الفصل 457 : حيّ الأكواخ
الفصل 457: حيّ الأكواخ
كان الظلام يضغط على إيثان من كل اتجاه.
فتح عينيه فلم يرَ شيئًا. لم يتسرّب أي ضوء إلى الداخل. كان الهواء كثيفًا ورطبًا، تفوح منه رائحة العفن. شيء لزج كان يلتصق بجلده. شعر أن جسده صغير بصورة غير معقولة، ثقيل وضعيف.
«الحالة».
ظهرت لوحة شفافة داخل وعيه.
[السيد: إيثان هانت
البنية الجسدية: 200 غرام
الروح: 200 غرام
الموهبة: الفهم اللامحدود
العمر: 1 يوم]
للحظة، حتى هو التزم الصمت.
«يوميكو»، قال في داخله. «أين أنا؟»
تبع ذلك صمت قصير.
[سيدي، أنت داخل سلة قمامة. لقد تم التخلي عنك هنا بعد وقت قصير من ولادتك. والداك البيولوجيان لم يكونا قادرين على تحمّل نفقات إطعام طفل آخر.]
حاول إيثان رفع يده.
ارتجفت بضعف ولم تتحرك إلا قليلًا.
لقد أعاده العالم إلى هيئة مولود جديد، ثم ألقاه في القمامة.
تسللت الرائحة إلى رئتيه. شعر بثقل الغطاء الساحق فوقه. كان الجوع يلتف داخل معدته الصغيرة كأنه نصل حاد.
أصبح تنفّسه ضحلًا.
«كيف يُفترض بي أن أنجو من هذا؟» سأل. ولأول مرة منذ دخوله البرج، تسلل شعور هائل بالإلحاح إلى أفكاره. «سأختنق حتى الموت قبل أن تبدأ التجربة أصلًا».
[عندما يقترب المارة، سأقوم بإخطارك. يجب أن تبكي. هناك احتمال إحصائي أن يقوم أحدهم بالتحقق.]
أن يبكي.
كاد إيثان يضحك من عبثية الأمر. كائن كان قد مزّق الفضاء نفسه أصبح الآن يعتمد على صراخ غريزي.
مرّت ساعتان في ظلام خانق.
[سيدي. هناك شخص يقترب.]
استنشق إيثان ما استطاع من الهواء الفاسد القليل، وأجبر صوته على الخروج من حنجرته الهشة.
«وا… وا…»
خرج البكاء خافتًا وضعيفًا.
تباطأت خطوات لبرهة.
ثم استمرت.
لم يتحرك الغطاء.
عاد الصمت مرة أخرى.
[لقد غادر. حافظ على طاقتك لوقت لاحق.]
خلال الساعتين التاليتين، تكرر النمط. بكى إيثان ثلاث مرات أخرى. مرة بصوت أعلى. مرة بيأس. ومرة بإيقاع محسوب.
لم يفتح أحد الغطاء.
في الأحياء الفقيرة، لم يكن العثور على أطفال متروكين أمرًا نادرًا.
اشتد الجوع أكثر خلال هذه 4 ساعات. تشوش بصره رغم الظلام.
«هل هناك طريقة أخرى؟» سأل.
[هناك البروتوكول الثالث. لكن الضغط قد يتسبب بضرر دائم لوعائك الحالي. احتمال البقاء منخفض.]
قبل أن يتمكن إيثان من الرد، اقتربت خطوات مرة أخرى.
هذه المرة كانت أسرع. متبرمة.
اخترق صوت امرأة الشارع.
«أولئك الحمقى لا يعرفون حتى كيف يستخدمون وسائل الوقاية. يدمّرون حياتهم ثم يرمون الطفل مثل القمامة».
احتك الغطاء وانفتح.
اندفع الضوء إلى الداخل.
رمش إيثان حين ضرب الهواء البارد وجهه. كانت امرأة شابة تنظر إليه من الأعلى. كان شعرها مربوطًا بشكل فضفاض. ملابسها مهترئة لكنها نظيفة. تعبيرها قاسٍ.
ثم رأت عينيه.
ترددت.
«ما زلت حيًا»، تمتمت.
مدّت يدها ورفعته. كانت يداها خشنَتين لكن ثابتتين.
«سأخرجك من هنا»، قالت ببرود. «ثم سأسلّمك إلى عصابة المتسولين. بعد ذلك إن عشت أو متّ فذلك حظك».
بالنسبة لها، كانت فقط تزيل قمامة من الشارع.
أما بالنسبة لإيثان، فقد كانت متغيرًا غيّر مصيره.
«أيتها السيدة، لا فكرة لديك عن أي قدر اكتسبته للتو»، فكّر بهدوء.
عبست قليلًا.
«لماذا عيناك هكذا؟»
كان نظر إيثان ثابتًا، واضحًا على نحو غير طبيعي بالنسبة لمولود جديد. للحظة شعرت وكأنها هي التي يتم فحصها.
«لا تنظر إليّ هكذا»، قالت وهي تعدّل حمله على صدرها. «لا أستطيع تحمل مسؤولية تربيتك. لا أستطيع حتى إطعام نفسي جيدًا».
واصلت السير.
امتد حيّ الأكواخ حولهما من خرسانة متشققة وصفائح معدنية مموجة. كانت مياه الصرف تسيل في مجارٍ ضيقة. أطفال بوجوه غائرة كانوا يراقبونهما بصمت.
بعد عدة خطوات، تباطأت.
ثم توقفت.
تمتمت بشتيمة تحت أنفاسها.
«لا أعرف ماذا أفعل بنفسي».
بدل أن تتجه نحو منطقة العصابة، سارت في الاتجاه المعاكس.
كان اسمها ليريا.
لم يكن منزلها أكثر من غرفة ضيقة واحدة فيها سرير مكسور وموقد صدئ. وضعت إيثان برفق على السرير وسخّنت الماء فوق لهب صغير.
غسلته بعناية، وأزالت الأوساخ والدم الجاف. كانت حركاتها مرتبكة لكنها حذرة.
«أنت مصدر متاعب»، تمتمت. «تبدو وكأنك ستجلب المشاكل».
بعد تنظيفه، لفّته بملابس قديمة ووضعته على السرير.
«سأحاول العثور على حليب»، قالت قبل أن تغادر.
حين أُغلق الباب، ركّز إيثان إلى الداخل.
«يوميكو. بنية العالم».
[اسم هذا الكوكب زيلم. كان ينتمي قبل دهور إلى حضارة ذات طاقة عالية. لا تزال آثار متبقية في الطبقات الجيولوجية، لكن لا توجد طاقة كونية يمكن الوصول إليها. إنه حاليًا عالم بشري عادي.]
«القدرة القتالية؟»
[أسلحة نارية متقدمة وتقنيات صناعية. توجد بعض السلالات القتالية. أفراد استثنائيون قادرون على صدّ الرصاص أو تحطيم الحجر. لكن لا أحد يتجاوز الحدود البيولوجية.]
فكر إيثان في الأمر.
«إذن أن أصبح الأقوى خلال عام ليس العقبة الحقيقية. المهمة الحقيقية هي العثور على فأس الفوضى».
[صحيح. قد يكون المشرفون يختبرون قدرتك على التكيف تحت القمع.]
زفر ببطء.
«إنهم يريدونني أن أنتظر بينما يقوم أبناء الحاكم الآخرين بالزراعة القتالية».
[هذا محتمل.]
حدّق إيثان في السقف المتشقق.
«لا يهم. إنهم يسيئون فهم أمر أساسي».
بعد 30 دقيقة، فُتح الباب.
دخلت ليريا مع امرأة أخرى. كانت المرأة الثانية أنحف، وتحمل طفلة رضيعة بين ذراعيها.
«صوفيا»، قالت ليريا بهدوء. «شكرًا لقدومك. سأرد لك الجميل بطريقة ما».
ابتسمت صوفيا ابتسامة متعبة.
«لقد أنقذت طفلًا. كنت فضولية فقط. لكن ابنتي تحتاج الحليب أيضًا. لا أستطيع أن أعطي إلا القليل».
انتقلت نظرتها إلى إيثان.
تجمدت.
«الآن فهمت».
«ماذا؟» سألت ليريا.
«هو لا يبدو كطفل من حي الأكواخ».
جلست صوفيا بجانب السرير ورفعت إيثان برفق. عدلت ملابسها وأرضعته.
انتشر الدفء في جسده.
خفّ الاحتراق في معدته.
ولأول مرة منذ التناسخ، شعر بالاستقرار.
«لا أستطيع إعطاء أكثر من هذا اليوم»، قالت صوفيا بلطف. «سأعود غدًا».
«شكرًا لك»، ردت ليريا وهي تخفض رأسها قليلًا.
بعد مغادرة صوفيا، لفّت ليريا إيثان بإحكام أكبر.
«الليل سيكون باردًا»، همست.
مرّت 5 أيام.
نما إيثان بوتيرة تتحدى علم الأحياء.
في اليوم الخامس، حدّقت فيه ليريا بذهول.
«هل أنا فقط»، قالت ببطء، «أم أنك كبرت أكثر من اللازم؟»
أصبح إيثان قادرًا الآن على الحركة بتناسق. ازدادت قوة عضلاته بسرعة. أما عقله، بطبيعة الحال، فلم يتغير.
النمو المفرط سيجذب الانتباه.
إذا اكتشف سكان حي الأكواخ أمره، فقد يبيعون المعلومة للحكومة، وعندها كان يستطيع تخيّل ما سيحدث.
«طاولات التشريح»، خطرت الفكرة في ذهنه.
«سأغادر غدًا»، قرر داخليًا.
في ذلك العصر، زارت صوفيا مرة أخرى.
توقفت عند الباب.
«ألا يبدو الآن كأنه طفل بعمر سنتين؟» همست.
شحبت ليريا.
«لاحظتِ ذلك أيضًا؟»
ركعت صوفيا بجانبه وأرضعته كالمعتاد، لكن القلق بقي في عينيها.
«ربما هو مرض نادر يجعله ينمو بهذه السرعة»، قالت ليريا بضعف.
هزّت صوفيا رأسها لكنها لم تقل شيئًا.
في اليوم التالي، عادت ليريا من جمع الخردة.
ما إن وقعت عيناها على السرير حتى تجمدت. كان السرير فارغًا.
كانت الملابس مطوية بعناية.
لبضع ثوانٍ لم تتحرك.
ثم تسارع تنفسها.
«من أخذه؟»
فتشت الغرفة بجنون. تحت السرير. خلف الموقد.
لا شيء.
ارتجفت يداها.
«سأجد من فعل هذا»، همست والدموع تنهمر على وجهها. «حتى لو كانت عصابة. سأقتلهم».
كان غضبها يخفي شيئًا أعمق.
تعلّق. لقد بدأت تعامل إيثان كأنه ابنها. لذلك كان اختفاؤه المفاجئ يطعن قلبها.
في زاوية ضيقة من حي الأكواخ، بعيدًا عن الطرق الرئيسية، كان إيثان قابعًا خلف كومة من الحطام.
كان جسده الآن يشبه جسد طفل صغير بدل رضيع. وقد استقر نموه إلى وتيرة أكثر تحكمًا.
كان يراقب الأكواخ البعيدة بصمت.
«أحتاج إلى 7 أيام أخرى»، حسب في ذهنه.

تعليقات الفصل