تجاوز إلى المحتوى
زوجتي هي حاكمة السيف

الفصل 806

**الفصل الثامنمئة والستة: اليقظة**

وجدَ تشين فِنگ نفسه غارقاً في حُلم طويل.

في هذا الحُلم، رأى راهباً عجوزاً جالساً متربّعاً تحت شجرة عتيقة وارفة الظلال. كانت أصوات التراتيل البوذية تملأ أذنيه، وضوء ذهبيّ ينسدل من السماء كستارة من النور.

– «مَن أنت؟»

سأل تشين فِنگ.

– «مجرّد راهب يتلو السوترا ويسجد لبوذا»

أجاب العجوز بابتسامة هادئة.

– «لماذا أنا هنا؟»

سأل تشين فِنگ من جديد.

– «هذا السؤال ينبغي أن توجّهه لنفسك، يا صديقي.»

**طَقْ!**

وفجأةً، صفع تشين فِنگ نفسه صفعةً قوية، فانتفض ذهوله، وأدهش الراهب العجوز.

– «لا ألم! حقّاً، لا بدّ أنّ هذا حُلم. ولكن لماذا لم أحلم بزوجتي؟ بل حلمتُ براهب عجوز؟»

تنهّد تشين فِنگ وهزّ رأسه بأسى.

ثمّ تذكّر شيئاً فجأةً. عادت إلى ذهنه مشاهد ما قبل أن يفقد الوعي: دخوله المرتبة الأولى بقوة القدّيس والأيل الأبيض، تحطيمه عمود العالم السفليّ، إنقاذه لأبيه، ومعركته مع الروح السماوية. ثمّ إطلاقه القوة السامية وتعاليم «الهداية السامية للنجوم» التي علّمه إيّاها السيّد شوان يي، محاولاً إبادة الروح القاتلة للسماء إبادةً تامّة. لكنّ قواه نَفَدت، وجسده تفتّت.

– «أتراني… متّ؟»

خطر له هذا الخاطر المروّع فلم يستطع دفعه.

حاول استدعاء الأيل الأبيض وتحفيز طاقة تشي في جسده بوعيه السامي، لكنّه لم يتلقَّ أيَّ استجابة.

اصفرّ وجه تشين فِنگ، ثمّ جلس على الأرض يائساً، شاعراً بأنّ الواقع يتطابق مع مخاوفه.

– «ها ها ها…»

انفجر ضاحكاً بمرارة، وتدفّقت الدموع على وجنتيه.

قال الراهب العجوز:

– «أتشعر بالندم، يا صديقي؟»

– «الندم؟»

ردّد تشين فِنگ الكلمة بصوت خافت، وهزّ رأسه مبتسماً.

– «لا أندم على اختياراتي. لو أتيحت لي فرصة أخرى، لكنتُ فعلتُ الشيء نفسه. ولكن…»

ولكن ماذا عن أولئك الذين ينتظرون عودته؟ كيف سيكون شعورهم حين يبلغهم هذا المصاب؟

في الحُلم، بدا له أنّه يرى زوجتيه وقد غمرهما الحزن والأسى، وأنّه يرى تشين شياو وتشين لان وهما يبكيان:

– «أين أبي؟»

وأنّه يرى المرأة التي ترتدي ثوباً فاخراً أبيض كالقمر، وهي تحفظ عهود الفراق بينهما، تنتظر عودته إلى المدينة الإمبراطورية بيأس.

الميت قد رحل، لكنّ الأحياء يبقون ليغرقوا في بحر من الحزن بلا نهاية.

أومأ الراهب العجوز، وقد حصل على جوابه، إيماءةً خفيفة.

– «حسناً. دورات العوالم الثلاثة، دمار السماء والأرض، الطريق أمامك مظلم، كأنّما تسير على جليد رقيق. لعلّ القلوب المخلصة وحدها هي ما يصنع الفجر، فيضيء الليل.»

وما إن انقضت كلماته، حتّى ارتجّ الفضاء من حولهما، وتجمّع ضوء ذهبيّ مبهر على جبهة تشين فِنگ، يخترق جسده.

كدفء شمس الشتاء، كنسيم الربيع اللطيف، لفّ الدفء كيانه كلّه.

– «سيّدي، أنت…»

حاول تشين فِنگ الكلام، وهو يشعر بجسده يعود إلى الحياة رويداً رويداً، كغصن ينبت بعد المطر.

**عودة من الحلم**

قال الراهب العجوز، وصوته يتهدَّج كالنَّسيم العابر بين أوراق الخريف: «إنَّ الحلم العظيم لذةٌ لا تُنكر، ولكنَّ الوقت قد حان لعودتك يا صديقي، كيلا يقلق عليك الأحبَّة.» بدا المكان من حوله وكأنَّه يذوب في دوَّامة من الماء، يتلاشى رويدًا رويدًا، كضبابٍ يتبدَّد مع الفجر.

وبينما كانت الوعيَّة تتسرب من بين أصابعه كالرمل، ألقى تشين فِنگ نظرةً أخيرة، فرأى صدعًا دقيقًا يشقُّ جبين الراهب العجوز، لكنَّه لم يرَ قطرة دم واحدة.

همسٌ خافتٌ انبعث من بين شفتيه، كأنَّه طنين بعوضةٍ صيفيَّة: «إن لم أنزل إلى الجحيم، فمن سينزل إذن؟» ثمَّ تلاشى الصوت مع الريح، كأنَّه لم يكن قط.

**طَرق!**

عند أقصى تخوم المنطقة الجنوبية، انشطر تمثال بوذا العظيم الجالس على منصة حجر اللوتس بصوتٍ مدوٍّ كالرعد. انبثق من جبهته شعاعٌ ذهبيٌّ لامع، وتوقَّف الستار الأسود الزاحف في تلك اللحظة بالذات.

على ظهر التنين الأسلاف الذي كان يحلِّق فوق السحاب، صمت فم البوذا الذي ظلَّ يصدح بالأغاني، ثمَّ قال بعد صمتٍ طويل، بصوتٍ بدا بين البكاء والحيرة: «لقد رحل الراهب العجوز.»

في عالم الخلود، عاد شوان يي ليحكم على الحاكمة والشياطين، ويطرد الوحوش. كان هو إمبراطور السماء الذي اختفى من قبل. بدا وكأنَّه أحسَّ بشيءٍ ما، فوقف صامتًا، ثمَّ أطلق زفرةً طويلة.

انحنى معلم البرج السماوي بعمقٍ تجاه الجنوب.

وفي اللحظة ذاتها، فتح تشين فِنگ عينيه ببطء، بعد غيبوبةٍ طويلة، ليستقبله القلق والفرح المرتسم على وجوه من حوله.

قالت زوجته، وصوتها يرتجف بين الفرح والخوف: «لقد استيقظت يا زوجي.»

أجابها بهدوء: «نعم.»

كانت ليو جيانلي تنفخ برفقٍ في الشاي الساخن الذي تمسكه بين يديها، بينما كان تشين فِنگ مستلقيًا على الفراش، يحدِّق من النافذة، غارقًا في دوامةٍ من الأفكار.

خلال تلك الأيام، علم بكلِّ ما حدث بعد أن سقط في غيبوبته.

لقد أصيب الروح السماوية بجروحٍ بليغة، لكنَّ عين السماء أنقذته، واستغلَّ ملك الأشباح الفرصة ليقود مخلوقات العالم السفلي في تدمير الوحوش الخالدة التي لم تكن لتموت.

وكان تشين فِنگ هو من جعل اختراق خلودهم ممكنًا.

فبسبب قتاله المستميت، ظلَّ الروح السماوية يموت ويعود إلى الحياة مرارًا وتكرارًا، ممَّا أدَّى إلى انخفاضٍ حادٍّ في عدد أعضائها المضحَّى بهم.

أمَّا المخلوقات المتبقِّية في عالم الأشباح، فقد أصبحت مجرَّد بيادق مهملة، لم يعد بإمكانها الاعتماد على التضحية بنوعها، فكان سبيلها الوحيد هو الدمار.

عوقب شنتو من قبل ملك الأشباح، وكان من المفترض أن يسجن في سجن الهاوية لألف عام. لكنَّ أزمة العوالم الثلاثة لم تنتهِ بعد، وكان عالم الأشباح في حاجةٍ ماسَّةٍ للقوة العسكرية، فاكتفى ملك الأشباح بمعاقبته بحرقه بنار الأشباح لثلاثة أيام.

وعندما علم شنتو أنَّه قد خُدِع، وكاد يقود عالم الأشباح إلى الهلاك، تقبَّل العقاب برضىً تام.

أمَّا بوَّابة الجحيم، التي تربط بين العالمين، فلم تُغلق لسببٍ غامض، وبقيت مفتوحةً تسمح بالعبور بين العالمين.

**ترجمة النص بأسلوب أدبي رفيع:**

أعلنت السيدة الشبح أنه بمجرد استقرار الأوضاع في عالم الظلمات، سترسل مبعوثين للتباحث حول تحالف لمواجهة الأزمات المستقبلية، فوافق الشيخ باي لي على الفور دون تردد.

وفي تلك الأثناء، كانت تسانغ فاي لان تقبض على قبضتيها بقوة إلى جوارها، وقد احمرّت عيناها، ورغم برودة نبرتها، لم تتمكن من إخفاء القلق والخوف الذي يعتمل في صدرها: “لقد احتملت قوة تفوق طاقة جسدك، واستخدمت مراراً تقنيات باهظة الثمن حتى استنزفت قواك، فانهار جسدك المادي.”

وتابعت قائلة: “حتى بجهود الغزال الأبيض وباي سو، بالإضافة إلى تقنية الاستقرار التي استخدمتها السيدة الشبح، لم يتمكنوا إلا من إبقائك على حافة الحياة. ولحسن الحظ، دخل ذلك العجوز الأحمق عالم الظلمات وحملك إلى أقصى تخوم المنطقة الجنوبية، حيث استعادت حيويتك بطريقة غامضة.”

ولم يكن “العجوز الأحمق” هنا سوى الشيخ باي لي.

عند سماع ذلك، تذكر تشين فنغ الراهب العجوز الذي ظهر في حلمه، فشعر بوخزة ألم مفاجئة تخترق قلبه، وبدا أنه بدأ يخمن شيئاً ما.

فسأل: “هل طرأ أي تغيير على أقصى تخوم المنطقة الجنوبية؟”

أجابت تسانغ فاي لان: “قبل أن تستيقظ مباشرة، انهار أكبر تمثال لبوذا في تلك المنطقة، وظهر ضوء ذهبي على جبهته. دهش الجميع وظنوا أن شيئاً ما قد حدث في تلك المنطقة القصية. لكن الستار الأسود الذي ظل يتحرك بلا انقطاع توقف فجأة، وبدأ جسدك المادي يتعافى تدريجياً. وبعد قليل، فتحت عينيك.”

توقفت قليلاً، ثم تذكرت شيئاً آخر، فأضافت: “قال ذلك العجوز وعيناه محمرتان – لقد ضحى بحياته من أجل العدل، ومنح بعض الوقت للعوالم الثلاثة.”

فكان ذلك صحيحاً إذن. أغمض تشين فنغ عينيه، وقبض على يديه دون وعي، وبدا الحزن واضحاً على محياه.

وبعد برهة، تناول كوب الشاي الذي ناولته إياه ليو جيان لي، وأخذ رشفة قبل أن يسأل: “لماذا زوجتاي هنا؟”

أجابته ليو جيان لي بصوت بارد: “أيها الزوج، لقد رحلت دون كلمة، أكنت تظن أن فاي لان وأنا لن نعلم شيئاً؟”

ولم تكن تعبيرات تسانغ فاي لان بأفضل حال، إذ قالت: “لولا أنني ذهبت مع الأخت جيان لي إلى المنطقة الجنوبية لصد غزو عالم الظلمات، لربما كان هذا اللقاء الأخير بيننا!”

وتابعت قائلة: “لقد وعدتنا في الماضي، ولكن لم تفِ بوعد واحد. ترحل دون كلمة، وتواجه مواقف الحياة والموت، أكنت تظن حقاً أن الأخت الكبرى وأنا لن نغضب؟”

بدأ العرق يتصبب من جبين تشين فنغ، فاعتذر على عجل محاولاً إلقاء اللوم على غيره: “كيف أقول إنني رحلت دون كلمة؟ لقد كانت الظروف ملحة حينها، فاضطررت للمغادرة على عجل، لكنني أوصيت آنياً بإخباركما قبل أن أرحل.”

وفي قرارة نفسه، شعر بشيء من الخجل، وقال في سره: “سامحيني يا آنيا، لكنك ستنضمين قريباً إلى زوجاتي، فلا بأس أن تتحملي اللوم عن زوجك هذه المرة.”

وما كان له أن يدري، في تلك اللحظة عينها، أن قدما رشيقةً تخطتا عتبة الحجرة، فإذا بظِلِّ امرأةٍ رقراقةٍ ينزلق إلى الداخل، ثم لا تلبث أن تندفع نحو أحضان تشين فنغ، فيلتصق جسدها الرقيق به ارتعاشاً. قالت بصوتٍ يكاد يختنق بين نحيبٍ مكبوتٍ وحنانٍ جارف: “لو كنتُ أعلم أن الأمر سيكون بهذه الخطورة، لما كتمتُ عنك حرفاً واحداً قطّ… كنتُ سأذهب إلى الأختين الكبيرتين دون إبطاء، وألحَّ عليهما أن يمنعانك من المضي في هذا الطريق”.

وما إن أحسَّ تشين فنغ بسطح صدره الخالي من أي بروز، حتى أدرك دون حاجةٍ إلى النظر أن تلك هي آنيَّا.

همَّ أن يبتسم، لكنه تساءل في قرارة نفسه: “من أين أطلَّت هذه البرودة المفاجئة؟”.

وما إن التفت برأسه حتى وقعت عيناه على زوجتيه، فإذا بهما ترمقانه بنظراتٍ تجمّد الدم في العروق، كأنما هما تمثالان من جليدٍ صافٍ، لا حياة فيهما سوى تلك النظرة القارسة.

التالي
804/836 96.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.