الفصل 809
**الفصل التاسع بعد الثمانمائة: اللقاء!**
كانت عينا الأم الثانية حمراوين، والدموع تنهمر على وجنتيها انهمارًا لا يُردّ. ها هو ذا من اشتدّ شوقها إليه ليلَ نهار يقف أمامها، فكيف لها أن تحفظ رباطة جأشها؟
ولكن هل كل هذا حقيقي؟
أرادت أن تخطو إلى الأمام وتضمّه إلى صدرها، إلا أنها خافت أن تبسط يدها فلا تجد سوى سراب فارغ. إن اخترقته لتجد أنه مجرد خيال من نسج وهمها، فقد ينكسر قلبها إلى الأبد.
ارتجفت الأم الثانية، تتأمل من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. مدت يدها اليمنى لتمسّ خدّ والد تشين، لكنها لم تستطع أن تجرؤ على لمسه.
رأى تشين جيان آن ما يجول بخاطر زوجته، فأطلق زفرة حزن، ثم جذبها بين ذراعيه.
“حبيبتي، لقد عانيت كثيرًا في هذه الأيام.”
تلك الذراعان القويتان، ذلك النَفَس المألوف، والصوت العميق الذي طالما ردّد اسمها، كلها كانت تؤكد للأم الثانية أن السيد الواقف أمامها ليس وهمًا، بل حقيقة لا مراء فيها!
أرادت أن تقول الكثير، أن تعبّر عن شوقها الجارف، أن تطالبه بالسبب الذي منعه من العودة إلى البيت وهو حي يرزق، لكنها لم تستطع أن تخرج من حلقها سوى نشيج مكتوم.
كانت تلك دموع فرحة طاغية.
كانت تلك دموع سعادة تحققت بعد ليالٍ وأيام من الانتظار.
“زوجي، زوجي…” لم تكفّ الأم الثانية عن مناداته، رأسها ملتصق بصدره، وكأنها تريد أن تذوب في جسده.
دلك والد تشين رأسها، وراح يربت على ظهرها برفق، وقد غمرته مشاعر الندم والذنب. “لقد عدت.”
أثارت لقاؤهما المؤثر دموع الجميع.
يقولون إن الرجال لا يبكون بسهولة، لكن الأخ الثاني لم يستطع أن يكبح دموعه.
حتى تشين فنغ، الذي كان على علم بكل شيء مسبقًا، لم يملك إلا أن تبلّل عينيه عند هذا المشهد.
بعد أن تأثرت ليو جيان لي وتسانغ في لان، التفتتا بنظرات متسائلة نحو زوجيهما، وكأنهما تطلبان تفسيرًا لما يجري.
همس تشين فنغ: “ستعرفان كل شيء لاحقًا.”
لكن في تلك اللحظة، انبعث صوت ناعم في غير أوانه:
“يا لورد تشين، أهذه زوجتك في العاصمة الإمبراطورية؟ ما أجمل سحرها! لا عجب أنك كنت متشوقًا للعودة.”
جمدت الأم الثانية في مكانها، وتراجعت ببطء عن حضن والد تشين. رفعت بصرها لترى خلف زوجها امرأة ترتدي ثوبًا أرجوانيًا، فاتنة كخوخة ناضجة، تبتسم لها.
في لحظة، شحب وجه الأم الثانية، وغامت أفكارها في دوامة من الفوضى.
في معركة الجنوب مع شمعة التنين، قيل إن السيد قد مات، ومع ذلك ها هو حي يرزق أمامها. لكن إن كان لم يمت، فلماذا لم يعد إلى البيت طوال هذه المدة؟ ولماذا لم يرسل ولو رسالة واحدة؟
كل هذه الشكوك وجدت جوابها في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على المرأة ذات الثوب الأرجواني: حب جديد، لم يعد يريدها!
تلاطمت في صدرها مشاعر الدهشة والغضب والرفض. وفي تلك اللحظة، بدا لها أن الابتسامة التي ارتسمت على وجه تلك المرأة في الثوب الأرجواني تحمل تحديًا واستعلاءً!
كان تشين جيان آن على وشك أن يوضح هوية منغ شوانغ، حين فجأة هوت صفعة على وجهه.
صُعق الجميع.
**ترجمة النص بأسلوب أدبي رفيع:**
انتفضت مِنغ شوانغ فجأة، وبدا كأن ابتسامتها قد ذابت في الهواء، فلم تملك إلا أن تتساءل في حيرتها: هل أخطأت بقول شيء ما؟
هتفت الأم الثانية بصوت مبحوح مخنوق بالدموع: «الطلاق!»
الأب تشين: «ماذا؟!»
تشين فنغ: «ماذا؟!»
قالت الأم الثانية بهدوء: «هذا ما حدث.»
وبعد نصف ساعة من الشرح المطول الذي قدمه تشين فنغ، بدأ الجميع يفهمون خيوط الحكاية كاملة.
فرك تشين فنغ ركبتيه، ثم رفع رأسه متسائلًا: «بما أن كل شيء قد اتضح الآن، فهل يمكنني النهوض؟»
أجاب الأب تشين والأم الثانية في صوت واحد صارم: «لا، ابق راكعًا!»
فلولا كتمانه الحقيقة، كيف كان لهذا سوء الفهم العظيم أن يقع؟
شعر تشين فنغ بمرارة الظلم تخيم عليه. فلو أنه أخبر الأم الثانية في ذلك الحين أن والده لا يزال حيًّا، هل كانت ستصدقه؟ كلا، بل كانت ستظن أنه يكذب بلا شك! والأرجح أنها كانت ستغرق في حزن عميق من جديد بسبب هذا الخبر. لذا كان من الأفضل أن يكتم الأمر مؤقتًا، وينتظر الوقت المناسب ليخبرها به.
من كان يظن أن الأمور ستؤول إلى هذا المآل؟
رفع تشين فنغ عينيه نحو الزوجين الجالسين أمامه، ثم تنهد في أسى: **أنا وحدي من تحمل كل هذا العبء.**
بدا الأخ الثاني مندهشًا قليلًا: «لم أكن لأتصور قط أنه بعد الموت، قد يهبط المرء إلى عالم الأموات ويبقى موجودًا بصورة أخرى.»
أومأت مِنغ شوانغ برأسها موافقة: «في الواقع، لقد كان عالم الأموات يتحكم منذ القدم في تناسخ الكائنات عبر العوالم الثلاثة. لكن بسبب انهيار قوانين السماء والأرض في حرب الألفية الماضية، فقد هذا العالم قدرته على أداء وظيفته.»
سأل الأخ الثاني في فضول: «إذن، هل والدي الآن بشر أم شبح؟»
التفتت الأم الثانية أيضًا نحوه، فأجاب الأب تشين بجدية: «لقد مات جسدي منذ زمن بعيد. وما ترونه الآن ليس إلا جسدًا وهميًا متكثفًا. صحيح أنه لا يختلف كثيرًا عن الجسد الحقيقي، لكنه لن يصمد طويلًا في عالم البشر، فالأقصى نصف شهر.»
عند سماع ذلك، احمرّت عينا الأم الثانية من جديد: «هل تعني يا زوجي أنك ستغادرني مرة أخرى بعد نصف شهر؟»
هدّأها الأب تشين قائلًا: «يا حبيبتي، لا تحزني هكذا. لقد متّ منذ زمن، وقد كان لقائي بك من جديد نعمة لا تُقدّر بثمن. وإذا ظل باب الجحيم مفتوحًا، فسيكون لنا لقاء آخر في المستقبل.»
همست الأم الثانية بصوت متهدج: «زوجي…»
وفي تلك اللحظة، التصق الجسدان ببعضهما في عناق دافئ.
عندها، دخل الصالة الصغيران تشين شياو وتشن لان. فما إن رأى الأول أباه «منحنيًا» حتى وثب على رأسه بلا تردد، وأخذ يضرب بذراعيه وقدميه في حماسة، صارخًا: «اركب الحصان الكبير! اركب الحصان الكبير!»
وما إن وقعت عينا الأب تشين على الصغيرين حتى نهض في حماسة: «هل هما حفيداي؟»
أخيرًا، لم يعد ثمة حاجة للركوع. انتهز تشين فنغ الفرصة، فرفع تشين شياو بسرعة وقال: «هيا، عانق جدك!»
سألت الصغيرتان في حيرة: «جدنا؟»
ثم مالا برأسيهما الصغيرين في تساؤل بريء.
**ترجمة النص إلى العربية الفصحى بأسلوب أدبي رفيع:**
كانوا قد عرفوا الأب والأم والجدة من قبل، لكنهم لم يروا هذا الجد قط، فترددوا لحظةً قصيرة. حتى إذا ما أمسك ليو جيانلي وتسانغ فايلان بأيديهما واقتربا، ناديا في تردد: “جدّاه”.
“آه.” رفعهما تشين فو، وعيناه محمرتان، وقد ارتسمت على محيّاه ابتسامةٌ ملؤها السعادة.
بعد طول فراق، تبادل أفراد العائلة أطراف الحديث في حرارة. كان تشاو ونهاو ينوي لقاء الإمبراطور مينغ في وقت مبكر لمناقشة أمر التحالف، إلا أن منغ شوانغ أوقفته. فقد أسر إليها تشين فنغ سرّاً أن بعد ستة أيام سيكون يومه الكبير، وأن ثمّة نبيذاً فاخراً لا حصر له سيُقدّم.
منغ شوانغ، بطبيعة الحال، كانت تتطلع إلى ذلك بكل شوق، وبذلت قصارى جهدها لمنع تشاو ونهاو من الذهاب. ماذا لو أُنجزت الأمور وعادوا باكراً إلى بوابة الجحيم؟ أفتفتقد حينها النبيذ؟
فضلاً عن ذلك، يمكنها انتهاز الفرصة لتعلم فن تخمير الخمر من عالم البشر. وحين تعود إلى مملكة العالم السفلي، ستتمكن من تخمير نبيذها الخاص لتشربه!
في هدأة الليل، خرج تشين فنغ إلى الفناء، رفع بصره إلى السماء فرأى القمر يتلألأ خافتاً بين النجوم. وفي ذاكرته ما زالت صورة الفرح العائلي في القاعة حاضرةً أمامه.
الزواج من زوجة وإنجاب الأطفال، سعادة العائلة كلها—تلك تجربة لم يعشها في حياته السابقة، مما زاد من عزيمته على حماية هذه السعادة! لن يسمح لأحد أبداً بتدميرها!
وبينما كان يفكّر في ذلك، تذكّر الغرض الحقيقي لتلك الكائنات الماكرة، فانتشر ظلٌّ من الكآبة على جبينه.
“إعادة فتح العوالم الثلاثة.”
“ما إعادة فتح العوالم الثلاثة؟” دوّى صوتٌ واضحٌ وباردٌ من خلفه.
استدار تشين فنغ ليرى ليو جيانلي، التي كانت ترتدي ثوباً أبيض كالثلج، وقد ظهرت بجواره دون أن يشعر.
فتح فمه ليجيب، لكنه آثر ألا يقلق زوجته كثيراً، فقرر إخفاء الأمر، وبدّل الحديث بابتسامة: “زوجتي، ألا ترجعين للراحة؟”
هبت نسمةٌ ليليةٌ، فرفرفت أكمام الحسناء البيضاء. ضوء الشموع المنبعث من داخل الدار أضاء وجهها من وراء النافذة، فبدت بشرتها كالعاج، وخدّاها ورديان ساحران.
أزاحت ليو جيانلي خصلة شعرها خلف أذنها، وقالت بلطف: “زوجي، تعال معي الليلة.”
فهم تشين فنغ قصدها، ثم التوى قليلاً عند خصره.
جسدي لمّا يشفَ تماماً، فهل سيؤثر ذلك على أدائي؟
وفجأة بدا له أنه تذكّر أمراً ما، فدخل وعيه إلى بحر الإلهام، ونظر إلى الأيل الأبيض بجوار منصة السؤال القلبي، وسأل بحذر: “أيها الأيل الأبيض الكبير، هل يمكنك إعارتي قوتك الليلة مرة أخرى؟”
سيقاتل حتى الفجر!
رفع الأيل الأبيض رأسه، وبدا في عينيه اللامعتين شيءٌ من الازدراء، ثم قال: “اغرب عن وجهي.”
بهذه الكلمات غادر بحر الإلهام، متحولاً إلى خيطٍ من ضوء القمر، انطلق نحو القمر في السماء.
تشين فنغ: “…”.
**النص المترجم:**
كإنسان، وخصوصاً كرجل، لا يمكنك أن تعتمد إلا على نفسك.
وفي الجهة المقابلة، كانت **تسانغ فيلان** جالسة فوق السطح، ثيابها ملطَّخة بالغبار، وملامحها مكفهرَّة قاتمة، فقد خسرت زوجها هذه الليلة!
مفعمة بالمرارة والرفض، لم يكن بوسعها إلا أن تمضي ليلتها في التمرين، كي تلحق بأختها **جيانلي**، ثم تقلب الموازين رأساً على عقب!
وفي تلك اللحظة، ارتعشت أذناها قليلاً، فسمعت حفيفاً خافتاً.
التفتت صوب مصدر الصوت، فرأت **الأم الثانية** وقد احمرَّ وجهها خجلاً وهي تجذب **الأب تشين** إلى داخل الغرفة.
كان الأخير لا يزال يتمنع قائلاً: “حبيبتي، هذا مستحيل قطعاً!”
“ألم تقل إن جسدك لا يختلف كثيراً عما كان عليه من قبل؟”
“لكن…”
“لا لكن ولا شيء!”
أُغلقت الأبواب والنوافذ، وسرعان ما انطفأ ضوء الشمعة.
حدَّقت **تسانغ فيلان** في المشهد، وغرقت في تأمُّلاتها.

تعليقات الفصل