الفصل 378 : جيان
الفصل 378: جيان
لم تتوقف ساحة المعركة لمجرد أن إيثان عرف الحقيقة.
واصل البشر المعكوسون تحركاتهم بحذر، تتلوى تشكيلاتهم وتتحول كصيادين مترصدين. أما المزارعون العاديون فاندفعوا إلى الأمام مطلقين تقنيات مدوية، غير مدركين مدى هشاشة التوازن القائم حقًا.
وقف إيثان منفصلًا عن الطرفين.
لأول مرة منذ أن خطا إلى مملكة الإمبراطور، شعر بعدم يقين.
كانت الحرارة لا تزال كامنة في جسده.
لم تكن عنيفة، ولا طاغية… بل كانت مناسبة تمامًا.
تلك الخلية المتطورة الوحيدة نبضت بخفوت داخله، كنبض قلب هادئ. وبالمقارنة مع قاعدته الزراعية الهائلة، بدت ضئيلة الشأن. ومع ذلك، فهم إيثان بغريزته أمرًا مرعبًا.
إن استمرت تلك الخلية في الانتشار…
وإن بدأ جسده يتطور خلية بعد خلية…
فلن يعود كائنًا عاديًا. سيغدو شيئًا مختلفًا كليًا.
«كائن أسمى مجهول»، تمتم إيثان.
إرادة العالم نادرًا ما تستخدم أوصافًا غامضة. وحين تفعل، فهذا يعني أن المستقبل قد أفلت من المسارات الراسخة.
تأرجحت زهرة اللوتس المُنشئة برفق داخله، تتوهج بتلاتها بخفوت. لم تعد تبدو أداة ولا كنزًا.
بل بدت حيّة.
وجائعة.
نظر إيثان مجددًا إلى ساحة المعركة.
وبعينَي الوجود لديه، ظل البشر المعكوسون ضبابًا رماديًا. غير أن خيوطًا امتدت منهم الآن أيضًا، خيوطًا لا ترتبط إلا به وحده.
كانت خيوطًا تقول إن أولئك البشر مواد زراعة مهمة.
استجابت اللوتس لتلك الخيوط بشغف.
«هذه الكائنات…» همس إيثان. «إنها غذاء لي.»
كان ينبغي لتلك الفكرة أن تثير اشمئزازه.
لكنها بدت طبيعية.
وكان هذا أكثر ما أخافه.
سقط محارب معكوس آخر، مُحيَ نتيجة اشتباك مع مزارع رفيع المستوى. وفي اللحظة التي مات فيها، شعر إيثان بذلك. نبضة عنيفة من الإنتروبيا انفجرت إلى الخارج، لم يرها معظمهم، لكنها كانت جلية لإدراكه.
التوى الفضاء.
وتلعثم الزمن.
وتصدع جبل في البعيد بلا سبب واضح.
«إذًا قتلهم يؤذي هذا العالم»، قال إيثان ببطء، «لكن استهلاكهم لا يفعل.»
أخيرًا، فهم.
لم تكن زهرة اللوتس الخالقة تُدمّر الإنسان المعكوس، بل كانت تهضمه.
تأخذ الإنتروبيا وتعيد تنقيتها، فتحول السم إلى غذاء.
أمرٌ لا ينبغي لأي كائن طبيعي في هذا الكون أن يقدر عليه.
اشتدت قبضة إيثان.
«إن انتشر هذا»، فكّر، «يمكنني تثبيت الإنتروبيا بدلًا من إزاحتها.»
وكانت دلالة ذلك هائلة.
يمكنه إنهاء الحرب.
أو أن يصبح شيئًا أسوأ من الطرفين معًا.
وقبل أن يتحرك، تغيّر الهواء.
هبط حضور ما.
لم يكن صاخبًا، ولم يسحق الفضاء، ولم يعلن عن نفسه.
ومع ذلك، صرخت روح إيثان.
اهتز عرش القدر الوهمي خلفه. السلطة التي نالها لتوّه بدت رقيقة وهشة، كورقة أمام نصل.
لقد دخل أحدهم هذه الحقيقة.
شخص لا ينبغي أن يوجد هنا.
استدار إيثان ببطء.
وقف الشاب الوسيم على بعد مئات الأمتار، مرتديًا أردية بسيطة. وعلى وجهه ابتسامة لطيفة، مسترخية وفضولية، كأنه يتجول في سوق لا في ساحة معركة تشوّه الواقع نفسه.
لكن عينَي الوجود لدى إيثان رأتا الحقيقة.
هذا الرجل لم يكن واقفًا على القوانين.
بل كانت القوانين هي التي تقف عليه.
كل خيط من خيوط السلطة انحنى بخفة حول جسده، متجنبًا ملامسته، كماء ينساب حول صخرة أثقل من أن تتحرك.
«إنه خارج مستواي تمامًا.»
تباطأ تنفّس إيثان.
لم يكن هذا خوفًا.
بل غريزة.
غريزة تصرخ بكلمة واحدة.
اهرب.
تلفت الشاب حوله بعينين لامعتين اهتمامًا.
ثم استقر نظره على إيثان.
تعاظمت ابتسامته.
«ها أنت ذا.»
لم يتحرك إيثان.
إن هاجم، سيموت.
وإن فرّ، سيموت.
وإن تكلّم بطيش، فقد يموت أسرع.
«من أنت؟» سأل إيثان.
كان صوته ثابتًا، وذلك وحده إنجاز.
شبك الرجل يديه خلف ظهره واقترب بخطوات سهلة، ينفرج له الفضاء بلا مقاومة.
«يمكنك أن تناديني جيان»، قال. «الأسماء خارج هذا العالم… غير مريحة.»
المترجم سيتوقف عن العمل إذا استمرت السرقة، ادعمه بالقراءة عبر مَجَرَّة الـروايَات فقط. galaxynovels.com
انطلق عقل إيثان مسرعًا.
لقد عبر هذا الرجل العوالم كما لو كان يتجاوز بركة ماء. وهذا يعني أمرًا واحدًا.
كائن يملك قوة قتال تفوق مملكته بأربع عوالم، أو أنه أقوى حتى من المجال الأبدي نفسه، بحيث لا تنطبق عليه القواعد.
«أتيت من أجلي؟» سأل إيثان بتوتر.
أومأ جيان. «بالطبع. عندما يبدأ أحدهم بسرقة السلطة من عرش القدر نفسه، فإن ذلك يجذب الانتباه.»
سرقة؟
قطّب إيثان حاجبيه. «الإرادة هي التي منحتني ذلك.»
ضحك جيان بخفة. «الإرادة تمنح ما لم تعد قادرة على التحكم فيه.»
رمق جيان البشر المعكوسين بنظرة سريعة. تغير تعبيره قليلًا.
«حتى المستوى المعكوس وصل إلى هنا؟ يبدو أن حرب الوجود الأبدية باتت قريبة جدًا»، تنهد.
ثم أعاد نظره إلى إيثان.
«وأنت»، تابع، «شيء أندر بكثير.»
شعر إيثان وكأنه مكشوف.
كأن كل أسراره قد وُضعت في العراء.
«زهرة اللوتس الخالقة»، قال جيان بلا مبالاة. «أثر صُمم لبذر الكمال في الأكوان الميتة. ومع ذلك، تستخدمها لهضم الوجود المعكوس.»
مال برأسه. «هل تدرك أصلًا أي طريق تطأه؟»
أجاب إيثان بصدق: «لا.»
بدا أن ذلك أمتع جيان.
«جيد»، قال. «الغطرسة كانت ستجعل الأمر مملًا.»
تباطأت ساحة المعركة من حولهما. شعر المزارعون والبشر المعكوسون معًا بضغط غير مرئي، أجبرهم على الابتعاد. لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
قبض إيثان يده. «إن كنت هنا لتقتلني»، قال، «فافعل.»
رمش جيان، ثم ضحك علنًا.
«أقتلك؟» قال. «ولمَ أفعل ذلك؟»
اقترب خطوة أخرى، حتى صار على بعد أمتار قليلة.
«أنت تجربة لم يخطط لها العالم»، تابع جيان. «كائن قادر على استهلاك الإنتروبيا دون كسر السببية. هل تعلم كم هذا نادر؟»
ظل إيثان صامتًا.
«أنت التعريف الأمثل للشذوذ.» وفجأة تحولت عيناه إلى ظلام سحيق، ثم عادتا لطبيعتهما.
«كما توقعت. لا تملك نسخًا بديلة في أي خط زمني. أتساءل إن كان للمستوى المعكوس نسخة منك أم لا»، قال باهتمام واضح.
«إذًا ماذا تريد؟» سأل إيثان.
لانت ابتسامة جيان.
«أريد أن أراقب.»
كان ذلك الجواب أبرد على قلب إيثان من أي تهديد.
«ستقاتل في هذه الحرب»، قال جيان بهدوء. «ستستهلك الكائنات المعكوسة. وستتطور.»
ورفع إصبعًا.
«لكن لا تتجاوز خطًا واحدًا.»
صرخت غرائز إيثان بالخطر.
«لا تسمح للوتس أن تطمس إرادتك»، قال جيان. «في اللحظة التي تصبح فيها هي السيد، تكف عن كونك كائنًا. وتتحول إلى وظيفة.»
استدار مبتعدًا، وقد فقد اهتمامه بالفعل.
«آه»، أضاف جيان وهو يلتفت بنظرة أخيرة. «هناك شخص آخر قادم قريبًا. شخص أقل صبرًا مني.»
«من؟» طالب إيثان.
توقف جيان.
«صيّاد»، قال. «من العالم المعكوس.»
ثم اختفى.
لا تموّج.
ولا أثر.
كأنه لم يوجد قط.
عاد ضجيج ساحة المعركة دفعة واحدة.
انفجارات. صرخات. فضاء متشظٍ.
وقف إيثان وحيدًا.
كان قلبه يخفق بعنف.
صيّاد من العالم المعكوس.
قوي بما يكفي لعبور العوالم عمدًا.
تحركت اللوتس مرة أخرى، كأنها متحمسة.
«لا»، قال إيثان بهدوء. «لستَ من يقرر.»
رفع يده.
انفتح باب هائل تحت عشرات المحاربين المعكوسين دفعة واحدة. صرخوا وهم يُسحبون إلى عالمه الداخلي.
تفاعلت اللوتس بعنف.
اندفعت الجذور كالرماح.
هذه المرة، راقب إيثان بعناية.
ومع امتصاص الجوهر المعكوس، بدأت خلايا أخرى داخله تتغير. ببطء. واحدة تلو الأخرى.
لا بانفجار.
بل بسيطرة تامة.
صار وجوده أكثر كثافة. أنقى. أكثر استقرارًا.
تدفقت الإنتروبيا إليه ثم تلاشت، مخلفة بنية خالصة.
زفر إيثان.
«هذا هو الطريق الذي سأسلكه»، قال.
لن يسمح لأحد أن يتحكم في قدره أو في إرادته.

تعليقات الفصل