الفصل 39
الفصل 39: رحلة إلى الغرب
في الصمت الذي تلا ذلك اختفت الابتسامة ببطء من وجه كاسي وحل محلها الارتباك وبشعورها بالتوتر المفاجئ سألت
“آه… ما الخطب؟”
تنهد ساني
“لا لا شيء لا بأس به فقط إن ذلك الاتجاه هو الذي كنا نريد تجنبه”
وبعد قليل من التفكير أضاف
“من هناك أتيت أمس يوجد الكثير من الزبالين هناك في الأسفل”
هبطت ملامح الفتاة العمياء
“أوه”
أما نيفيس التي كانت تستمع إليهما بصمت فألقت عليه نظرة لا يمكن تفسيرها ثم تكلمت أخيرًا
“أخبرينا المزيد عن القلعة”
عاد ظل من الحماس السابق إلى عيني كاسي ومع إيماءة جادة بدأت تصف رؤيتها
“حلمت بمدينة واسعة مدمرة مبنية من حجر متآكل كانت محاطة بجدران عالية لا يمكن اختراقها وكانت وحوش متنوعة تتجول في شوارعها الضيقة وفي وسط المدينة كانت هناك تلة وعلى تلك التلة كانت تقف قلعة مهيبة”
ابتسمت
“لكن لم تكن هناك وحوش داخل القلعة بل كانت ممتلئة بالناس أظن… لا أنا متأكدة أنهم كانوا مستيقظين بعضهم كان يحرس الجدران وبعضهم كان يعيش حياته بلا قلق كان هناك طعام وأمان وضحك”
‘حسنًا، هذا يبدو رائعًا’
إن كانت هذه القلعة موجودة حقا فستُحل كل مشكلاتهم تنحنح ساني
“هل رأيت شيئا آخر؟”
عبست كاسي وهي تحاول التذكر ثم انفرج وجهها
“نعم رأيت ساني يقودني عبر بوابات القلعة هذا يعني أننا سنصل!”
ظهرت ابتسامة لامعة على وجهها الشبيه بوجه الدمية وكانت تشع بفرح كبير حتى إن ساني لم يستطع إلا أن يرفع زاويتي فمه قليلًا
لكن في داخله كان عالقًا عند تفصيل معين في رؤية كاسي وهو أنها عندما تحدثت عن الوصول إلى القلعة ذكرت الاثنين فقط هل كان وراء ذلك معنى ما؟
أدار ساني رأسه قليلًا وألقى نظرة خفية على نيفيس محاولًا أن يعرف إن كانت قد التقطت ذلك التفاوت الصغير أيضًا
لكن النجمة المتغيرة بقيت غامضة كعادتها من دون أن تُظهر الكثير من المشاعر فكرت قليلًا ثم أومأت ببطء
“حسنًا إذن سنذهب غربًا”
بينما كان البحر ما يزال ينحسر تناولوا إفطارهم ثم قضوا بعض الوقت في التخطيط للرحلة والاستعداد لترك المخيم المؤقت وخلال ذلك أتيح لساني أن يتعرف إلى الفتاتين قليلًا بشكل أفضل
عندها وصل إلى إدراك مفاجئ كاد يجعل رأسه ينفجر من شدة الحيرة وكان ذلك الإدراك الصادم يتعلق بنيفيس
عندما التقيا أول مرة أمام بوابات الأكاديمية كوّن ساني انطباعًا معينًا عن الفتاة الواثقة والبعيدة وبعد ذلك لم يفعل سلوكها والكشف عن أشياء مختلفة من ماضي النجمة المتغيرة سوى تعزيز ذلك الانطباع
لا تدعم المواقع التي تنقل فصول مَجَرَّةْ الرِّوَايَاتْ دون إذن، فحق النشر محفوظ لأصحابه.
بدت نيفيس كأنها تعيش منفصلة قليلًا عن العالم كانت غامضة وباردة وعليها مسافة واضحة وقلة كلامها وطريقة حديثها الغريبة كانت تجعل من يتعامل معها يشعر بالانزعاج والارتباك وغالبًا ما يجعله يقول أكثر مما كان ينوي قوله كلما تكلمت أقل بدت كأنها تعرف أكثر وكانت تلك الثقة الصامتة اللامبالية لافتة للنظر وأحيانًا حتى ضاغطة
لكن ذلك الانطباع اتضح أنه خاطئ تمامًا
الحقيقة الفعلية لم تكن لها علاقة بالبرود أو الترفع بل بعد أن تحدث معها أكثر قليلًا وراقب تفاعلها مع كاسي كاد ساني يغمى عليه عندما أدرك أن نيفيس كانت ببساطة شخصًا محرجًا بشكل لا يصدق وبشكل سخيف… وبشكل مؤلم
كأنها لا تعرف كيف تتحدث مع الناس في كل مرة حاولت أن توصل فكرة كانت إما تستخدم الكلمات الخطأ أو تتعثر في منتصف الجملة ثم تصمت وكانت نبرتها لا تتوافق أبدًا مع ما تحاول قوله وكثيرًا ما كانت تنسى أن تضع نغمات الكلام المناسبة في حديثها فتجعل الأسئلة تبدو كتصريحات أو العكس
وزاد على ذلك أنها مثل كثير من الأشخاص الانطوائيين لم تكن معتادة على إظهار مشاعرها علنًا ليس لأنها لا تملك مشاعر بل لأنها كانت سيئة جدًا في التعبير عنها ونتيجة لذلك كان وجهها يبدو دائمًا باردًا ومحايدًا
ولهذا كانت في معظم الوقت تختار أن تتحدث بأقل قدر ممكن أو ألا تتحدث إطلاقًا
كل ذلك عندما اجتمع ثم تضاعف بسبب غرابتها العامة كان في النهاية هو ما صنع الصورة الزائفة لأميرة جليدية غامضة لا يمكن الاقتراب منها
بينما في الحقيقة كانت فقط خجولة وعاجزة تمامًا عن التواصل مع الناس
بعد أن وصل إلى ذلك الإدراك حاول ساني بكل قوته لكنه فشل في أن يمنع نفسه من التحديق في نيفيس بعينين واسعتين بالكاد تمكن من ألا يترك فكه يسقط
‘ما هذا بحق؟ هذا لا ينسجم مع ما ينبغي أن يكون عليه بطل الحكاية!’
في ذهنه كانت نيفيس بالتأكيد من النوع الذي يكون الشخصية الرئيسية في أي حدث في مركز المشهد كانت هناك دائمًا شخصيات واثقة وقوية مثلها ومثل كاستر أما أشخاص مثله ومثل كاسي فكانوا على الجانب الآخر يعيشون بعيدًا في الخلفية لكن الآن…
لا بل ذلك التفكير كان خاطئًا أيضًا كون النجمة المتغيرة تعاني في التعبير عن نفسها وتفتقر إلى المهارات الاجتماعية لا يعني أنها ليست قوية بل قد يعني العكس لقد حققت كل ما حققته رغم وجود طبقة إضافية من الصعوبة
كانت ما تزال خطرة
في تلك اللحظة لاحظت نيفيس أخيرًا أن ساني يحدق بها نظرت إليه وبعد صمت طويل سألت بنبرة خالية من المشاعر
“…ماذا؟”
رمش ساني وانتزع نفسه من فيضان الأفكار المفاجئ وتنحنح
“آه لا شيء كنت فقط سألت متى سننطلق”
بدا أنها تفكر وبعد مدة قصيرة أدارت وجهها وقالت
“قريبًا”
‘أنت… حقًا لا تستطيعين أكثر من كلمة واحدة، أليس كذلك؟’
وبحيرة تامة أخفى ساني مشاعره وابتسم
“آه حسنًا إذن”
في ضوء الصباح الرمادي تركوا التلة العالية وتوجهوا غربًا وهم يعيدون تتبع خطواتهم منذ أمس وبمعرفتهم للطريق تقدمت المجموعة الصغيرة بسرعة
كانت نيفيس تمشي في المقدمة وذراعها الممسكة بالسيف جاهزة لتضرب في أي لحظة وخلفها قليلًا كان ساني هذه المرة أُنيطت به مسؤولية الإمساك بالحبل الذهبي وقيادة كاسي أثناء السير
وبالطبع كان الشخص… المخلوق؟.. الذي يقودهم فعليًا هو ظله كان يستكشف الطريق أمامهم ويراقب المتاهة بعناية بحثًا عن علامات الخطر
كانت المتاهة كما كانت من قبل مربكة وتبدو بلا نهاية كانت شفرات قرمزية من “المرجان” تبرز من الطين الأسود لتصنع غابة واسعة متشابكة لكن اليوم كان هناك شيء ما فيها يبدو مختلفًا
لم يمر وقت طويل حتى تعثر الظل على كتلة من الزبالين الضخام الجائعين…

تعليقات الفصل