الفصل 825
**الفصل الثامنمائة والخامس والعشرون: صون العالم لعودة زوجي**
«أَأَنْتَ مُتَأَكِّدٌ مِمَّا تَعْزِمُ عَلَيْهِ؟»
«أَبِي، قَدْ فَكَّرْتُ فِي ذَلِكَ مَلِيّاً.»
نَظَرَ الْأَبُ «قِينْ» إِلَى الْيَلُو سْبْرِنْغْزِ الْمُمْتَدَّةِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَإِلَى مَشَاهِدِ الْأَرْوَاحِ الْمُعَذَّبَةِ الْمُتَشَبِّثَةِ بِأَخِرِ خُيُوطِ الْوُجُودِ، فَمَلَأَتِ الْقَلَقَ عَيْنَيْهِ. بَعْدَمَا اطَّلَعَ عَلَى خُبْرِ الْأَمْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، كَانَ أَوَّلُ مَا جَالَ فِي خَاطِرِهِ هُوَ أَنْ يَرُدَّ ابْنَهُ عَنْ هَذِهِ الْخُطْوَةِ. لَكِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَعْجَلِ الْبَدِيهَةِ، فَالِابْنُ — كَمَا الْأَبُ — قَدْ أَخَذَ جَمِيعَ اسْتِعْدَادَاتِهِ، وَقَدْ تَوَاصَلَ مَعَ سَيِّدَةِ الْأَرْوَاحِ لِيَحْضُرَ إِلَى هُنَا، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ.
كَانَتْ رُوحُ «قِينْ فِينْغْ» تُشِعُّ بِنُورٍ مُقَدَّسٍ يَشْبَهُ بَهَاءَ الْقَمَرِ فِي لُجَجِ الْيَلُو سْبْرِنْغْزِ الْمُتَلَاطِمَةِ. ذَلِكَ هُوَ نُورُ «الظَّبْيُ الْأَبْيَضُ ذُو الْقُرُونِ السَّبْعِيَّةِ»، السَّابِقُ فِي الْوُجُودِ، الَّذِي كَانَ يَحْمِي رُوحَهُ بِطَرِيقَةِ «دَاوْ الْقَمَرِ». فَلَوْلَا ذَلِكَ، لَمَا اسْتَطَاعَتْ رُوحُهُ — مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّتُهَا وَتَجَاوَزَتْ رُوحَ الْعَابِدِ الْمُقَدَّسِ الْمُتَّبِعِ لِطَرِيقِ «دَاو الْأَدَبِ» — أَنْ تَثْبُتَ فِي الْيَلُو سْبْرِنْغْزِ طَوَالَ عَامٍ كَامِلٍ.
أَلْقَتْ سَيِّدَةُ الْأَرْوَاحِ نَظْرَةً عَلَيْهِ، وَكَانَ وَجْهُهَا هَادِئاً، غَيْرَ أَنَّهُ احْتَوَى فِي طَيَّاتِهِ عَلَى لَمْحَةٍ مِنَ التَّعْقِيدِ. «يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْتَعْمِلَ قُوَّتِي الْعُلْيَا لِأُسَاعِدَكَ عَلَى دُخُولِ الْيَلُو سْبْرِنْغْزِ، لِتَخْتَبِرَ عَدَداً لَا حَصْرَ لَهُ مِنَ الْحَيَوَاتِ. وَلَكِنَّكَ تَعْلَمُ جَيِّداً مَخَاطِرَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.»
«مَا سَتَجِدُهُ أَمَامَكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَشَقُّقِ الْيَلُو سْبْرِنْغْزِ وَعَذَابِ الْأَرْوَاحِ فَقَطْ، بَلْ عَلَيْكَ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى عَزْمِكَ الْأَصْلِيِّ فِي دَوَّامَةِ التَّقَمُّصِ الْمُسْتَمِرَّةِ. وَإِلَّا سَتَغْرَقُ فِي وَهْمٍ لَا وُجُودَ لَهُ، مُحَاصَراً لَا تُفْلِتُ مِنْهُ، وَلَنْ تَسْتَيْقِظَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَداً. سَتَنْهَكُ رُوحُكَ، وَيَفْنَى جَسَدُكَ، ثُمَّ تَخْتَفِي مِنْ ثَلَاثَةِ الْعَالَمِينَ إِلَى الْأَبَدِ!»
أَطْلَقَ «قِينْ فِينْغْ» تَنَهُّدَةً خَفِيفَةً، وَأَوْمأَ بِرَأْسِهِ مُوْمَئِاً. «أَنَا أَعْلَمُ.» قَدْ تَلَقَّى جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ مِنْ زَعِيمِ مَنْظَّمَةِ «سَمَاءِ الْمَوْتِ» مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا وَعَلَى كَتِفَيْهِ عَزْمٌ وَشَجَاعَةٌ لَا تَنْثَنِي.
بَدَتْ سَيِّدَةُ الْأَرْوَاحِ أَلْيَنَ فِي تَعْبِيرِهَا عِنْدَمَا سَمِعَتْ كَلَامَهُ، وَقَالَتْ بِتَهَكُّمٍ مِنْ نَفْسِهَا: «كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَحْمِلَ نَحْنُ — مَنْ هُمْ فِي سِنِّ الْكِبَرِ — نِيرَ بَلَاءِ ثَلَاثَةِ الْعَالَمِينَ. وَلَكِنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَى أَنْ يُوضَعَ آخِرُ الْآمَالِ عَلَى كَتِفَيْ فَتًى مِثْلِكَ. حَسَناً، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَطْمَئِنَّ، فَالْعَالَمُ الثَّلَاثَةُ سَيَبْقَى آمِناً. أَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأُرِيدُ أَنْ أَرَى مَدَى قُوَّةِ «دَاو السَّمَاءِ الْأَصْلِيَّةِ» حَقّاً.»
ضَحِكَ «قِينْ فِينْغْ» بِهُدُوءٍ، فَمَا كَانَ هَذَا الْمَوْقِفُ إِلَّا مُمَاثِلاً لِلذَّهَابِ إِلَى الْمَوْتِ، وَمَعَ ذَلِكَ بَدَا مُطْمَئِنّاً وَمُتَسَلِّياً. ثُمَّ قَفَزَ، فَلَمْ يَتَطَايَرْ رَشَاشٌ مِنَ الْيَلُو سْبْرِنْغْزِ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ صَرْخَاتُ الْأَرْوَاحِ حِدَّةً وَأَلَماً.
انْبَعَثَتْ مِنْ مَكَانٍ لَا يُدْرَى شُعَاعٌ بُوُدِيٌّ، وَدَخَلَ الْيَلُو سْبْرِنْغْزَ، فَكَأَنَّهُ جَرَسٌ ذَهَبِيٌّ يَحْمِي رُوحَ «قِينْ فِينْغْ» وَيُدَافِعُ عَنْهَا مِنْ هَجَمَاتِ الْأَرْوَاحِ.
هَمَسَتْ سَيِّدَةُ الْأَرْوَاحِ: «قُوَّةُ الْعُهُودِ الْعَظِيمَةِ لِلْبُوُدَا.» ثُمَّ الْتَفَتَتْ نَحْوَ الْمَكَانِ الَّذِي انْبَعَثَ مِنْهُ ذَلِكَ النُّورُ الْبُوُدِيُّ، فَإِذَا هُوَ شِقٌّ بَيْنَ «عَالَمِ الْأَمْوَاتِ» وَ«الْعَالَمِ الْمُنْكَسِرِ».
—
**ملاحظات توضيحية داخل النص:**
1. **اليَلُو سْبْرِنْغْز (Yellow Springs):** في الأساطير الصينية، هي العالم السفلي أو عالم الموتى، حيث تتجمع أرواح الموتى قبل أن تُبعث من جديد أو تُعذب. تم ترجمتها هنا إلى «الْيَلُو سْبْرِنْغْز» مع الاحتفاظ بالاسم الأصلي بين قوسين في أول ذكر لها، ثم استخدمت الترجمة العربية فقط لاحقاً حفاظاً على سلاسة السرد.
2. **الظَّبْيُ الْأَبْيَضُ ذُو الْقُرُونِ السَّبْعِيَّةِ (Seven-Colored Horned White Deer):** كائن أسطوري في الثقافة الصينية، يُعتبر رمزاً للطهارة والقوة الروحية. تم الاحتفاظ بالاسم الأصلي بين قوسين في أول ذكر له.
3. **دَاو (Dao):** مفهوم فلسفي صيني يعني «الطريق» أو «المبدأ»، ويُستخدم هنا كمرادف للطريقة الروحية أو المسار الصوفي. تُرجمت إلى «دَاو» مع الاحتفاظ باللفظ الصيني نظراً لخصوصيته الثقافية.
4. **سَمَاءِ الْمَوْتِ (Heaven Burial Organization):** منظمة خيالية في النص، يُفهم من سياقها أنها جماعة روحية أو طائفية تعمل في عالم الموتى. تُرجم اسمها حرفياً مع إضافة توضيح بسيط في أول ذكر لها.
5. **دَاو السَّمَاءِ الْأَصْلِيَّةِ (primal essence Heavenly Dao):** مفهوم فلسفي صوفي يشير إلى جوهر الكون أو القانون الأساسي الذي يحكم الوجود. تُرجم هنا بأسلوب أدبي يعكس عمق المعنى.
6. **عَالَمِ الْأَمْوَاتِ (Netherworld Realm) وَالْعَالَمِ الْمُنْكَسِرِ (Broken Realm):** عوالم خيالية في النص، تُرجمت بأسماء تعكس طبيعتها الأسطورية مع الاحتفاظ بالمعنى الأصلي.
في تلك اللحظة عينها، وفي أقصى الرقعة الجنوبية من الوجود، خارج حدود الظلمة، تهشّمت تماثيل بوذا لا تُحصى إلى شظايا متناثرة، وذاب وعيها تماماً في أقطار العوالم الثلاثة.
وحدها همسة بوذية رقيقة تردّدت في الفضاء، قائلة: **«إن لم أنزل إلى الجحيم، فمن سينزل؟».**
وفي قعر سجن التسعة طبقات، أضاءت عينان ذهبيتان، تطلّعتا إلى السماء. وفي نظرتيه، بدت العوالم الثلاثة كبحر من النجوم، والمستقبل لا يعدو كونه لمحة بين أصابعه.
غير أن شيئاً ما، بلا تفسير، أثار تموّجاً خافتاً في ذلك البحر النجمي، هادئاً إلى حدّ يبدو معه وكأنه لا يُذكر.
**«متغيّر؟»**. كان في نبرته لمحة من اللامبالاة، تبعتها ضحكة ازدراء خافتة.
**«ما من شيء أشدّ يأساً من انتظار الموت. فإن كانت اللحظات الأخيرة ستؤول إلى رتابة وسأم، فلِمَ لا نلعب قليلاً؟».**
وما إن هبطت كلماته حتى بدأ بحر النجوم في التموّج، متلاطماً بعنف متزايد.
وفي اللحظة ذاتها تقريباً، شعر كبار الخبراء في الطبقات العليا من العوالم الثلاثة بتلك الشذوذ، فرفعوا أبصارهم نحو السماء.
لكن حين نظروا، لم يجدوا غير صدع في عالم متصدّع، فيما بقي كلّ شيء آخر على حاله.
ومضى الزمن سريعاً. كان ليو جيانلي والآخرون يتناوبون على ملازمة جسد تشين فينغ، يعتنون به بدقّة متناهية، يحرصون ألا يصيبه مكروه.
فقد كانوا يعلمون جيداً أن تحطّم جسد زوجهم، وعدم عودة روحه إليه، يعني حتماً فناؤه.
الخيال يسمح بالمبالغة، فلا تنقل كل ما تقرأه إلى واقعك.
كانت آنيّا تمسح وجه تشين فينغ بعناية بمنشفة ناعمة دافئة، وعيناها تفيضان بالقلق.
**«حتى لو انفصلت الروح عن الجسد، يبقى بينهما اتصال ما. لكن زوجي، خلال هذه الفترة، لم يكفّ عن العبوس، وتزايد عبوسه يوماً بعد يوم، حتى باتت ملامحه أشدّ كآبة. ترى، هل أصاب روحه مكروه في عالم الأصفر؟».**
أجابتها تسانغ فيلان: **«لقد سألت الأسلاف، وعلمت بعضاً من أمر عالم الأموات وعالم الأصفر».**
**«في عالم الأموات، اختلّت قوانين السماء والأرض، وانغلق طريق التناسخ، فتراكمت الأرواح بلا عدد في عالم الأصفر».**
**«الضغائن المتراكمة هناك بالغة القوة، حتى إن كانت روح زوجي محمية من قبل غريب، سيظلّ متأثراً وهو يخوض تجارب حيوات لا تُحصى. وإن نشأ لديه شيطان داخلي…».**
توقفت عن الكلام، ولم تجرؤ على المضي قدماً.
**«ماذا لو نشأ لديه شيطان داخلي؟»** سأل ليو جيانلي وهو يدخل الغرفة.
ومضت في عيني تسانغ فيلان الزرقاوين الباهتتين لمحة من التردد.
**«سيُحتجز زوجنا في وهم لا فكاك منه، ولن تعود روحه أبداً».**
وما إن نطقت بهذه الكلمات حتى خيّم الصمت على الغرفة، حتى بدا صوت الأنفاس ثقيلاً قاسياً.
وعلى الجانب، كانت لان نينغشوانغ ترتب أدوات الشاي، تلقي نظرة على سيدها، وعيناها تفيضان بالقلق، لكنها قالت مطمئنة: **«سيّدي الشاب، من كان صالحاً حظه محفوظ. سيكون بخير».**
**«همم…»**. اقترب ليو جيانلي، ومرّر يده اليمنى برفق على خدّ تشين فينغ، ثم سوّى خصلة من شعره على جبينه.
**ترجمة النص إلى اللغة العربية الفصحى بأسلوب أدبي رفيع:**
سألت لان نينغشوانغ من جديد: «أيتها الآنسة، ما أخبار قصر ليو؟»
توقفت حركات ليو جيانلي قليلًا، وبدا صوتها متعبًا بعض الشيء: «منذ شهر مضى، طرأ تغير مفاجئ على أقاليم الداي تشيان الأربعة في آن واحد.»
«تحولت الجثث إلى أشباح هامدة، وتنتشر العدوى بسرعة مخيفة. سقطت مدن عديدة بالفعل. أصدر الإمبراطور مينغ أوامره للجيش الإمبراطوري لدعم المناطق الخارجية، بهدف إبادة الأشباح الهامدة تمامًا. وجيش والدي، جيش الماركيز السامي، مشارك أيضًا في هذه الحملة.»
عند سماع ذلك، انقلبت ملامح الجميع إلى كآبة شديدة.
فالأكوان الثلاثة لا تتسامح مع وجود الأشباح الهامدة، فهي تحمل ضغائن الدنيا بين الأحياء والأموات. في الماضي، كان ظهور شبح هامد واحد كفيلًا بإثارة الرعب في منطقة بأكملها، فكيف الحال الآن بانتشار كارثة الأشباح الهامدة في الأقاليم الأربعة دفعة واحدة؟
تذكرت تسانغ فيلان تلك الحادثة الماضية… لو لم تُضحِ بخرزة التنين، لكان زوجها قد فارق الحياة…
«أترى هذا نذيرًا؟» لم تستطع لان نينغشوانغ كبح سؤالها.
بدا تعبير آنيا معقدًا: «حسب ما تكشف لي طالعاتي، فإن المستقبل يغشاه ضباب أسود كثيف، حتى يغمره الدم بعد عام كامل. وبين الحين والآخر، تومض صور متفرقة لجثث متناثرة في كل مكان، وهياكل عظمية مبعثرة.»
عند سماع ذلك، قالت ليو جيانلي: «نينغشوانغ، حضري صندوق السيوف، وسنغادر المدينة الإمبراطورية.»
ذُهل الجميع.
«ماذا تنوين أن تفعلي أيتها الآنسة؟» سألت لان نينغشوانغ بحيرة.
«من أجل هذا العالم، يخاطر زوجي بحياته من أجل مستقبل مجهول. كزوجته، عليّ على الأقل أن أحمي العالم له حتى يعود.»
«سأذهب مع الأخت جيانلي.» اعتدلت تسانغ فيلان، لكنها رأت الأخرى تهز رأسها نفيًا.
«رغم وجود الحارس السامي في المدينة الإمبراطورية، لا أحد يضمن عدم وقوع حوادث. عليكِ أنت وآنيا البقاء هنا لحماية جسد زوجي.»
أرادت تسانغ فيلان أن تقول شيئًا آخر، لكنها حين التقت بنظرات ليو جيانلي، ابتلعت كلماتها، لتقتصر في النهاية على جملة واحدة: «رحلة موفقة.»
لم يطل الوقت حتى انتشرت الإشاعات خارج المدينة الإمبراطورية.
امرأة بيضاء كالثلج تظهر، يصاحبها دوي الرعد وهمس الماء الجاري. سيفها حاد للغاية، وحيثما مرت، لم ينجُ شبح هامد من مصيره، فأنقذت عددًا لا يحصى من المدنيين والجنود.

تعليقات الفصل