الفصل 380 : عائلة فيلزارد
الفصل 380: عائلة فيلزارد
كان فراغ الفضاء لوحة شاسعة باردة، لكن إيثان كان يشقّه بعزمٍ يتّقد كالنجم. كان يعلم أن الوقت يداهمه؛ ففي مكانٍ ما بين ظلال العالم المعكوس، كان صيّاد قد التقط أثره. وللبقاء، لم يكن بحاجة إلى قوةٍ أعظم، بل إلى أن يكون غير مرئي. ولهذا، كان لا بدّ له من مكعب الفضاء ليبلغ رتبة الفوضى.
ثبّت إيثان نظره على كوكبٍ ينبض بهالة كثيفة يمكن الإحساس بها من مسافاتٍ ضوئية بعيدة. كان ذلك إيثلغارد، عالَمًا تبلغ فيه الجاذبية حدًّا يسحق الإنسان العادي إلى غبارٍ في لحظة. كان مركزًا للنخبة، ومكانًا لا تُعدّ فيه الكائنات ذات المستوى السيادي أساطير، بل حكّامًا فاعلين لسلالات مترامية.
وأثناء هبوطه نحو سطح الكوكب، ضغط ثِقَل الغلاف الجوي على إيثان. فقام فورًا بكبح هالته، مستعينًا بإتقانه للطاقة ليبدو كمسافرٍ جوّال من عالم البعد الخمسين؛ قويّ بما يكفي لينال الاحترام، وعاديّ بما يكفي ليتفادى التدقيق.
كانت العاصمة، أوليندوس، أعجوبةً من الرخام الأبيض والحدائق الطافية. هنا، تُباع الكنوز التي قد تشعل الحروب في العوالم الدنيا بلا اكتراث على بسطات الشوارع.
قضى إيثان أيامه الأولى متنقّلًا بين دور الكنوز الراقية والمزادات السرّية. زار خزانة النجوم الأبدية وجناح الثراء اللامتناهي، تمرّ عيناه على كل معدنٍ، وكل أثرٍ، وكل قطعةٍ مختومة.
«لا شيء»، تمتم إيثان وهو يخرج من متجرٍ متخصّص بالمعادن البدئية. «مواد نادرة وملحمية كثيرة، لكن لا شيء يحمل الجوهر اللازم لمساعدة نيني على الترقية. نيني لا يمكنها أن تتطوّر بالقمامة.»
أدرك المشكلة سريعًا؛ فالأشياء التي يحتاجها حقًا لا تُعرض علنًا أبدًا، بل تُحبس في خزائن خاصّة، تحرسها أختامٌ عتيقة وحُرّاس من المستوى السيادي أو أعلى.
جلس إيثان في بيت شايٍ هادئ يراقب إيقاع المدينة. كان اقتحام تلك الخزائن ممكنًا، لكنه سيجرّ متاعب لا يريدها الآن. لم يكن بحاجة إلى القوّة، بل إلى النفاذ.
«أحتاج إلى دور»، فكّر. «المحارب أداة، والمخطِّط تهديد، أمّا المعالِج فهو منقذ.»
كان الشفاء أحد مواهب إيثان القصوى. فبفهمه للقوانين وبفضل الاستيعاب اللامتناهي، لم يكن يصلح اللحم فحسب، بل الوجود ذاته. تخلّى عن هويته كمقاتل، واتّخذ شخصية طبيبٍ جوّال يُدعى الدكتور أليستير.
بدأ يتقصّى الشائعات بين طبقة النبلاء العليا. ففي عالم الحكّام والكائنات السيادية، نادرًا ما يظهر المرض؛ وما يُعدّ اعتلالًا غالبًا ما يكون لعنة، أو جرحًا من قانونٍ محرّم، أو انحرافًا في مسار الترقّي.
وسرعان ما تكرّر اسمٌ واحد.
عائلة فيلزارد.
كانت عائلة فيلزارد إحدى العائلات الثلاث الركائز في إيثلغارد. سلفهم كان سياديًّا في المرحلة المتوسّطة، بقوةٍ تشقّ السماء. ومع ذلك، كان الحزن يخيّم على العشيرة.
ابنتهم، سيرافينا فيلزارد، كانت عبقريةً بلغت ذروة عالم سيّد القطاع في سنٍّ مبكرة، وهي مستقبل العائلة. قبل ستة أشهر، سقطت في غيبوبةٍ عميقة لا تفسير لها؛ بقيت قوّة حياتها مستقرة، لكن روحها كانت بعيدة المنال.
أنفق سلف فيلزارد ثروةً طائلة لاستقدام الخيميائيين والمعالجين الإلهيين من شتّى أنحاء القطاع، بل حاول سياديون آخرون سبر روحها. عاد الجميع بالنتيجة ذاتها:
لا سبب.
إنها ببساطة تتلاشى.
كان مقرّ آل فيلزارد حصنًا منحوتًا في جانب جبلٍ متلألئ. وعندما وصل إيثان، كان المدخل مكتظًا. فبرغم الإخفاقات المتكرّرة، ظلّت المكافأة مغرية: فضلٌ من السلف وإتاحة الدخول إلى قاعة الأصول.
«تنحَّ جانبًا أيها الهاوي!» صرخ صوتٌ أجشّ.
دفع رجلٌ بملابس ذهبية، يحمل عصًا تنبض بنورٍ مقدّس، إيثان جانبًا. كان معالِجًا رفيع الشأن من نظامٍ مجاور، وتبعه آخرون، يتّخذون الغرور درعًا.
راقب إيثان بصمت ولم يتدخّل. وحين جاء دوره، تقدّم إلى القائمين وقال ببساطة: «جئتُ لرؤية الفتاة.»
رمقه القيّم بملابسه البسيطة وتنهد. «واحدٌ آخر. ادخل وانتظر في القاعة. إن فشل المعالِج الرفيع، قد تنال دقيقة.»
في الداخل، كان الجوّ ثقيلًا. كان سيّد العائلة، الذي يشبه حضوره جبلًا، يذرع القاعة ذهابًا وإيابًا. وقف المعالِج الرفيع أمام حاجزٍ متلألئ يقود إلى الحجرات الداخلية.
«مولاي سيّد العائلة»، أعلن المعالِج، «أحمل ندى نجم الصباح. إن لم يوقظها هذا، فروحها ضائعة حقًّا.»
سُمح له بالدخول.
وبعد ساعة، خرج. كان وجهه شاحبًا، والعرق يغمر ثيابه الذهبية. لم يقل شيئًا، بل هزّ رأسه وغادر مسرعًا.
عندها تكسّر تماسك سيّد العائلة.
مَــجـرّة الرِّوايات: مشاهد القتال والعنف هنا لا تمت للواقع بصلة، حافظ على سلامتك النفسية. galaxynovels.com
«أما من أحد؟» زأر، فاهتزّت الجدران بطاقة صوته. «أيعقل أن تذبل حفيدتي أمام أعيننا؟»
تقدّم إيثان خطوة. «أودّ المحاولة.»
انطبقت نظرة سيّد العائلة الحادّة عليه. «أنت؟ لا تحمل أدوات، ولا أتباع، وهالتك بالكاد تبلغ عالم البعد الخمسين. لماذا أضيّع وقتي؟»
أجاب إيثان بهدوء: «سترى بنفسك.»
إن سمحوا له فحسن، وإن لم يفعلوا فلن يذلّ نفسه أمام هؤلاء الضعفاء.
ساد الصمت القاعة.
فرضت الثقة في صوته تردّدًا على سيّد العائلة، ثم أشار إلى الحجرة. «اذهب. لكن إن خدعتنا، فلن تغادر هذا الجبل حيًّا.»
امتلأت الغرفة بعبق أعشابٍ نادرة وبخورٍ باهظ. كانت سيرافينا ممدّدة على سريرٍ من يشمّ الروح. ظلّ جمالها حاضرًا، لكن بشرتها كانت شفافة شمعية، كأنها تتحوّل ببطء إلى تمثال.
لم يقترب إيثان فورًا. أغمض عينيه وفعّل عيون الوجود.
وعندما فتحهما، تبدّل العالم.
اختفت الغرفة، وحلّ محلّها تدفّق الطاقة، وارتعاش القوانين، وبنية الواقع ذاته.
راقب سيّد العائلة والحُرّاس من المدخل، وقد تحوّلت عينا إيثان إلى فضّةٍ مخيفة.
حبس إيثان أنفاسه فجأة.
كان ملتصقًا بصدر سيرافينا، حيث ينبغي أن يكون قلبها، شيءٌ مستحيل: خيطٌ رقيق ضبابي، ليس ذهبيًّا ولا أسود.
كان رماديًّا.
«هذا…» همس إيثان.
لم يكن مرضًا.
ولم يكن لعنة.
كان الخيط الرمادي مرساةً؛ شيءٌ من خارج هذا العالم، تحكمه قوى الإنتروبيا، يمتصّ معناها من الوجود.
«إنه قانون الإنتروبيا»، أدرك إيثان. «هي لا تموت… بل تُمحى.»
بالنسبة إلى غيره، بدت في غيبوبة. لم يستطيعوا إدراك الخيط لجهلهم بالعكس، لكن إيثان—الذي لمس 0.1 بالمئة من تلك الحقيقة المحرّمة—رآه متّقدًا كمنارة.
استدار نحو سيّد العائلة، الذي كان يحدّق بأملٍ يائس.
قال إيثان: «أستطيع إيقاظها، لكنني أريد زيارة خزانتكم.»
تقدّم سيّد العائلة خطوة. «إن أنقذت حفيدتي، ستمنحك عائلة فيلزارد نصف كنوزها.»
ابتسم إيثان ابتسامةً خفيفة.
ومدّ يده إلى الخيط الرمادي.
وحين لامسته أصابعه، تردّد قانون الإنتروبيا في ذهنه.
فارتجف الخيط، وبدأ يُمتصّ فيه ببطء.

تعليقات الفصل