الفصل 595
الفصل 595: السامون قادمون
في ذلك الوقت، لم يكن ساني وكاسي بعيدين كثيرًا عن غرفة البوابة، حيث توصلا إلى اكتشاف مقيت بعد وقت قصير من الهروب من القفص، آنذاك كانت البوابات الثقيلة مغلقة ومختومة… أما الآن، فقد بدا أنها فُتحت أخيرًا
كان كورماك المكرم قد عاد من حملته إلى الجبال الجوفاء قبل المتوقع ببضعة أيام
وللحظة، اجتاح ساني فرح عارم…
لكن الجزء البارد والعقلاني من ذهنه تولى الأمر بعد ذلك
نعم، وصول كورماك المكرم يصنع طريقًا للهروب، ومن المؤكد أنه سيحل مشكلة موردريت لديهم… على الأرجح
لكن من يضمن ألا يتحول المحارب المتعالي إلى تهديد أشد فتكًا؟
أول ما سيراه كورماك المكرم بعد دخوله القلعة الحصينة سيكون كومة من الجثث الممزقة، وبعد ذلك، سيقتل على الأرجح أي شخص يظهر في طريقه، ففي النهاية، أي ناجٍ سيكون إما وعاء محتملًا للأمير المنفي… أو شاهدًا
شد ساني على أسنانه، ثم نهض وسحب كاسي إلى ممر جانبي، هناك اختبآ في الظلال، ولفا عباءتها حولهما، وانتظرا، لم يجرؤ على مد حسه الظلي نحو البوابات أو إرسال ظلاله للاستطلاع، خوفًا من جذب انتباه كورماك المكرم، لذلك لم يعرف أي منهما ما الذي يحدث
مرت بضع ثوان في صمت مرعب، ثم سمع ساني شيئًا يمر مسرعًا في الممر الذي غادراه لتوه، هبت عليهما دفعة ريح، كأنها أثر تركه شيء يتحرك بسرعة لا تصدق
بعد لحظة، سمعا ارتطامًا بعيدًا، واهتز معبد الليل مرة أخرى
يبدو أن كورماك المكرم كان قد وجد موردريت بالفعل
دفع ساني كاسي لتقف، وهمس بحدة:
“أسرعي! إلى البوابة!”
اندفعا نحو المخرج، وسرعان ما ظهرت الغرفة المألوفة في الأفق، اختلط الهواء النقي برائحة الجثث المتعفنة الكريهة، كانت بوابات معبد الليل مفتوحة على اتساعها، وتمتد خلفها عتمة السماء السفلى التي لا تُخترق إلى ما لا نهاية
بدا المدخل العالي كأنه بوابة إلى ليل لا ينتهي
من دون أن يبطئا ولو لحظة، اندفع ساني وكاسي نحو الحرية، عبرا البوابات، ونجحا أخيرًا في الهروب من الكاتدرائية الملعونة، بعد شهر من المعاناة وسفك الدماء والرعب القاسي الذي عاشاه في هذا الفخ الحجري البشع، بدا هواء الهاوية عديمة النور حلوًا كالرحيق
وما إن غادرا حتى ارتج معبد الليل مرة أخرى، وتساقط الغبار من جدرانه القديمة، وفي الأسفل السحيق، رنت الأجراس بنبرة كئيبة، وكانت أغنيتها التي اعتادت أن تكون عذبة تبدو على نحو غريب متعثرة ومذعورة
كان كورماك المكرم يقاتل أمير العدم، وكانت القلعة الحصينة كلها تتحمل عبء اشتباكهما الغاضب
“أسرعا! لم ينته الأمر بعد!”
اندفعا عبر الجسر المتهالك الذي يتمايل فوق هوة السماء السفلى على سلاسل صدئة، وسرعان ما وصلا إلى الدرجات الخادعة التي تلتف حول منحدر الجزيرة الشمالية
وهما يركضان صعودًا على الدرجات الضيقة، كان كلاهما يعرف أن خطوة واحدة خاطئة قد تكلفهما حياتهما، لكن ساني لم يكن مستعدًا للإبطاء، كان عليهما بلوغ السطح، وعبور الجزيرة، واجتياز السلسلة السماوية… وكل ذلك قبل أن ينتهي كورماك المكرم من التعامل مع السجين الهارب
‘وقت طويل… هذا يستغرق وقتًا طويلًا…’
تردد ساني لحظة، ثم استدعى العبء السماوي
“اصعدي على ظهري!”
تلكأت كاسي، ثم فعلت ما أمرها به، غرز الإبرة السوداء بين صفائح سلسلة لا تموت، وأطلق شتيمة مكتومة، ثم قذف يده إلى الأمام، فانطلقت الشفرة المثلثة للشوكة المتربصة واخترقت المنحدر الحجري المتدلي
ومع إضافة وزن الفتاة العمياء إلى وزنه، لم تكن سرعة صعودهما كبيرة، لكن بمساعدة خنجر الرمي وخيطه الخفي، استطاع ساني أن يزيدها قليلًا، كانت رحلة شاقة ومتوترة للأعصاب، بدوا كعنكبوت يتسلق جبلًا مستعينًا بخيط حرير واحد
غير أن الفارق كان أن الجبل أشد انحدارًا من العمود نفسه، وكانت رياح عاتية تهددهما إما بسحقهما على الصخور، أو بقذفهِما إلى عتمة السماء السفلى
ومع ذلك، بعد نحو اثنتي عشرة دقيقة مؤلمة… أو ربما أبدية كاملة… تمكنا من الوصول إلى سطح الجزيرة أحياء
صرف ساني الإبرة وسقط على الأرض اللينة وهو يمسك صدره، خرجت من رئتيه أصوات مزعجة متقطعة مع كل نفس، بقي ساكنًا لحظات، ثم سمح لكاسي أن تجذبه ليقف على قدميه
“…أعرف، أعرف، علينا أن نتحرك، ليس وقت الراحة بعد…”
ركضا عبر حقل الأزهار، وكانت الجبال الجوفاء ترتفع خلفهما، انساب ضباب أبيض على منحدراتها، وكان هناك شيء أبيض يرقص في الهواء أمامهما أيضًا
شعر ساني ببرودة لطيفة تنتشر على وجهه المحترق
انقبض قلبه بألم
‘ثلج… إنه يتساقط…’
هل صار الوقت ديسمبر بالفعل؟ أم أن أول تساقط للثلج جاء مبكرًا هذه المرة أيضًا؟
لا مفر من القدر…
اهتزت الجزيرة الشمالية تحت قدميهما
…وبعد لحظات قليلة فقط، ظهر أمامهما شكل مظلم يقطع الطريق
لم يكن ساني قد التقى كورماك المكرم من قبل، لكنه تعرف عليه تقريبًا في الحال، لا يملك ظلًا عميقًا لا يُسبر ولا حضورًا يبدو كأنه يؤثر في العالم من حوله إلا متعال
بدا كورماك المكرم في الثلاثينيات من عمره، بوجه بارد وعينين مظلمتين قاسيتين، كان درعه الأسود متضررًا ومستهلكًا، بالكاد متماسكًا بعد شهر من استكشاف منطقة الموت، والمفاجأة أنه لم يكن مثيرًا للإعجاب كثيرًا مقارنة بالذكريات من نوع الدروع، كما أنه لم يكن يحمل سلاحًا مرعبًا
…لكن أصابعه كانت مغطاة بدم طازج، وكانت قطرات قرمزية تسقط وتصبغ الأزهار الأرجوانية الرقيقة بالأحمر
يبدو أن موردريت فشل في انتزاع حريته في النهاية، فقد دُمّر آخر وعاء له
قطب كورماك المكرم وهو ينظر إليهما، ثم تقدم خطوة، دار الثلج حوله كعباءة باردة، وفجأة اجتاح ساني شعور خانق بنية قتل طاغية
تحرك ساني قليلًا، ودفع كاسي خلفه، جالت عيناه في المكان على أمل أن يجد شيئًا… أي شيء… ينقذ حياتهما
ثم فجأة، أظلم العالم، كأن ظلًا عابرًا غطى الشمس، وبعد ثانية، زال الظل مع خفق أجنحة، ووقفت امرأة طويلة نحيلة بينهما وبين كورماك المكرم المتقدم، كان ظهرها مستقيمًا كسهم
وقفت مد السماء لتصد ساني وكاسي بجسدها، ونظرت إلى المحارب المتعالي الآخر، كان وجهها الجميل باردًا وحادًا كالعادة، وكانت حدقتاها العموديتان ممتلئتين بهدوء وإصرار قاتم
“…هذا يكفي يا كورماك، ارجع إلى الخلف”

تعليقات الفصل