الفصل 209 : العودة إلى إمبراطورية لوكيدونيا
الفصل 209: العودة إلى إمبراطورية لوكيدونيا
انقضت خمسة عشر يومًا، وحان وقت مغادرتهم لعالم الأصول.
لقد حصلوا على كمية هائلة من الموارد القيّمة، وكل ذلك بفضل إيثان.
ظهروا جميعًا أمام البوابة، غير أن الحوادث لم تخلُ من رحلتهم؛ فقد لقي بعضهم حتفه بعدما واجه وحوشًا في غاية القوة. وهكذا تقلّص عدد الذين دخلوا عالم الأصول عما كان في البداية.
ظل إيثان يحدّق في البوابة بتركيز شديد. كانت هذه فرصته الأخيرة لتعلّم ذلك المخطط، إذ إن هذه البوابة لا تُفتح سوى مرتين كل ألف عام.
وما هي إلا لحظات حتى صرّت البوابة وانفتحت مجددًا، فانصبّ تركيز إيثان على النقوش. في المرة السابقة لم يكن مستعدًا، لكن هذه المرة مختلفة؛ فقد كان قد كوَّن البنية الأساسية للمخطط، ولم يبقَ سوى التفاصيل.
انفتحت البوابة بالكامل، وابتلع الضوء الساطع كل من كان حاضرًا هناك. لكن إيثان لم يغمض عينيه هذه المرة، إذ ارتدى نظارة سحرية حصل عليها من كيت خصيصًا لهذا الغرض.
دخلوا عبر البوابة، وهناك ازداد الضوء الأبيض سطوعًا حتى فاق الخارج. غير أن هذا ساعد إيثان على استيعاب تفاصيل المخطط بسرعة أكبر.
ومع مرور الوقت اكتمل مخططه، وخرجوا جميعًا من البوابة.
شعور من الإثارة اجتاح قلب إيثان، كان متلهفًا ليعرف ماهية هذا المخطط.
لقد كان تعويذة “بوابة أبعاد”، لكن إيثان لم يفهم بعد ما معنى “بُعد”. فآثر أن يحتفظ بالأمر الآن، حتى يعود ويتحدث مع والديه عن حضارة أتلانتا.
التفت إيثان نحو مارثا وسألها:– “سيدتي، أود العودة إلى عائلتي لأتحدث مع والديَّ بشأن أمر عاجل.”
تفاجأت مارثا، إذ إن الدراسة في الفصل الجديد على وشك أن تبدأ قريبًا. فسألته:– “ولماذا تريد العودة الآن؟”
تردد إيثان، هل يخبرها بالحقيقة أم لا؟ لكنه فكّر: إذا كان سيعود إلى عالم الأصول، فلن يستطيع البقاء في أكاديمية السحرة العليا، ومن ثمّ لا بد أن يُخبرهم.
كان قد سأل كيت قبل رحيله إن كان بوسعه أن يكشف عن هذه الصفقة، فأذنت له فورًا. فحضارتها من مستوى متفوق، ولم تكن تخشى أن يُفتضح أمرها، لكنها ببساطة لم تحب الاختلاط مع شعوب العوالم الأخرى.
قال إيثان بهدوء:– “لنعد إلى الإمبراطورية أولاً. لدي أمر بالغ الأهمية لأخبركم به.”
وحين رأوه جادًّا على هذا النحو، لم يلحّوا في السؤال أكثر، وصعدوا جميعًا إلى المركبة الطائرة التي جلبتها مارثا.
داخل المركبة، اقترب صني من إيثان وقال:– “أخي، أريد أن أذهب معك إلى إمبراطوريتك أيضًا.”
سمعت مارثا ذلك، فدهشت من رغبة حفيدها في ترك الإمبراطورية لأجل إيثان. غمرها شعور مزدوج: سعادة بأن صني صار يخطو خارج العاصمة، وحزن لأن حفيدها صار يفضّل إيثان عليها. تذكرت كيف أنها سألته ذات يوم –وكان في الثالثة– إن كان يريد أن يخرج معها، فرفض.
لكن الغيرة تبقى غيرة.
سأل إيثان صني:– “هل أنت متأكد؟ الدراسة ستبدأ بعد يومين فقط، لا أظن أننا سنعود في الوقت المناسب.”
جاء إيديان وقال لإيثان:– “يا فتى، ما الأمر العاجل الذي يجعلك تفضّل الغياب عن أول أيامك في الأكاديمية؟”
فكر إيثان لحظة، ثم قرر أن يخبرهم هنا، إذ لم يكن معهم أحد سوى: هو، إيديان، صني، مارثا، دليلة، وعمتها جيسيكا. وكان يثق بهم جميعًا.
قال إيثان:– “حين أخبرتكم قصتي عن اليومين اللذين غبت فيهما، تركت جزءًا بالغ الأهمية. إنه يتعلق بإحدى حضارات عالم الأصول.”
ما إن نطق بذلك حتى شحب وجه مارثا وإيديان وجيسيكا.
فالحضارات كانت التابو الأعظم في هذا العالم، بأمر من فيكتور فرانكشتاين نفسه.
اقترب إيديان على عجل ووضع يده على فم إيثان:– “يا فتى، لا تتحدث عن هذا الأمر. إنه من المحرَّمات هنا.”
تفاجأ إيثان من ردة فعل سلفه، لكنه أدرك السبب. حقًا كان الأمر محرّمًا، لكن بالنسبة له لم يكن خطرًا، إذ يملك إذنًا من السيدة كيت.
أبعد يد إيديان بلطف، وابتسم قائلاً:– “لا تقلق. أنا أعلم ما أفعل.”
ثم تابع:– “بعد مغادرتي مع وو كونغ، لم أعد مباشرة إلى هنا. بل ذهبت إلى مكان آخر، وهناك وبمحض الصدفة، قُبلت داخل إحدى الحضارات.”
جفّت حناجر الشيوخ، إذ صاروا يسمعون ما لم يكن لهم أن يسمعوه.
وأردف إيثان:– “هناك عرضوا عليّ التدريب، مع السماح لي بالمغادرة مرة كل عام. فقبلت عرضهم.”
ثم توقف، فلم يستطع قول المزيد. لكنه كان كافيًا ليزرع الرعب في قلوبهم.
جثا إيديان على ركبتيه أمام إيثان، وأمسك بكتفيه وصوته يرتجف:– “يا فتى، هل أنت متأكد أنك لم تَخْطِئ في الأمر؟”
أدرك إيثان مشاعرهم، ولم يعد ذاك الفتى الساذج.
قال بحزم:– “أنا متأكد يا سلفي. بعد أن أتحدث مع والديّ، سأغادر إلى عالم الأصول مجددًا.”
وضعت مارثا يدها على فمها، وقد تملّكها الذهول. لقد بلغ هذا الفتى النقطة نفسها التي بلغها فيكتور فرانكشتاين من قبل، مؤسس السحر. بل رأت أنه قد يفوقه: فبينما كان فيكتور ساحرًا وفارسًا، فإن إيثان ساحر وسيّد وحوش في آن واحد.
لكنها لم تجرؤ أن تقول ذلك بصوت مسموع. لأول مرة تندم على أن صني لم يكن فتاة، ولو كان كذلك…
سعلت محاولة إخفاء أفكارها.
أما جيسيكا، فقد فكرت الشيء نفسه. لو كانت لوسي هنا، لكان يمكنها محاولة ربطها بإيثان، لكنها تلك الفتاة لم تهتم بالأكاديمية، وكانت تحلم بأن تصبح سيدة أعمال. بالتأكيد ستوبخها حين تعود إلى البيت.
في تلك اللحظة، غلبت العاطفة صني، وقال باكيًا:– “أخي، هل ستغادرني؟”
رأى إيثان دموعه، فقال له:– “أنت رجل، أليس كذلك؟ لا تبكِ. سأعود مرة كل عام، وسنتشارك تجارب حياتنا. وإذا أحسنتُ التصرف، قد أستطيع أن آخذك معي بإذنهم.”
أشرقت ملامح صني قليلًا بعد سماع ذلك.
أما مارثا، فقد شعرت بالفرح يملأ بطنها، وتلاشى ندمها. لمَ الحاجة إلى فتاة إن كان حفيدها قد وجد صديقًا كهذا؟
قالت مبتسمة:– “فلنزر عائلتك معًا. أريد أن أرى والديك، أي حظ هذا الذي يملكانه؟ لعلّ حظي يتحسن برؤيتهما.”
جيسيكا أيّدت كلامها.
فغيّرت المركبة الطائرة اتجاهها، وانطلقت نحو إمبراطورية لوكيدونيا.
غير أن إيثان لم يكن يعلم أن هذه المرة، كانت إمبراطورية لوكيدونيا تواجه تهديدًا وجوديًا. فقد تسرب خبر مغادرة إيديان للإمبراطورية بطريقة ما، وكان ذلك كافيًا ليجرّ عليهم خطر الفناء.

تعليقات الفصل