الفصل 327
الفصل 327: حصار البرج القرمزي (13)
في آخر لحظة، تحرك الغولم المرجاني واختفى من مجال رؤية ساني، وبعد جزء من الثانية ظهر على بعد بضع خطوات، خارج مدى شظية منتصف الليل
‘…أيها الوغد!’
كان الأوان قد فات لتغيير اتجاه هجومه، فقد سحبه القصور الذاتي إلى الأمام والأسفل، واضطر ساني إلى إكمال ضربته الهابطة، ثم تعثر وسقط على ركبة واحدة، ووجد نفسه في وضع خطير، مكشوفا تماما لهجوم، مع قدرة محدودة على المناورة
كانت المحاكاة المشوهة للورد تعلو فوقه، وإطارها القوي يشع بإحساس مخيف بالقوة، وعلى جبين المخلوق المصطنع كانت قطعة مصقولة من المرجان تلمع بضوء قرمزي شديد
كان ذلك الضوء يبدو كأنه يمتص الحياة من كل ما يقع عليه
شعر ساني بضعف مفاجئ يتغلغل في جسده، فصر على أسنانه واندفع إلى الجانب، وبعد جزء من الثانية اخترقت قبضة اللورد الهواء بصوت متشقق وحطمت الأرض، مرسلة مطرا من الحطام في كل اتجاه
لوى ساني جسده ودوران، ووجه ضربة خلفية قبل أن تلمس قدماه الأرض، وخدش نصل سيف التاتشي واقية الساعد في درع الغولم، تاركا شقا عميقا فيه
لكن ذلك لم يسبب ضررا كبيرا
هبط ساني وانزلق إلى الخلف فوق المرجان، ثم مد يده إلى الأمام وأرسل شظية ضوء القمر تطير نحو وجه الغولم، فصفعها المخلوق بسهولة بيده وأبعدها
لكن بحلول الوقت الذي فعل فيه ذلك، كان ساني قد اقترب بالفعل، موجها طعنة عالية بشظية منتصف الليل، وما إن تحرك اللورد لصد النصل القاسي حتى غيّر ساني اتجاه هجومه وحوله إلى قطع أفقي عنيف
مستخدما آخر ما تبقى لديه من دقة وبراعة، أمطر ساني الغولم بوابل من الضربات، كان يتحرك بسرعة وخفة مذهلتين، تتدفق هجماته وخطواته بسلاسة من واحدة إلى أخرى، كأن هذا الهجوم كله مجرد حركة واحدة متصلة وسلسة
لكن مهما كان سريعا وماهرا، اتضح أن كل ذلك بلا جدوى
كان اللورد أسرع وأقوى وأكثر قوة بكثير، وحتى وهو مجبر مؤقتا على التركيز على الدفاع فقط، كانت كل ثانية تمر تعني الهلاك لساني
لأن سامي كانت في مكان ما خلفه تتعرض للتدمير ببطء على يد ستة غولمات أخرى، وما إن تسقط حتى سيموت هو
“تبًا لك!”
توقف ساني لوهلة قصيرة جدا، ومنح المسخ المرجاني فرصة للهجوم، فانطلقت قبضته نحو صدره بسرعة مرعبة
لوى ساني جذعه وتفادى الضربة، وحاصر يد الغولم بين جسده وذراعه، ولم يمنحه هذا الوضع أي ميزة، لأن المخلوق كان أقوى منه بكثير
بل على العكس، فقد شل إحدى يديه وأجبره على ترك قبضة سيف منتصف الليل باليد الأخرى
…لكنه منح ساني موطئ قدم
رفع اللورد قبضته الثانية، مستعدا لتحطيم جمجمة الإنسان بضربة قاتلة واحدة
في أعالي السماء فوق ساحة القتال، كان كاي على بعد لحظات من الموت، كان قد جرح أحد رسل البرج، وقتل آخر، وتفادى اثنين غيرهما
لكن الأخير صار فوقه الآن، ولم يعد هناك مهرب
بدت اللحظة وكأنها تتباطأ، وبعينين مفتوحتين على اتساعهما من الرعب، حدق كاي في المنقار الذي يقترب بسرعة من ذلك المخلوق المرعب، ومهما كان كاي سريعا، كان يعلم أنه هذه المرة لن يتمكن من الإفلات من نهايته
لو أنه حصل على ثانية إضافية فقط! حتى جزء من الثانية…
وهو مدرك تماما أن الأمر ميؤوس منه، غيّر كاي اتجاه طيرانه، ورغم كل شيء كان عليه أن يحاول على الأقل
لكن الأمر كان ميؤوسا منه
إلى أن…
في آخر لحظة، لمع شيء في الهواء واصطدم بمنقار رسول البرج الأسود، فحرفه قليلا عن مساره، ومنح ذلك كاي جزءا من الثانية الذي كان يرجوه
لوى جسده، وسمح للمنقار أن يمر على بعد بضعة سنتيمترات فقط منه، ثم ارتطم بجانب رسول البرج وارتد عنه، وترنح مبتعدا عبر الغيوم
ظهر إلى جانبه فجأة سيف مبارزة نحيل أنيق، ثم دار حوله وشطر جرادة سوداء شاردة إلى نصفين، ومع توجيه قبضة مؤخرة السيف نحو كاي وطرفه نحو أي شخص يجرؤ على مهاجمته، انزلقت الراقصة الهادئة عبر الهواء، مشكلة كرة دفاعية من فولاذ حاد حول الشاب
وعلى الرغم من كونها صدى غير حي، فقد نجح سيف المبارزة الطائر بطريقة ما في نقل شعور بالحماية اللئيمة المتعجرفة السيئة المزاج
حدق كاي في الصدى الأنيق ولم يستطع منع نفسه من الابتسام
ذكر الله بين السطور يخفف تعب اليوم.
‘شكرًا لك، كاسي…’
على ساحة القتال المغمورة بالدماء، كانت تلة صغيرة من المسوخ تتحرك وتضطرب، وكل مخلوق مرعب فيها يتلهف لتذوق لحم الشخص المدفون تحتها
بدا كأنه لا أمل
لكن ما الأمل؟ كان الأمل شيئا تركته إيفي منذ زمن بعيد
لم تكن بحاجة إليه
كل ما احتاجته كان سقفا فوق رأسها، وطعاما لذيذا أمامها، وإثارة الصيد، ومتعة لا توصف في أن تكون بصحة جيدة، قوية، وتعيش
مع قدر ضئيل من كبرياء أحمق يضيف بعض الحدة إلى كل شيء
لم تكن مستعدة للموت بعد، ليس هكذا، ليس دون أن تخوض قتالا أخيرا…
فجأة، دوى صوت مكتوم من تحت تلة المسوخ، كان زمجرة غاضبة، ممتلئة بالسخط والتحدي وإرادة يائسة للبقاء، وبعد لحظة ارتجفت التلة
ثم انفجرت، وتطايرت أجساد المخلوقات الكابوسية وتهدلت تتدحرج على الأرض
شدت إيفي عضلاتها حتى شعرت أنها على وشك الانفجار، ثم تجاوزت ذلك، ودَفعت ذلك الثقل الهائل بعظمي كتفيها وخرجت من الكتلة المتفورة من المسوخ
كانت لا تزال تمسك بفكي أول مخلوق قفز عليها بيديها النازفتين، وبحركة قاسية مزقتهما ورمت الجسد المحطم جانبا، ولمعت قبضتها في الهواء وسحقت جمجمة أحدهم
كانت إيفي قد فقدت شظية الذروة في مكان ما، لكن ذلك لم يعد يهم، وبزمجرة وحشية دارت وقاتلت، تقتل مسخا تلو الآخر بيديها العاريتين
لن تستسلم، لن تتراجع، لن…
بعد مدة، لم يبق أحد يهاجمها، ولم تعرف إيفي السبب
وللحق، في تلك اللحظة لم تعد ترى كثيرا، كان بصرها ضبابيا ويزداد قتامة ببطء
وعندما واجهت غياب المقاومة، ترنحت وسقطت على ركبتيها، حاولت أن تلتقط نفسا، لكن شيئا كان يسد حلقها، وكان هناك شيء خاطئ في رئتيها، لم تستطع
‘هذه… هي… النهاية، على ما أظن…’
عبر الضباب الداكن المشوش، رأت إيفي فجأة هيئة مضيئة تقترب
ابتسمت
‘هل أنت أنت، أيتها الأميرة؟ آه، أكره الاعتراف بذلك… لكني… لا… أظن… أنني أستطيع…’
صار من الصعب تشكيل الأفكار، تنهدت إيفي ثم أغمضت عينيها، مستعدة لأن تستسلم لراحة العدم
لكن بعد ذلك، لمست يدان باردتان وجهها برفق، وتدحرج لهب أبيض مطهر عبر جسدها، حاملا الألم والعذاب بعيدا
كان ساني متشابكا مع اللورد، ويد المسخ محاصرة بين ذراعه وجسده، لكن الغولم لم يبد مهتما بذلك كثيرا، بل رفع قبضته الأخرى واستعد لتوجيه الضربة الأخيرة
لكن قبل أن تتاح له الفرصة، اندفعت يد ساني الفارغة إلى الأمام
وأمسك بأصابعه قطعة المرجان القرمزي اللامعة، وشد لجزء من الثانية
ثم اقتلعها من جبين المخلوق
خرجت الجوهرة المصقولة من لحم المرجان في جسد المسخ الرهيب، تجر معها خيوطا حمراء لا حصر لها، شد ساني بكل ما لديه ثم لوى يده، مجبرا الخيوط الحمراء على الانقطاع
انكسر شيء داخل جسد اللورد المخيف، وترنح فجأة
ومن دون إضاعة هذه الفرصة، أطلق ساني يد الغولم، ورفع شظية منتصف الليل عاليا فوق رأسه، ثم وجه ضربة هابطة مدمرة
اصطدم نصل سيف التاتشي بالمرجان القرمزي وحطمه، محولا هيئة اللورد الشاهقة إلى مطر من شظايا تتفتت

تعليقات الفصل