تجاوز إلى المحتوى
صفاتي تتزايد بلا حدود

الفصل 376 : بشرٌ غريبو الأطوار

الفصل 376: بشرٌ غريبو الأطوار

عاد الفراغ ليستقرّ في صمتٍ تام بعدما تلاشى آخر إعلانٍ كوني.

بقي إيثان في موضعه، محلّقًا متربّع الساقين، وقد عاد تنفّسه إلى انتظامه. كان صدى السُّلطة لا يزال عالقًا في عظامه، وفي دمه، وفي المنطق الجديد الذي أُعيدت كتابته لوجوده. حدثان محوريان. سلطةٌ مُكتسبة. شظيّة عرشٍ قد تشكّلت.

لم يكن يعلم بعد إن كان لذلك العرش وظائف أخرى أم لا.

تمتم بصوتٍ خافت، وعيناه نصف مغمضتين:

«خطوتي التالية… هي الصيد».

النوابغ. الشذوذات. أبطال القدر الذين باركتهم المصادفات. والوحوش الأصيلة التي أنشأها هذا المجال الأبدي نفسه. كان بحاجة إلى سلالاتهم، ومساراتهم، وأسرارهم المتراكمة. عندها فقط يمكن لـ سلالة الدم الشاملة أن تكتمل. وعندها فقط يمكن المطالبة الكاملة بـ عرش المصير.

لكن قبل أن يتحرّك، وقبل أن يبدأ الصيد، كان بحاجة إلى وضوح.

قال إيثان بهدوء:

«أريد أن أعرف بدقّة أين أقف».

رفع يده ومدّ إصبعين.

اضطرب المنشئ.

هذه المرّة، لم تكن العملية عنيفة. لا ألم. لا إعادة كتابة للروح. بل تجلٍّ نقيّ أنيق. تدفّقت ماهيّته الأصلية كمحيطٍ صامت، تضغط المنطق والمادّة والقانون المجرّد في بُنية واحدة.

تشكّلت حاكم أمامه.

كانت ضخمة، لكنها متماسكة. هيكلٌ مكعّب يطفو في الفراغ، سطحه مكوَّن من طبقات شفّافة تعجّ برموز متغيّرة. كل طبقة تمثّل محور قياس مختلفًا: القوّة الجسدية، الضغط المفاهيمي، القدرة على كسر القوانين، والضرر الوجودي.

في قلبها كرة جوفاء من مادّة العدم المطلق، شيء قادر على تحمّل ضربات تمحو الجداول الزمنية.

لهذا الجهاز غرضٌ واحد فقط.

أن يُضرَب.

تمتم إيثان:

«بالنسبة لأي كائنٍ آخر، سيكون هذا انتحارًا».

طنّت الحاكم بخفوت، وكأنها تعترف بخالقها.

نهض إيثان وحرّك كتفيه مرّة واحدة.

لم يفعّل أي قدرة. لا سلطة. لا تعزيز سلالة. لا سيف.

جسده فقط.

قوّته الأساسية فقط.

سحب قبضته إلى الخلف.

تموّج الفراغ.

ثم وجّه لكمة.

لم يكن هناك صوت.

ولا انفجار.

وقعت اللكمة بنقاءٍ تام، متجاوزةً كل مظهرٍ استعراضي. انحنى الفضاء إلى الداخل لجزءٍ من الثانية، ثم عاد كما لو أنه خجل من ردّ فعله.

اهتزّت الحاكم.

وتوهّجت الرموز على سطحها بعنف.

ثم ظهر سطر واحد من المعلومات، معروضًا أمام إيثان بنصٍّ باردٍ مطلق:

[الضرر المسجَّل: 1 قيمة عصر]

حدّق إيثان فيه.

قيمة عصر.

زفر ببطء.

قال بصوتٍ منخفض:

«إذًا هذا هو الأمر».

لم يكن ضرر العصر يُقاس بالطاقة، بل بالعواقب. قيمة عصر واحدة تعني قوّة تدمير كافية لمحو عصرٍ كوني مكتمل من بدايته إلى نهايته. ليس كواكب، ولا مجرّات، بل تواريخ كاملة.

كائن بدئي وُلد قبل أن يتعلّم الزمن كيف يتدفّق بالكاد يستطيع بلوغ هذا الحدّ بكل جهده.

قبض إيثان يده ثم أرخاها.

قال بتقديرٍ هادئ:

«على الأقل أقوى بـ 10¹⁰⁰⁰ مرّة من السلف البدئي… وربما أكثر».

أومأ لنفسه.

هذا مقبول.

ثم تحوّل نظره.

قال:

«لرؤية الفارق… سأختبر الترقية».

انبثق سيف اللانهاية من جسده في شعاعٍ من ضوءٍ شاحب. لم يعد يطفو خارجيًا؛ بل شعر به كامتدادٍ لعموده الفقري، وجهازه العصبي، وإرادته. حين أمسكه، لم يكن هناك إحساس بحمل سلاح.

كان كإغلاق قبضة.

أمسك إيثان بالمقبض.

لم يحدث شيء.

لا اندفاع قوّة.

لا ضغط.

لا هالة تهزّ العوالم.

رمش بعينيه.

«…هل لم ينجح؟» تمتم. «هذا غير ممكن».

كان السيف قد تطوّر وفق منطقٍ كامل. وكان قد فعّل حدثًا محوريًا بالفعل. لا يمكن أن يكون معيبًا.

إلا إذا…

إلا إذا كان التأثير مطلقًا لا يُدرَك.

عقد إيثان حاجبيه قليلًا، ثم هزّ رأسه.

«كفى تفكيرًا».

رفع السيف.

هذه المرّة، لم يقيّد نفسه أيضًا.

وضرب.

لم يلمس النصل الحاكم.

الواقع بينهما توقّف عن الوجود.

وقعت الضربة عبر مسافةٍ لا ينبغي أن تكون مهمّة، قاطعةً لا الفضاء، بل الصلة والمعنى.

ثم ظهر الإسقاط:

[الضرر المسجَّل: 10¹⁰⁰⁰⁰ قيمة عصر]

تجمّد إيثان.

وللحظةٍ وجيزة، توقّف عقله عن العمل.

عشرة أسّ عشرة آلاف.

عصور.

شدّ أصابعه على المقبض.

«…اللعنة»، همس.

لم يعد هذا فارقًا.

كان هوّةً سحيقة.

القوّة الخالصة وحدها ارتفعت إلى مستوى يسحق حالته الأساسية بلا أي مقارنة. وكل هذا دون استخدام سلطة، ودون تفعيل سلالة، ودون أي هجمات مفاهيمية إضافية.

قال ببطء:

«إن كان هذا مجرّد خرج جسدي… فماذا عن القوّة الجوهرية؟»

كان يستطيع تخيّلها بالفعل. محو القوانين. إعادة كتابة المصير. أوامر الوجود. لو قرّر كائن حقيقي من المرتبة التالية قتله، لا بالقوّة الغاشمة، بل بسلطةٍ مصقولة عبر العصور…

«سأُمحى فورًا»، اعترف إيثان.

اشتدّ فكّه.

ثم طفت صورة في ذهنه.

فتاة.

عيناها.

الضغط الذي تحمله دون أن تحاول.

هزّ إيثان رأسه بقوّة.

«ركّز»، قال لنفسه. «مقارنة القوّة يمكن أن تنتظر».

حصرياً… هذا العمل مقدم لكم من مَــجَرة الرِّوَايات، أي وجود له خارج موقعنا هو اعتداء على حقوقنا.

بدّد الحاكم، وأعادها إلى العدم.

قال:

«أحتاج إلى سلالات دم… وأحتاج إلى معلومات».

كان المجال الأبدي شاسعًا بما يفوق الفهم. التجوال الأعمى مضيعة للوقت.

«إذًا»، تمتم، «أحتاج إلى حلفاء».

أو بالأحرى، أعداء نافعين بما يكفي ليصبحوا حلفاء مؤقّتين.

العائلات الأصيلة في هذا المجال.

سلالات عتيقة متجذّرة بعمق في هذا العالم. تحتكر المعلومات، وتسيطر على المسارات، وتعرف أين يظهر الشذوذ وأين يختبئ النوابغ.

كانوا مثاليين.

اختفى إيثان.

ثم ظهر بعد لحظات، طائرًا بسرعةٍ عبثية عبر طبقات الواقع. كانت أغشية العوالم تمرّ من حوله كصفائح زجاج رقيقة. كل طبقة بنية عالمٍ مستقلّة، مكدّسة فوق الأخرى، تشكّل مسارًا نحو كيانٍ أعظم.

سرعان ما تباطأ.

ظهر حاجز أمامه.

كان هائلًا، شفّافًا، منسوجًا من قوانين متشابكة وخيوط قدر. عبس إيثان.

«ما هذا؟»

مدّ يده ولمسه.

في اللحظة التي لامست فيها أصابعه الحاجز، تردّد ردٌّ مباشر في وعيه:

[أنت على وشك مغادرة الواقع الحالي.]

[هل ترغب في دخول واقع مرشّح آخر؟]

[الكلفة: 0.01 بالمئة من السلطة.]

اتّسعت عينا إيثان.

ثم ضاقتا.

«…ماذا؟»

اندلع الغضب فورًا.

«إذًا جميع المرشّحين منفصلون؟» زمجر. «كلٌّ محبوس في واقعه الخاص؟»

كانت التداعيات مقزّزة.

«وعليّ أن أدفع سلطة لمجرّد التنقّل بينهم؟» صاح. «أي نوعٍ من القوانين اللعينة هذا؟»

كانت سلالة الدم الشاملة تعتمد على سلالات أخرى، على الامتصاص، على الإخضاع. إن كان كل هدفٍ ذي قيمة مختومًا خلف رسوم سلطة، فالتصميم بأكمله يصبح غير فعّال.

صرّ على أسنانه.

«ألا يوجد طريق آخر؟» طالب إيثان.

جاء ردّ إرادة العالم هادئًا بلا عاطفة:

[شرط بديل: يجب أن يمتلك المرشّح قوّة أعلى بأربعة عوالم من عالمه الحالي.]

حدّق إيثان.

«…تبًّا…»

كاد السباب أن يخرج كاملًا قبل أن يوقف نفسه.

أربعة عوالم.

مع سيف اللانهاية، كان يستطيع بلوغ ثلاثة عوالم أعلى من حيث القوّة القتالية. ذلك لا يزال غير كافٍ. ما يعني أن اقتحام الطريق بالقوّة مستحيل.

ليس بعد.

أغمض عينيه واستنشق بعمق.

قال ببطء:

«حسنًا. اهدأ».

الغضب لن يحلّ شيئًا.

«أحتاج إلى معلومات أولًا».

استدار بعيدًا عن الحاجز، وانطلق في الاتجاه المعاكس.

مرّت طبقة بعد طبقة، حتى ظهر بناءٌ هائل أمامه.

إطار عالم.

دخله بسلاسة، وتابع التقدّم. تغيّرت البيئة. أصبح الفضاء أكثر انتظامًا. استقرّت السببية. عبر عدّة طبقات أخرى حتى تشكّل حوله الانحناء المألوف لكونٍ كامل.

تمتم:

«هذا يبدو طبيعيًا».

عبر الحدّ الفاصل.

في اللحظة التي دخل فيها الكون، لامس شيئٌ إحساسه.

إحساس غريب.

أبطأ إيثان.

«ما هذا؟» همس.

سرت قشعريرة فيه؛ لسببٍ ما، كان وجوده يشعر بإثارة.

التفت نحو مصدر الإحساس وزاد سرعته.

انطلقت النجوم كخطوط.

وانطوت السُّدُم إلى أشرطة من الألوان.

ثم رآه.

كوكب.

محترق.

مُدمَّر.

سطحه ممزّق بالحفر، قارات متشقّقة، محيطات تغلي تحت طاقةٍ متبقّية. الغلاف الجوي غير مستقر، والبرق يمزّق سحبًا حمراء كالدم.

ساحة معركة.

هبط إيثان بصمت.

ومع اقترابه، رأى المقاتلين.

كانوا نحو 500 إنسان، منقسمين إلى مجموعتين.

مجموعتان تتصادمان عبر سهولٍ مهدّمة ومدنٍ محطّمة.

للوهلة الأولى، بدا الأمر عاديًا.

ثم احتدّ نظر إيثان.

إحدى المجموعتين… كانت خاطئة.

كانت مختلفة عنه جذريًا.

«كيف؟»

نشر إيثان حواسّه ومسح تلك المجموعة.

وعندما أنهى الفحص، اتّسعت عيناه.

لأن بنية هؤلاء البشر كانت معاكسة تمامًا له.

الإلكترونات في أجسادهم موجبة، بينما البروتونات سالبة.

«كيف يكون هذا ممكنًا؟» لم يصدّق إيثان ما يرى.

حتى على مستواه، لم يكن يستطيع منشئ شيء كهذا.

رأى أحد أولئك البشر يهاجم خصمه برمحٍ جليدي.

تفادى الخصم الهجوم، لكن إيثان كان يقف خلفه.

أنشأ إيثان حاجزًا عاديًا ليوقف الهجوم.

كان ذلك الإنسان كيانًا من المرتبة 1 فقط.

هشّ!

لكن لصدمة إيثان، اخترق الرمح الجليدي حاجزه وأصاب جسده.

لم يُصب بأذى، لكن نظرة الذهول لم تفارق وجهه.

وكان ذلك لسببين.

الأوّل: كيف استطاع كيان من المرتبة 1 في بُعدٍ ثالث اختراق حاجزه؟

والثاني:

أن الجليد كان حارًا… بدلًا من أن يكون باردًا.

التالي
376/508 74.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.