الفصل 43
الفصل 43: التكرار
كان ساني واقفا على قدميه حتى قبل أن يستيقظ تماما، لسبب ما كان النصل اللازوردي في يده بالفعل، وكان ظله يحوم إلى جانبه، مستعدا إما ليلتف حول السيف إذا احتاج للهجوم أو ليلتف حول جسده إذا كان الأوان قد فات على ذلك
حاول أن يفهم ما الذي يحدث، كانت نيفيس قريبة، وسيفها الطويل مرفوع في وضع دفاعي، كاسي…
‘أين كاسي؟’
خاف مما قد يراه — مجسات عملاقة تمتد نحوهم من الظلام — فنظر حوله، كان الأفق الشرقي يبدأ بالكاد بإظهار أول لمحات الفجر، مضيفا ظلالا صغيرة من الرمادي إلى سواد العالم، وفي ذلك السواد لم تكن هناك أي علامات خطر
أخيرا، رأى كاسي
كانت الفتاة العمياء تتعثر عند حافة المنصة بملامح مرعوبة على وجهها، وكان شعرها الأشقر في فوضى، وكانت تمد يديها إلى الأمام، ضائعة تماما في المكان، وبالطبع لم تكن هناك جدران تعثر عليها، كانت المنصة مفتوحة للعوامل، والشيء الوحيد الذي ينتظر كاسي هو السقوط في المياه المظلمة الهائجة…
قبل أن يدرك ساني ما يفعله، كان قد بدأ يركض بالفعل، لم يكن هذا تصرفا ذكيا — ففي النهاية لم يكن يعرف ما الذي جعل كاسيا تصرخ، ولا إن كان هناك خطر خفي قريب، إضافة إلى ذلك كان الظلام لا يزال كثيفا لدرجة تمنع نيفيس من الرؤية، وكان اندفاعه المفاجئ قد يدفعها إلى أن تضرب بالسيف قبل أن تسأل أي سؤال…
كانت هذه كلها أسبابا جيدة للانتظار والمراقبة أولا، لكن على نحو غير معتاد ولا عقلاني تماما، تصرف ساني قبل أن يفكر
أمسك كاسي قبل لحظات من أن تخطو خارج المنصة، ومعانقا إياها بقوة بين ذراعيه، سحب الفتاة العمياء إلى الخلف
“أمسكت بها!” صرخ ساني، ليخبر النجمة المتغيرة أنه لا داعي لأن تطعنه بسيفها
ثم قال لكاسي بصوت هادئ
“أمسكت بك، لا بأس، كل شيء بخير، اهدئي…”
شعر بجسد الفتاة يرتجف، ونظر حوله من جديد محاولا فهم ما الذي أفزعها إلى هذا الحد، لكن لم يكن هناك شيء
كانت نيفيس تصغي إلى البحر للسبب نفسه، وبعد بضع ثوان سألت
“هل ترى شيئا؟”
هز ساني رأسه بلا حيلة
“لا”
ساعد كاسي على الجلوس في وسط المنصة، وبينما بقيت نيفيس تحرس فوقهما، تفحص ساني الفتاة العمياء ليتأكد من عدم وجود جروح على جسدها، بدا كل شيء بخير
“لا تبدو مصابة في أي مكان”
نظرت النجمة المتغيرة إلى الأسفل، ورغم أن وجهها بقي بلا تعبير، استطاع أن يدرك أنها مرتبكة قليلا، وبعد ثانية أو اثنتين سألت بنبرة قد تكون نسختها من نبرة التهدئة، لكنها بدت مطابقة تماما لنبرتها المعتادة
“كاسي؟ ماذا حدث؟”
وبطريقة غريبة، بدا أن ذلك هدأ الفتاة العمياء قليلا، على الأقل بما يكفي لتتكلم بصوت مرتجف
مدت كاسي يدا واحدة وأشارت إلى الأسفل
“ر—الرأس… لقد رأيت… يا للعجب!”
قطب ساني حاجبيه ونظر إلى نيفيس
“هل رأت رؤيا؟ الماضي؟”
صمتت الفتاة الطويلة لحظة
“لا أعرف، لم يحدث ذلك من قبل”
التفت الاثنان نحو كاسيا، غير متأكدين مما يجب فعله
وبما أنه لم يكن هناك خطر واضح حولهما، تناوبا في محاولة تهدئة الفتاة المرعوبة، ومع ذلك، بعد تلك الجملة الوحيدة صمتت ورفضت الكلام مجددا، ولم يبد أن شيئا ينفع
بعد وقت ما، تنهدت نيفيس
“دعينا… نتركها الآن، ربما تحتاج وقتا”
كان ساني على وشك الاعتراض، لكن الحقيقة أنه لم تكن لديه أفكار أيضا، وفي النهاية اكتفى بالإيماء
“حسنًا، سأبقي عيني عليها”
لكن النجمة المتغيرة كانت لديها أفكار أخرى
ومع شروق الشمس وانحسار البحر المتلاطم، اختارت نيفيس أن تمنح كاسي بعض المساحة وقادت ساني إلى حافة المنصة، لكنها حرصت أن تبقى الفتاة العمياء دائما ضمن طرف مجال رؤيتها
كانت كاسيا جالسة تحتضن ركبتيها، كانت عيناها مغمضتين، لكن رجفات صغيرة كانت تمر عبر جسدها بين حين وآخر، كاشفة أنها مستيقظة
ارتعشت عين ساني
“هل أنت متأكدة أن تركها هكذا أمر جيد؟”
أعطته نيفيس نظرة معقدة
“نعم”
ثم بعد تفكير أضافت
“كاسي قوية”
لم يكن ساني متأكدا كيف يرد، إذا كانت النجمة المتغيرة تعد شخصا قويا، فغالبا هو كذلك، لكن “قوية” كانت آخر كلمة تخطر في باله عندما يفكر في الفتاة الرقيقة الجميلة العمياء، أليست شخصا يحتاج مساعدتهما طوال الوقت؟
لكن في المقابل، هناك أنواع مختلفة من القوة، كانت كاسيا ما تزال حية وبكامل عقلها رغم عيبها المُنهك، كم شخصا كان سيتمكن من فعل الشيء نفسه؟
“إذا قلت ذلك”
ثم جعلته نيفيس يستدعي النصل اللازوردي، وبعد أن درسته لبعض الوقت، أومأت وأخرجت سيفها الطويل من الهواء
رغم حجمه، كان سلاحا أنيقا، كانت الشفرة الضيقة ذات الحدين أطول بكثير من شفرة النصل اللازوردي، ولها طرف متناظر شديد الحدة، بدت الشفرة كلها، وكذلك الواقي البسيط على شكل صليب والقبضة الخلفية، وكأنها مصنوعة من الفضة، وتعكس ضوء الصباح الشاحب، وكانت المقبض ملفوفا بإحكام بجلد أسود
وبوضع السيفين جنبا إلى جنب، قالت نيفيس
“سيفك يمكن استخدامه بيد واحدة، لكن إمكاناته الحقيقية لا تظهر إلا عندما تمسكه بكلتا اليدين، لقد صُمم أساسا للقطع والبتر، لذلك مركز ثقله أعلى، لكنه قادر على الطعن أيضا”
ثم أشارت إلى سيفها
“سيفي أكثر تنوعا قليلا، لقد صُمم للقطع والطعن معا، وله حدان، ومع ذلك، مبدأ استخدام هذين السيفين واحد عمليا”
أمسكت بالسيف بكلتا يديها، ووضعت إحداهما قرب الواقي والأخرى قرب القبضة الخلفية، ثم نفذت ضربة هابطة
“كلاهما سلاح يعتمد على الرافعة، عندما تمسكه بكلتا اليدين، يد تدفع” ودفعته إلى الأسفل باليد القريبة من الواقي “بينما اليد الأخرى تسحب”
وفي الوقت نفسه سحبت اليد القريبة من القبضة الخلفية المقبض إلى الأعلى، مانحة الشفرة زيادة هائلة في السرعة
“هكذا تولد القوة وتنفذ ضربات قوية، الآن دورك”
نظر ساني إلى سيفه وأمسكه بكلتا يديه مقلدا وضعية نيفيس، ثم رفعه وضرب إلى الأسفل، متأكدا من تعزيز قوة الضربة بيده السفلى
راقبته النجمة المتغيرة
“عليك أن تفهم أن الضربة لا تأتي من اليدين، بل من جسدك كله، القوة تأتي من قدميك ووركيك وجذعك وكتفيك، ثم تُنقل بعدها إلى يديك، هكذا”
استعرضت الضربة الهابطة مرة أخرى، هذه المرة ركز ساني على الوقفة العامة وحركات كل جزء من جسد النجمة المتغيرة، بدلا من التركيز على السيف وحده
لم يكن مبتدئا في القتال، كان يعرف بغريزته كيف يوجه لكمة صحيحة… حتى لو لم يكن في جسده سابقا كثير من القوة، كانت مبادئ الضرب بالسيف متشابهة إلى حد كبير، لذلك فهم ساني الفكرة العامة بسرعة
نفذ الضربة الهابطة البسيطة عدة مرات أخرى، وفي كل مرة كانت نيفيس تعطيه إرشادات وتصحح أخطاءه، وبعد بعض الوقت، رضيت أخيرا عن أدائه
“جيد”
ابتسم ساني، فخورا بما حققه
نظرت نيفيس إليه بتفكير وأومأت
“الآن افعلها ألف مرة أخرى”
تجمدت الابتسامة على وجه ساني
‘أ… ألف؟ هل قالت ألفا؟!’
رمش بعينيه
“آه… عذرًا، كم مرة؟”
أمالت النجمة المتغيرة رأسها وفكرت لبعض الوقت
“حسنًا… ليس لدينا وقت كثير اليوم، لذا نعم، ألف فقط”
‘ها، ها-ها، “فقط” ألف، أليس كذلك؟’
أجبر ساني نفسه على أن يبدو مهذبا
“أفهم، حسنًا”
بينما عادت نيفيس لتجلس مع كاسي، التفت نحو البحر ورفع سيفه
‘واحد’
أطلق النصل اللازوردي صفيرا وهو يشق الهواء، ثم رفعه من جديد
‘اثنان’
ادفع واسحب، هكذا تولد القوة
‘ثلاثة’
اضرب بجسدك كله، لا بيديك فقط
‘أربعة’
وبينما كان ساني يرفع سيفه ويضرب إلى الأسفل مرة بعد مرة، لم يبق في ذهنه في النهاية سوى فكرة واحدة
‘التكرار، الخبرة، الوضوح، التكرار…’
وبحلول الوقت الذي أنهى فيه تنفيذ ألف ضربة، كانت كاسي مستعدة أخيرا للكلام

تعليقات الفصل