانية حقا ليسوا سهلين الإصابة”
وأظهر القاتل المقابل له أيضا لمحة جدية في عينيه: هذا ليس محرك دمى عاديا
في الحقيقة، منذ أن أنقذ سو إن رينا من محاولة الاغتيال بواسطة الديدان المتحولة الشكل، كان يحاول إعادة بناء عملية الاغتيال كاملة في ذهنه
وكان قد اشتبه منذ وقت بأن هناك خائنا داخل فريق الاختبار
لكن المعلم، أوغست، يفترض أن يكون بخير
وإلا لما احتاج القتلة لكل هذا العناء لقتل رينا، فبهوية معلمه وقوة محترف من الرتبة الثانية كانت هناك فرص لا حصر لها لقتل رينا مباشرة
لكن اختيار القتلة الهجوم داخل الكهف تحت الأرض، ووضع رائحة خاصة على رينا، واستخدام الديدان المتحولة الشكل لمطاردتها، كل ذلك على الأرجح كان بسبب الحماية التي وفرها أوغست طوال الطريق، فاضطرهم ذلك إلى هذه الخطة
وفوق ذلك، اكتشف سو إن نقطة مريبة أخرى
فهو كان متأكدا أن أوغست كان دائما قريبا من فريق الاختبار، لكن هذا الشخص القوي مات دون أن يصدر أي صوت، وهذا كان محيرا إلى حد ما
فمعلمو أكاديمية البرج الأسود للخيمياء يتم اختيارهم بعناية من أقوياء متمرسين، وحتى لو تعرض المعلم أوغست من الرتبة الثانية لكمين، فمن المستحيل ألا يرسل إشارة تحذير
لم يكن يفهم السبب من قبل، لكن بعدما عرف حقيقة أن دانيال هو الخائن، اكتمل الجزء الناقص من لغز سو إن تماما
بل إن سو إن استطاع في ذهنه أن يعيد بناء مجريات المعركة كاملة
في ذلك الوقت، حين غادر دانيال فريق الاختبار، كان ذلك ليهاجم أوغست سرا، وبسبب دوره كمساعد كان من السهل عليه تنفيذ ضربة مباغتة من مسافة قريبة، ثم استخدام موهبته الخاصة، قدرة “السحر المحرم”، لختم أوغست، لكن بقوته لم يكن قادرا على قتل محترف من الرتبة الثانية، لذلك استنتج سو إن أن هناك على الأقل محترفا آخر من الرتبة الثانية ضمن فريق القتلة، ماهرا في الهجمات المباغتة الخفية
ولهذا، حين ظهر القاتل المتخفي خلفه قبل قليل، لم يتفاجأ سو إن إطلاقا
عند مواجهة محترف من الرتبة الثانية، خصوصا قاتلا متخفيا سريعا معزز الحركة، كانت الأسلحة النارية شبه بلا فائدة
وبعدما شهد إنجاز “الشيطان الأحمر” جيلونغ وهو يقطع الرصاص بسيفه، لم يظن سو إن، بصفته “خبير الأسلحة النارية”، أن لديه أي فرصة للفوز على محترف من الرتبة الثانية
لذلك تخلى عن السلاح الناري بحسم، وكشف لأول مرة عن قدرته المهنية: التحكم بالدمى
لكن سو إن لم يكن محرك دمى عاديا
فالسبب في غرابة “محرك الدمى غريب الأطوار” كان أساسا تنوع الدمى الرونية الغريبة التي يصنعها
والدميتان بجانبه، واحدة بوجه مبتسم أحمر وأبيض، والأخرى بوجه باك أزرق وذهبي، كانتا بالضبط نوعين من الدمى الأساسية لمحرك الدمى غريب الأطوار: “دمية العواء” و”دمية السخرية”
لم تبد هاتان الصغيرتان كأشياء جامدة متصلبة مثل دمى المسرح، وتحت تحكم سو إن الماهر بدتا كأنهما دبَّت فيهما الحياة، ترقصان بمرح بأطرافهما، وتلتوي مفاصلهما بمرونة، وحتى تعبيرات وجهيهما المرعبة كانت حية، ترمش وتبتسم وتغضب وتطلق العواء
كانتا كأنهما شبحان يرقصان في الظلام، ويطلقان ضحكة شريرة موحشة
ما إن ظهرتا حتى غطت هالة مرعبة المكان في لحظة
وبالطبع، لم تكن هاتان الصغيرتان مجرد شكل لطيف، فآثار لعنتهما كانت غير عادية أيضا
كلتا الدميتين الغريبتين كانتا أدوات لعنة ذهنية، إحداهما هجوم صوتي يؤثر في وعي الناس بمجرد سماع الصوت، والأخرى هجوم بصري يشبه تأثير تلك الوحوش العنكبوتية، يسبب الهلوسة عند النظر إلى الوجه المبتسم
بعدما عرف سو إن أنه سيدخل قتالا، حمل الدميتين على ظهره استعدادا لأي طارئ
ورغم أن مهاراته في صنع الدمى كانت في مستوى المبتدئ فقط، وأن الدميتين الغريبتين كانتا منخفضتي الجودة وبمدى هجوم صغير، إلا أن ذلك كان كافيا للسيطرة مؤقتا على هدف في اشتباك قريب
ولهذا ترنح القاتل المتخفي قبل قليل وكشف نفسه، فقد تأثر وعي ذلك الرجل بالدميتين الغريبتين
“لقد اختفى مجددا، لا بد أن موهبته مرتبطة بالتخفي، إما موهبة سي 025 الحرباء، أو موهبة بي 077 الاختفاء، أو حتى ماص الضوء الأندر”
حدق سو إن في الظلام بعينين ضيقتين، وفقد رؤية القاتل من الرتبة الثانية مرة أخرى
لم يجرؤ على التهاون، فدميتان ظلتا تطلقان موجات ذهنية بلا توقف، واحدة تضحك وأخرى تبكي، لضمان ألا يقتل من مسافة قريبة
لكن رغم قوة خصائص اللعنة في الدمى، فإن قوتها كانت ما تزال أقل بدرجة
لم يصدق سو إن أن هاتين الدميتين الغريبتين تستطيعان إنقاذ حياته أمام قاتل من الرتبة الثانية
ففي النهاية، عندما تواجه قاتلا ماهرا في التخفي، لا تقتصر طرق هجومه على الاشتباك القريب، فالقتلة يجيدون أيضا استخدام أسلحة بعيدة المدى متنوعة
ومهما كان حذرا، كانت الحالة الحالية أشبه بحكم بالموت على سو إن
لكن
في مواجهة واحد لواحد، لم تكن لدى سو إن أي فرصة للفوز حقا، لكن لم يكونا وحدهما في هذا الكهف
ظلام لينغدون القديمة تحت الأرض لم يكن أرضا للبشر، بل كان مجال الوحوش المتحولة
إن لم تكن هناك فرصة للفوز، فسيصنع واحدة
لقد أحدث سو إن ضجة كبيرة داخل هذا الكهف، وكانت عناكب الوجوه الشبحية المتحولة المختبئة في الظلام قد اشتد بها الجوع منذ زمن
لمح سرب العناكب الكثيف فوقه وسخر قائلا: “هاه، لنر من سيبقى حيا داخل سرب الوحوش”
كانت الجرعات التي تحجب إدراك الوحوش نادرة، لكن الطعم الذي يجذب الوحوش المتحولة كان سهل العثور
الدم البشري الطازج، والجثث، كانت أفضل ما يكون
كان جسد دانيال على الأرض ما يزال يفوح منه بخار الدم، كما أن الجرعات “المحفزة” القليلة التي حطمها سو إن سابقا كانت تطلق رائحة لاذعة نفاذة
وبما أن الوحوش أعداء، والقاتل عدو أيضا، أفلا تكون معركة ثلاثية أمرا جيدا
كان “هو” يستمتع بالشعور وهو يرقص على حافة السكين
كان سو إن يعرف تقريبا كل خصائص الوحوش ويملك إجراءات مضادة لها، لكن القاتل من الرتبة الثانية لم يكن يعرف شيئا
فهذا وحش متحول، أي أنه لم يظهر قط في العالم الخارجي
هجماته الذهنية لا يمكن توقعها ولا تترك مجالا للخطأ، فإذا تمت السيطرة على الضحية فالنهاية محسومة
وفي تلك اللحظة، لم تخيب وحوش العناكب آمال سو إن
كانت تلك المخلوقات ذات الأرجل الثماني معلقة رأسا على عقب من السقف وتتحرك بسرعة شديدة
وأول ما فعلته لم يكن مهاجمة البشر الثلاثة في المكان، بل اندفعت نحو مدخل النفق، ونفثت حرير العناكب، فسدت طريق الهروب في طرفة عين
“ختم المدخل؟ هذا ليس ذكاء وحش متحول عادي، لا بد أن هناك واحدا ‘غريبا’ مختبئا داخل سرب الوحوش”
رفع سو إن حاجبه وهو يرى ذلك
كان يشعر دائما بنظرة باردة من الظلام تراقبه بين حين وآخر، والآن، بعدما رأى سلوك العناكب غير المعتاد في “إغلاق الباب”، خمن فورا أن هناك واحدا “غريبا” ضمن هذا السرب من عناكب الوجوه الشبحية
لكن ذلك كان بالضبط ما يريده
لم يكن ينوي الهرب من الأساس
سواء راهن على الباب أم لا، فلا فرق، فهو لا يستطيع الفرار، والقاتل أيضا صار مقيدا
مناسب تماما لمعركة ثلاثية

تعليقات الفصل