الفصل 336: ساحة معركة أوساكا، عرض منفرد لفتاة قوطية
الفصل 336: ساحة معركة أوساكا، عرض منفرد لفتاة قوطية
في الوقت نفسه الذي داهم فيه الأعضاء العشرة الآخرون من أجنحة قوس قزح الجزيرة غير المأهولة، كان الليل قد حل في ميناء أوساكا باليابان
بقيت “الدمية القوطية” إستر و“ليوشاو” كي تشينغ تشينغ في ميناء أوساكا بأمر من القائدة
وفي هذه اللحظة بالذات، سمعا فجأة دوي انفجار عظيم، ثم رفعا رأسيهما في الوقت نفسه ونظرا إلى البعيد
تحت غطاء الليل، انفجرت فجأة إحدى مقصورات عجلة فيريس تيمبوزان، ثم مزق كائن متحول من النحل ملتهم الضوء يبلغ طوله 5 أمتار الباب وضغط جسده ليخرج منه
امتص ضوء القمر، ورفع رأسه البشع، ثم زأر في وجه سماء الليل
رفعت إستر عينيها الحمراوين، لكنها لم تكن تراقب ذلك الكائن العملاق من النحل ملتهم الضوء طوال الوقت، بل كانت تحدق بلا حراك في زاوية أخرى من عجلة فيريس
كان ذلك أعلى إحدى المقصورات، حيث جلست بتكاسل مخلوقة نصفها إنسان ونصفها نحلة، ذات شعر قصير أزرق بلون البحر وفستان أزرق بلون البحر، وهي مائلة إلى جانب واحد
ومع صعود مقصورة عجلة فيريس ببطء، كانت تتدلى بساقيها الطويلتين في نسيم الليل، وتنظر بسخرية نحو الميناء، بينما ترتسم على وجهها ابتسامة طفولية
بدا الأمر كما لو أنها تستفزهما، أو كطفلة تدعو الآخرين إلى اللعب
“أيتها الصغيرة… هل هذه هي ماركيز النحل التي تحدثت عنها؟” سألت إستر بهدوء، وهي تضم دمية الأرنب الصغيرة إلى صدرها
“نعم، إنها ماركيز النحل الثالثة من النحل ملتهم الضوء، كاميرون”، أومأ كي تشينغ تشينغ
كان يعلم في قرارة نفسه أن إستر، بطبيعتها، لن تنظر أبدًا إلى المعلومات الخاصة بماركيزات النحل الأربعة
“إذًا ما هي قدرتها؟” واصلت إستر السؤال
“قدرتها هي صنع أفراد متحولين من النحل ملتهم الضوء باستخدام جثث البشر”، قدم كي تشينغ تشينغ الشرح، “وبحسب حكم غارفيلد، فهي الأضعف بين ماركيزات النحل الأربعة، لكن قدرتها مناسبة جدًا لإثارة الفوضى داخل المدن، فإذا مُنحت عددًا كافيًا من الجثث البشرية، فبإمكانها حتى أن تصنع جيشًا”
تثاءبت إستر
ثم لعقت شفتيها وقالت بفتور، “أيتها الصغيرة، تول أنت التعامل مع أفراد النحل ملتهم الضوء المتحولين على تلك السفينة السياحية وعجلة فيريس، أما أنا فسأتولى هذه الماركيز”
“السفينة السياحية؟”
سأل كي تشينغ تشينغ ذلك، ثم أدار رأسه لينظر إلى السفينة السياحية القادمة من جهة البحر
وكان المشهد الذي وقع في عينيه لا يصدق: كان السياح على سطح السفينة يقرعون الكؤوس ويرقصون، ويحتضن بعضهم بعضًا مثل وحوش فاقدة للعقل، ويمزقون وجوه بعضهم وأجسادهم بعنف
بدا الأمر كمهرجان يسبق نهاية العالم
وفي اللحظة التالية، جثا جميع ركاب السفينة السياحية على الأرض، وتمزقت ثيابهم من عند الصدر، كاشفة عن قلوب نابضة بعروق زرقاء بلون البحر. وبعد ذلك مباشرة، بدأت أجسادهم تتحول كما كان متوقعًا
وخلال ثوان معدودة فقط، وُلدت أفراد عملاقة من النحل ملتهم الضوء. كانت تصر بأسنانها، وتنشطر لواسنها الطويلة الحادة لتكشف عن أفواه تشبه النباتات آكلة اللحوم
انهارت السفينة السياحية
وفي الوقت نفسه، نشرت تلك النحلات العملاقة أجنحتها الرقيقة الشفافة، ثم طارت نحو الميناء وسط أزيز يصم الآذان من رفرفة الأجنحة
“ربما تستطيع ماركيز النحل الثالثة أن تصبح غير مرئية. هل يمكنك اللحاق بها؟” سأل كي تشينغ تشينغ بلا تعبير، وهو يسحب نظره من هناك
“هل تتحدث إلي أنا، أيها الصغير؟” قالت إستر، “منذ اللحظة التي دخلت فيها مجال بصري، كنت قد تركت بالفعل ‘خيط دمية’ للتعقب فوق رأسها. لن تستطيع الهرب مهما ذهبت”
رفعت نظرها إلى سماء الليل، حيث ظهر فوق رأس كاميرون خيط خافت، وكان طرفه الآخر متصلًا بمكان مجهول في العتمة
وباستثناء إستر، لم يكن أحد، بما في ذلك كاميرون نفسها، قادرًا على رؤية خيط الدمية هذا بوضوح
وفي هذه اللحظة، أغمضت إستر عينيها، وعندما فتحتهما من جديد، أصبحت حدقتاها الحمراوان فارغتين فجأة
صارت فتاة الدمية القوطية كدمية في عرض مسرحي، نظرتها فارغة، وتعابيرها فارغة، بينما كانت الخيوط تهبط من فوق رأسها، تحرك كل طرف من أطراف جسدها، وكانت مفاصلها تنثني إلى الأعلى بجمود
وفي النهاية، هبط خيط شفاف آخر من مكان ما في سماء الليل، واتصل برأس إستر
ثم رفعت رأسها، وانتشر على شفتيها تقوس خال من المشاعر
كان كي تشينغ تشينغ يعرف أن هذه هي الورقة الرابحة لإستر، “حالة الدمية”
وعند الدخول في “حالة الدمية”، لا يعود جسد إستر تحت سيطرتها، بل تتولى “خيوط الدمية” فوق رأسها التحكم فيه، فتؤدي تلقائيًا أدق الحركات الممكنة في البيئة الحالية
ولو أردنا تشبيه الأمر بصورة سهلة الفهم، فهو أشبه بتشغيل وضع “سيطرة الذكاء الاصطناعي”
“من النادر أن تكوني متحمسة إلى هذا الحد. سأترك لك ماركيز النحل الثالثة، وأنا سأتكفل بالجنود الثانويين”
عدل كي تشينغ تشينغ نظارته على أنفه، ثم استدار فجأة إلى الجانب، ورفع يده اليمنى، وشكلها على هيئة مسدس
وفي اللحظة التالية، وجه طرف إصبعه إلى الكائن المتحول من النحل ملتهم الضوء الذي كان يعيث فسادًا على عجلة فيريس تيمبوزان، ثم ثنى سبابته قليلًا وضغط الزناد غير المرئي
وفي لحظة، انطلقت من طرف إصبعه رصاصة هوائية شديدة التكثيف
“بانغ—!”
وبعد ثانية كاملة فقط، دوى في الهواء صفير الريح متأخرًا
اندفعت الرصاصة الهوائية غير المرئية وهي تدور في الجو، صانعة تيارًا حادًا، وعبرت 1000 متر في لحظة، ثم أصابت بدقة جسد الكائن المتحول من النحل ملتهم الضوء الذي يبلغ طوله 5 أمتار
ومع صوت خافت، انفجر فجأة ثقب نصف قطره متر واحد في صدره
اندفع الدم وانهال بغزارة. وأطلق عواءً وسقط، وهو يهوي نحو أرض مدينة الملاهي
رفعت كاميرون، الجالسة فوق المقصورة، حاجبها عندما رأت هذا المشهد
وبدا أنها فوجئت لأن الرجل قصير الشعر ذو النظارات قتل لعبتها من مسافة 1000 متر، بل وأصاب موضعًا قاتلًا من دون أن يخطئ
“رامي دقيق… هل يوجد بين البشر أشخاص بهذه القوة؟” صفقت كاميرون بيديها، وهي تنظر إلى الأسفل حيث سقط الكائن المتحول من النحل ملتهم الضوء الذي أصابته الرصاصة الهوائية على الأرض وأثار سحابة من الغبار
وتعالت في الضباب صرخات الناس ونداءاتهم
وفي هذه اللحظة، تجمدت كاميرون فجأة
ثم عادت إلى رشدها، ورفعت رأسها بحدة، لتكتشف أن الدمية القوطية إستر كانت قد اختفت بالفعل من مجال رؤيتها
وفي مكان غير بعيد، كانت إستر تدوس على البيوت الخشبية في الميناء، وتطير داخل الشوارع المضيئة، وتعبر أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية، ثم تهبط فوق الواجهة الزجاجية لأحد الأبراج الشاهقة
ثنت فتاة الدمية القوطية ركبتيها قليلًا، وركزت القوة في نقطة واحدة عند أطراف أصابع قدميها، وفي الثانية التالية، تحطم زجاج المبنى كله، وبفضل قوة الارتداد الهائلة، اندفعت هيئتها المستورة بزخات الزجاج المتطاير إلى الأمام مباشرة
وفي هذه اللحظة، كانت أشبه بمظلة سوداء جرفتها عاصفة، وكانت تنورة فستانها القوطي الأسود تتمايل بجنون في الريح، وكانت سرعتها عالية إلى درجة لم يبق منها سوى صور لاحقة
وفي غمضة عين، كانت هيئة إستر قد شقت سماء الليل ودخلت عجلة فيريس تيمبوزان
لكن في الوقت نفسه، نشرت كاميرون أجنحتها العملاقة الشبيهة بأجنحة الطيور، ونثرت منها سحابة من المسحوق. ثم صارت هيئتها شفافة، وامتزجت في الليل فورًا، واختفت بلا أثر
ومع ذلك، واصلت فتاة الدمية القوطية الاندفاع إلى الأعلى، وهي تدوس على مقصورات عجلة فيريس
كانت كطائر بحري رشيق يطير خلال سماء الليل، ويعبر وسط الأضواء الصاخبة، ويلاحق بلا هوادة الاتجاه الذي اختفت فيه كاميرون، بينما كانت أطراف ثوبها السوداء تتمايل في الريح
لم تكن إستر ترى هيئة كاميرون بوضوح، لكنها كانت ترى خيط دمية هابطًا من السماء، متصلًا بزاوية ما في العتمة
وكانت تفهم في داخلها أن نهاية الخيط هي موقع كاميرون، لذلك ظلت تطارد بلا توقف هيئتها المختفية
وفي الوقت نفسه، عند الميناء البعيد، رأى كي تشينغ تشينغ أن إستر قد أصبحت جادة، فاستدار ليواجه عشرات أفراد النحل ملتهم الضوء الطائرين من السفينة السياحية
حرك يديه كالسكاكين، فانطلقت خطوط من الشفرات الهوائية عبر الجو، وهي تزأر مندفعه إلى الأمام
وعلى الأرض، انشقت أخاديد مظلمة، وامتدت مباشرة إلى الأمام
وتحطم سور الميناء في اللحظة التي أصابه فيها ذلك الأثر، وبعده مباشرة، صارت مجموعة النحل العملاق المتحول المندفع من البحر الضحية التالية طبيعيًا
شقته الشفرات الهوائية من الأمام مباشرة، فحفرت في أجسادها أخاديد بشعة بصمت
بعضها قُطعت أجنحته الرقيقة، وبعضها قُطعت رؤوسه، واندفع الدم من أجساد الوحوش كما لو كان فيضانًا لا ينتهي، وكأن يومًا كاملًا من النزف لن يكفي لتصريف الدم الفاسد من أجسادها
وكما يقول المثل، أبسط الطرق هي الأقوى، فبالنسبة إلى كي تشينغ تشينغ، لم يكن التحكم في الهواء لصنع عملاق غير مرئي يقاتل، أو التحكم في تركيبة الهواء لحرمان الأعداء من الأكسجين، أمرًا مباشرًا ومرضيًا بقدر مجرد التلويح بيده لإطلاق شفرات هوائية
وعلى خلاف أعضاء أجنحة قوس قزح الآخرين، الذين طوروا قدرات الإسبر لديهم بطرق غريبة واستعراضية، كان كي تشينغ تشينغ أشبه بشخص عنيد يتعمد السير عكس التيار
منذ اللحظة التي ترقى فيها إلى مستوى كارثة الأرض، تخلى عن مواصلة تطوير الاستخدامات المتعددة لقدرة الإسبر الخاصة به
وبدلًا من ذلك، أخذ يصقل هذه التقنية الأبسط يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، ويرسخها مرارًا في ذاكرة عضلاته
كان أشبه بحرفي يخلص بإخلاص كامل في صقل نصل سيف واحد خشن، ليلًا ونهارًا بلا كلل
وفي كل صباح حين يستيقظ، لم يكن لديه سوى فكرة واحدة: أن يجعل ضربة يده كالنصل أسرع، وأدق، وأكثر قسوة
ومع هذا الهدف، كان كي تشينغ تشينغ يؤدي يوميًا ما لا يقل عن عشرات الآلاف من ضربات اليد القاطعة
وبعد بضع سنوات، منحتْه جهوده الزاهدة شبه التعبدية نتائج مذهلة في القتال الحقيقي، وأظهرت معنى أن القوة الواحدة تكسر أساليب كثيرة
والآن، كانت سرعة إطلاقه للشفرات الهوائية هائلة إلى حد مذهل، لا نظير لها، وأصعب في التصدي لها من الرصاصة بعدة مرات
كان هذا معجزة، معجزة وُلدت من صقل لا يحصى
وحتى اليوم، مات عدد لا يحصى من الأعداء الأقوياء تحت شفرات كي تشينغ تشينغ الهوائية قبل أن يتمكنوا حتى من إظهار نقاط قوتهم، فإما شُقوا نصفين من الخصر، أو انقسموا إلى قسمين من الوسط، ولم يدركوا أنهم ماتوا بالفعل إلا في اللحظة التي تمزقت فيها أجسادهم
لكن في هذه اللحظة بالذات، شعر كي تشينغ تشينغ فجأة أن هناك خطبًا ما
فعلى الرغم من أن أفراد النحل ملتهم الضوء كانوا قد قُطعوا إلى أشلاء بشعة، فإن تلك الكتل الممزقة والضبابية من اللحم كانت لا تزال تواصل رفرفة أجنحتها والاندفاع نحوه
وفي الوقت نفسه، كانت أجسادهم تتحول إلى اللون الأحمر، وكأنها تشتعل، واندفع من صدورهم الممزقة ضوء أحمر مبهر وخطير
ارتفعت ألسنة اللهب إلى السماء، واجتاح انفجار هائل نصف الميناء، مشكلًا سحابة فطرية صادمة في الجو
“بووم—!!!”
غمرت صرخات الناس ضوضاء الانفجار الصماء، وغمر اللون الأحمر كل شيء في الميناء، حتى ماء البحر والليل فقدا لونيهما
وبعد وقت طويل، أخذ الدخان الذي لف الميناء يتراجع ببطء، وخرج من داخله صوت
“قدرة الإسبر الخاصة بماركيز النحل الثالثة، هل تستطيع حتى صنع جنود يفجرون أنفسهم باستخدام الجثث البشرية… من حسن الحظ أن ماركيز النحل الثالثة لم تبق على الجزيرة، وإلا فربما واجهوا هناك معركة صعبة”
وفي زاوية تبعد 200 متر عن الميناء، كان كي تشينغ تشينغ، المحاط بحاجز هوائي معزول بالكامل، ينظر إلى اللهب المندفع حوله، ثم عدل نظارته وتمتم مع نفسه
قبل ثانية واحدة فقط، وفي اللحظة التي وقع فيها الانفجار، كان قد تحكم في الهواء ليوسع تيار الانفجار المعاكس، حاملًا جسده 200 متر إلى الخلف
ثم صنع حاجزًا هوائيًا، وتمكن بالكاد من صد قوة الانفجار
ولو أنه أخطأ في خطوة واحدة فقط من هاتين الخطوتين، لما خرج سالمًا
وعندما هدأ الغبار من حوله، كان ميناء أوساكا قد تحول إلى خراب محفور بالحفر
رفع كي تشينغ تشينغ رأسه، ولم يكن أمامه سوى امتداد من السواد المحروق يبدو بلا نهاية، يتصاعد منه بخار أبيض ساخن، حتى إن المرء ليشعر وكأنه داخل حمم بركانية
قراءة ممتعة، ولا تنسَ الصلاة والسلام على النبي ﷺ.
قال كي تشينغ تشينغ بلا تعبير، وهو ينظر إلى العظام المتفحمة على الأنقاض، “لقد مات كثير من الناس. سأتلقى عقابًا عندما أعود”
ثم أدار رأسه ببطء، وسقطت نظراته عبر عدساته المغطاة بالضباب على مدينة أوساكا المضيئة كما كانت
وفي هذه اللحظة، كانت “الدمية القوطية” إستر وماركيز النحل الثالثة “كاميرون” منخرطتين في مطاردة داخل المدينة
أما المارة الذين انجروا إلى هذه اللعبة الطفولية، فقد لقوا جميعًا، من دون استثناء، نهايتهم
كانت إستر تتحرك داخل المدينة تحت سيطرة الخيوط فوق رأسها، كدمية ميتة، وفق أكثر منطق سلوكي دقة وكفاءة
قفزت فوق منصة عمل مرتفعة، ثم هبطت على سطح قطار سريع أخضر داكن، وبعد ذلك ثنت ركبتيها، فانطلقت هيئتها الرشيقة إلى الأعلى في لحظة، ومع تأرجح تنورتها، تحطم زجاج الأبراج الشاهقة على طول الطريق، وراحت إشارات المرور تومض انطفاءً وإضاءة، وخفت سطوع اللوحات الإعلانية
“لماذا تستطيع هذه البشرية أن تراني؟ ما أغرب هذا…” فكرت كاميرون بحيرة
طارت بأقصى سرعة، محاولة توسيع المسافة بينها وبين الدمية القوطية خلفها، لكنها مهما حاولت، ظل الفاصل بينهما في حدود 500 متر
فكرت كاميرون في نفسها، هذه الفتاة البشرية سريعة إلى حد الوحش
ولحسن الحظ، كانت كاميرون قد وضعت خطة في ذهنها بالفعل
فقد وصلت بصمت إلى الموقع الذي أعدت فيه فخها مسبقًا، وهو شارع محصور بين برجين شاهقين
وفي هذه اللحظة، كانت قد وضعت داخل المكاتب في البرجين “نحلًا ملتهمًا للضوء ذاتي التفجير” محولًا من جثث بشرية، وكان مطابقًا تمامًا للنحل ملتهم الضوء المتحول الذي انفجر في الميناء قبل قليل، بل وأكثر عددًا منه
كان هذا الانفجار كافيًا لقتل أي إسبر من فئة الكارثة، وكانت كاميرون واثقة من ذلك
أما العاملون داخل المكاتب في البرجين، الذين أنهكهم العمل الإضافي حتى التعب النفسي، فكانوا الآن منبطحين على كراسيهم بلا حراك، وقد تمزقت صدورهم، وكانت عروق دموية زرقاء بلون البحر تنبض على سطح قلوبهم
لعقت كاميرون زاويتي فمها، ثم قادت عمدًا تلك الهيئة الرمادية التي كانت تطاردها كالشبح الوحيد إلى داخل الشارع. وبعد ذلك، حسبت بدقة اللحظة التي ستدخل فيها إستر إلى الشارع
“ثلاثة…”
“اثنان…”
“واحد”
عدت كاميرون ثلاث ثوان بصمت، ثم ابتسمت وصفقت بأصابعها بقوة
احتكت مفاصل أصابعها وأطلقت صوت “طَق” حادًا. وفي هذه اللحظة، صمت العالم كله، ولم يعد يُسمع أي صوت. وبعد ذلك مباشرة، هبطت فتاة بفستان أسود قوطي بدقة داخل الشارع
ثم انطلق في الوقت نفسه زئير يصم الآذان من المبنيين المكتبيين على جانبي الشارع
وتحت حسابات كاميرون المتقنة الخالية من الخطأ، حدث الأمران في اللحظة نفسها تقريبًا
وفي لحظة واحدة، اخترق مئات من النحل ملتهم الضوء المتحول الجدران الزجاجية للبرجين، وكانت الكتل اللحمية المتراكمة فيهم منضغطة حتى بدت كرة واحدة، تتلوى بصورة بشعة وقذرة، كأنها أرواح شريرة تفيض من الجحيم
ابتلعت كل الأضواء الزاهية، وابتلعت ضوء القمر كله، وكأن شبكة ضخمة من اللحم البشري اندفعت فوق المكان، كسيل مركب من الدم واللحم
وفي اللحظة التي دخلت فيها إستر الشارع، أظلم العالم
رفعت عينيها الفارغتين كعيون دمية، وانعكس في حدقتيها آلاف الكتل اللحمية المتلوية، حيث كانت رؤوس وأطراف تلك الكائنات العملاقة من النحل ملتهم الضوء مكدسة معًا، وتهبط بشكل كاسح من الأعلى
وفي هذه الثانية، هبط فجأة خيط من الفتحة الوحيدة الباقية في السماء، وكان ذلك الخيط متصلًا بدمية الأرنب الصغيرة التي كانت إستر تضمها بقوة بين ذراعيها
وفي اللحظة التالية، جذبت الخيوط الهابطة من فوق رأس الدمية الأرنب الصغيرة، فقفزت من بين ذراعي إستر، وسقطت إلى الأرض، ثم توسعت بسرعة، وتحولت إلى أرنب عملاق رمادي أبيض يبلغ ارتفاعه 300 متر
انحنت إستر قليلًا، ثم ركعت، ووطئت رأس الأرنب العملاق، فيما انتشرت تنورتها كزهرة متفتحة
رفعت عينيها الفارغتين، ونظرت بصمت إلى سرب النحل الكاسح
أطلق أرنب الدمية العملاق صراخًا وهتافًا، ثم رفع ذراعه اليمنى عاليًا فجأة بسرعة لا يمكن تفسيرها بالعقل، وكانت الريح العاتية التي صنعها في تلك اللحظة قد أطاحت بأكثر من نصف أفراد النحل ملتهم الضوء المتحولين القادمين
وبفضل هذا، ظهرت أخيرًا فتحة في السماء، وأصبح بالإمكان رؤية ضوء القمر عند النظر إلى الأعلى
وبعد ذلك مباشرة، أمسك أرنب الدمية إستر الواقفة على رأسه بكفه اليسرى الوردية الناعمة، ثم قذفها نحو السماء عند نهاية الشارع
كان جسد إستر خفيفًا كالمظلة، فقذفتها الدمية أكثر من 1000 متر في لحظة، وعبرت بها الفتحة التي فتحها هجوم ماركيز النحل
أما أرنب الدمية العملاق، فبقي في مكانه، مطأطئًا رأسه المغطى بالفرو، ثم جلس على أرض الشارع بصوت مكتوم
وفي الوقت نفسه، هبط مئات من أفراد النحل ملتهم الضوء المتحولين. كانوا يتدفقون بلا نهاية كمد هائج، حتى دفنوا أرنب الدمية الذي يبلغ ارتفاعه 300 متر تحتهم، وشكلوا جبلًا وبحرًا من اللحم
وبعد ذلك مباشرة، بدأت أجسادهم تشع بلون أحمر مبهر، وعندما بلغت حرارة سطحهم الذروة، انفجر سرب النحل فجأة، وتحول إلى لهب شاهق ارتفع إلى السماء
وخلال وقت قصير، لم ينجُ أحد ضمن مسافة تمتد مئات الأمتار
أُبيد كل شيء داخل ذلك اللهب المدمر، ولم ينجُ أرنب الدمية أيضًا من مصير الاحتراق إلى رماد
“ما الذي يحدث…”
رفرفت كاميرون بجناحيها وتوقفت في الجو، ثم نظرت إلى الوراء نحو هذا المشهد، وقد بدت مذهولة
كان الاتجاه الذي قذفت نحوه دمية الأرنب إستر هو بالضبط الاتجاه الذي كانت كاميرون تهرب نحوه
كانت كل الأفعال التي اتخذتها إستر في حالة الدمية محسوبة بأقصى درجات الدقة والكفاءة، كما لو أن قوة عظمى كانت تتحكم في هذه الدمية في تلك اللحظة، متنبئة بكل التغيرات في عالم البشر، وآخذة كل شيء بالحسبان
وفي لحظة، وطئت منصة عمل مرتفعة، وانطلقت هيئتها نحو كاميرون كريح عاصفة
رفرفت كاميرون بجناحيها العملاقين بعنف، وأرادت الهرب، لكنها في هذه اللحظة رأت فجأة عدة خيوط مضيئة تهبط من السماء خلفها
تجمدت لحظة، ثم أدارت رأسها بعنف لتنظر، فرأت دمى بشرية الشكل مربوطة في أطراف تلك الخيوط وهي تهبط من السماء
استيقظت تلك الدمى واحدة بعد أخرى
كانت مجموعة من الراقصات بتنورات متعددة الألوان، وقد خيطت أفواههن بالخيوط، بينما كانت شفاههن منحنية إلى ابتسامة حلوة. وتحت سحب الخيوط، تشدّدت أجساد الراقصات فجأة، وارتفعت رؤوسهن باستقامة
وطئت الراقصات منصات العمل في الأبراج الشاهقة، فبعضهن أدين رقصات بجعة أنيقة، وبعضهن رقصات ثنائية أنيقة، ثم قفزن في الهواء وهاجمن كاميرون، وكانت هيئاتهن سريعة حتى بدت كأضواء ملونة ترقص
ثم لففن جسد كاميرون بخيوط غير مرئية
شدت الخيوط القاسية كل جزء من جسد كاميرون، فلم يعد أمامها منفذ للهرب، تمامًا كفأر وقع في مصيدة، وامتلأ وجهها بالخوف
“هل ستنتهي اللعبة؟” تمتمت، وهي ترفع عينيها الزرقاوين بلون البحر، بينما كانت زاوية فمها لا تزال مرتفعة
اندفعت إستر إلى الأمام، وفي الوقت نفسه رفعت يدها اليمنى، ثم رسمت سبابتها المطلية بالأظافر السوداء ضربة وهمية في الهواء، فامتد خيط حاد من طرف إصبعها
كان ذلك الخيط غير القابل للقطع ممتدًا في الهواء باستقامة وشد، وفي هذه اللحظة كان حادًا كالسيف
وفي اللحظة التالية، كانت إستر قد مرت بجانب كاميرون بالفعل، وكان الخيط الذي تسحبه قد عبر عنق كاميرون مسبقًا
كان كل هذا صامتًا، هادئًا كعرض بلا كلام، ولم يستعد العالم صوته إلا بعد ثانيتين أو ثلاث من هبوط إستر
وعندما عادت كاميرون إلى وعيها، كان رأسها قد انفصل بالفعل عن جسدها وطار عاليًا في السماء. ثم التقطته دفعة الهواء الناتجة عن الانفجار في الأمام، وخلال غمضة عين احترق إلى جمر متناثر
“تم القضاء على ماركيز النحل الثالثة، كاميرون…”
هبطت إستر من السماء، وكانت تنورتها الرمادية المتناثرة ملامسة للأرض، وبينما كانت تمشي إلى الأمام، تمتمت بلا مشاعر كدمية
أما فرقة دمى الرقص التي استدعتها، فهبطت من السماء وانتشرت في مدينة أوساكا لمساعدة الناجين العالقين في بحر النيران على الهرب
وبعد ذلك بقليل، انقطعت الخيوط التي كانت تربط كل جزء من جسد إستر بصوت “طَق”
وبعدها مباشرة، أضاءت عيناها الجميلتان الفارغتان فجأة، ولم تعد عيناها القرمزيتان خاليتين، كما لو أن دمية قد امتلكت روحها الخاصة
وقفت الفتاة ذات التنورة القوطية ساكنة لبعض الوقت، وأخذت سلسلة الأحداث التي وقعت بعد دخولها حالة الدمية تظهر ببطء في ذهنها
أومأت قليلًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا، واسود تعبيرها
“تلك كانت دمية الأرنب الصغيرة المفضلة لدى أليس”، تمتمت
وفي الثانية التالية، اسودت عينا الفتاة فجأة، وشدت قبضتيها الصغيرتين، وظهر على وجهها تعبير متألم، واحمرت زوايا عينيها، “الجدة لم تعد تحبني… لقد رميت دميتي إلى النحل، وكانت تلك دميتي المفضلة أصلًا”
“الجدة لم تفعل ذلك، كل الذنب ذنب ذلك النحل، وسأشتري لك واحدة أخرى عندها”، قالت إستر وهي تعقد ذراعيها
“لكن تلك الدمية بقيت معي كل هذا الوقت…” قالت أليس وهي تتلعثم
كان المارة يصرخون ويهربون في كل الاتجاهات، وكانت دمى الراقصات مشغولة أيضًا بأعمال الإنقاذ، وحدها الفتاة ذات التنورة القوطية وقفت في وسط الشارع، مطأطئة رأسها وتتمتم مع نفسها
بدا الأمر وكأنه عرض فردي من شخص واحد
كانت عيناها تتحولان أحيانًا إلى الأحمر، وأحيانًا إلى الأسود. وعندما تكونان حمراوين، كانت تعابيرها باردة، ونبرتها متسلطة، وفيها شيء من الارتباك. وعندما تكونان سوداويين، كانت تبدو مثيرة للشفقة، ونبرتها ناعمة، وصوتها خافتًا
“لا تبكي… اسمعي كلام الجدة، سأجعل ذلك ذو النظارات يشتري لك واحدة مطابقة”
قالت إستر ذلك بفتور، ثم استعادت السيطرة على جسدها من الشخصية الأخرى، ومسحت الدموع التي انسابت لتوها على وجهها، ثم دست قدمها على الأرض بقوة
وأثناء تقدمها إلى الأمام، أخرجت هاتفًا من جيب تنورتها القوطية
وبعد قليل، اتصلت برقم كي تشينغ تشينغ
“هل انتهى الأمر؟” جاء صوت كي تشينغ تشينغ البارد من الهاتف
“وإلا ماذا؟” قالت إستر ببرود، “حفيديتي غاضبة، اذهب إلى المركز التجاري واشتر لها دمية أرنب صغيرة”
قال كي تشينغ تشينغ، “ألا يمكنك شراءها بنفسك؟ ما دمت لم تنامي بعد، فأنا أريد الذهاب لمساعدة الموجودين على الجزيرة غير المأهولة”
“ولماذا سيحتاجون إليك على الجزيرة غير المأهولة؟ أيها الصغير، على من تنظر بازدراء؟ إذا كان أولئك العشرة عديمي الفائدة لا يستطيعون حتى هزيمة ثلاث نحلات، فهم لا يستحقون أصلًا أن يُسموا أجنحة قوس قزح”
غيرت إستر الموضوع وقالت، “أولويتك القصوى هي شراء دمية لأليس الجميلة، ثم تعال لتأخذني، فأنا متعبة”
قال كي تشينغ تشينغ، “هذا صحيح، ربما لن يحتاجوا فعلًا إلى مساعدتي، إذًا أنا قادم إليك، انتظريني هناك”
قطبت إستر حاجبيها وأغلقت الهاتف
ثم أخرجت صليبًا أسود من جيبها
ورمته إلى الأرض بلا اكتراث، فدار الصليب وسقط في الهواء، ثم تحول فجأة إلى تابوت أسود، وهبط بصوت مكتوم، فصنع حفرة في الأرض
وخلف الفتاة، كان الحريق الهائج لا يزال مشتعلًا، محولًا مئات الأمتار من المدينة إلى جحيم حي. وكان الناس يعولون ويبكون داخل النار، أما هي، وتحت وطأة النعاس، فقد راحت جفونها تهبط ببطء
رفعت إستر يدها، وتثاءبت بخفة، ثم قرفصت وجلست داخل التابوت الأسود، وبعدها تمددت ببطء. وضعت يديها على صدرها، وأغلقت جفنيها ببطء
“تصبحين على خير يا أليس. كل شيء سيكون بخير بعد نومة جيدة”، قالت
“تصبحين على خير يا جدتي”، قالت مرة أخرى
تحركت شفتا الفتاة قليلًا، وهي تتمتم بصوت خافت بنبرتين مختلفتين، ثم انغلق غطاء التابوت من تلقاء نفسه من دون أي ريح
نام التابوت الأسود بهدوء وسط النيران المشتعلة، واستقبل ليلة لطيفة وهادئة
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل