تجاوز إلى المحتوى
عبد الظل

الفصل 714

الفصل 714: سفينة لا تهاب

حين بلغ القرص الفضي للبدر أعلى نقطة في السماء، مزقت حركة مفاجئة ظلام الليل، وفي صخب الطبول وأصوات البشر، اندفعت إلى الأمام أساطيل من السفن الخشبية الطائرة، وكانت كل سفينة مضاءة بلهب المصابيح البرتقالي، لبعضها أشرعة حمراء، وللبعض الآخر أشرعة بيضاء، وفي ضوء القمر الشاحب بدت كلها رمادية بلا لون

اندفعت السفن إلى الأمام كأنها نهر من الأنوار، وعلى أسطحها تحركت ظلال بشرية، تستعد للقتال بحمى، كان الجنود يشهرون أسلحتهم ويثبتون السهام على أوتار أقواسهم، بينما حدق القادة في القمر المتلألئ بوجوه متوترة وقاتمة

…سرعان ما ظهرت نقطة سوداء وحيدة على سطح القرص الفضي، ثم أخذت تكبر ببطء وهي تقترب، سفينة واحدة، أكبر وأكثر رشاقة من بقية السفن، كانت تطير بلا خوف لملاقاة الأسطول المضيء، وكانت شجرة جميلة تنمو حول صاريها، ووقف عند الدفة رجل ببشرة شاحبة وشعر أسود كلون الغراب، يقود السفينة إلى الأمام، وكانت عيناه رماديتين صافيتين، تلمعان بنور القمر المنعكس

واقفًا قرب نوكتيس، لم يستطع ساني إلا أن يشعر باستياء مظلم يقبض على قلبه

‘تبًا…’

لقد اختاروا توقيت الهجوم ليفاجئوا جيوش لوردات السلسلة وهم غير مستعدين، كان معظم الجنود ما يزالون في مسيرهم نحو المدينة العاجية، وكانت تشكيلاتهم مكسورة ومبعثرة، لم يكن جمع قوتين كبيرتين أمرًا سهلًا، وقد اختار نوكتيس اللحظة الدقيقة التي بلغ فيها الاضطراب أسوأ حالاته ليطلق هجومه

ومع ذلك، كانت هناك قوة معتبرة مستعدة للدفاع عن المدينة، ارتفعت على الأقل 100 سفينة إلى الهواء لاعتراضهم وتدميرهم، تحمل كل واحدة عشرات المحاربين، بعضهم مستيقظون، وبعضهم حتى مرتقون… لكنهم جميعًا من النخبة المطلقة التي تملكها الفصائل المتحاربة لتقدمها

وفي مكان ما هناك، كان متعاليان يعيشان لفترة طويلة جدًا ينتظران دورهما

هذا ما كان نوكتيس ورفاقه يواجهونه

تريث ساني لحظة، ثم نظر متجاوزًا نهر الأنوار القادم، إلى الأشكال البعيدة للمدينة العاجية، كانت جميلة في الليل كما هي في النهار… الأقواس الرشيقة للقناطر المائية العالية، والجسور الهوائية التي تصل بين الجزر، والمباني المصنوعة من حجر أبيض…

كانت شوارع المدينة خالية، لكنه كان يشعر بآلاف الأرواح المذعورة ترتجف خلف الجدران التي اعتقدوها صلبة وآمنة، لا يعرفون أي كارثة يجلبها هو وأصدقاؤه إلى عتبة بيوتهم

وقد اشتد عبوسه، فاضطر أن يذكر نفسه بأن هؤلاء هم الناس الذين حاولوا التضحية بكاي لإشباع جوع تنين، ثم أحرقوه حيًا لأنه تجرأ على النجاة

وكان التنين نفسه هناك أيضًا، عاجزًا في الوقت الحالي… على الأقل حتى يجيء الفجر

وهو يطحن أسنانه، خطا خطوة إلى الأمام وأغمض عينيه لحظة

‘مجرد 100 سفينة… ما الذي يدعو للخوف؟ علي فقط أن أسقط 10 أو 20 منها، وربما أقتل بضعة مرتقين، وما المشكلة…’

كان الأسطول قد اقترب بما يكفي لتمييز الأشكال البعيدة للبشر وهم يركضون على الأسطح، وجلبت هبة ريح معها جوقة من الأصوات، فارتجف ساني وهو يتعرف على الهتاف المألوف

…المجد! المجد! المجد!

فتح عينيه الخاليتين من الضوء، فاختفى منهما كل شك وندم، ولم يبق إلا إرادة باردة للقتل

في مكان ما خلفه، ابتسم نوكتيس فجأة، ثم همس بصوت أجش:

“الآن… راقبونا، أيها الحكام…”

بعد لحظة، رنت حاكم الحصار الضخمة الواقفة عند مقدمة السفينة فجأة، مطلقة مسمارًا ثقيلًا طار عبر الظلام، وبينما كان يشق السماء، تلألأ على سطحه تشابك من رموز رونية قديمة، وعوت الرياح وهي تتمزق تحت شفراته الحادة

اندفع المسمار نحو الأسطول البعيد كأنه نجم ساقط، فضرب هيكل السفينة المتقدمة… وسحقه مباشرة، محولًا جزءًا كبيرًا من المقدمة إلى فتات، ثم شق أحشاء سفينة العدو، وبعدها، أضاء انفجار من نور شاحب السفينة من الداخل لجزء من لحظة، ولم يترك وراءه إلا سحابة من حطام دموي

دمرت السفينة بأكملها في لحظة واحدة

ضحك نوكتيس بجنون، وبينما كان يضحك كانت دمى البحار تندفع بالفعل لإعادة تهيئة الحاكم، وبينما انشغلن بذلك، حرك الساحر أحد المجاديف، فدفع سفينته إلى انعطاف يسمح لجهتها اليسرى، وللعرادات المجهزة هناك، أن تواجه أسطول العدو المندفع

إن وجدت هذا الفصل بعيدًا عن مَجَرَّة الرِّوَايات، فقد يكون منقولًا من أصله بغير إذن.

…وهكذا، بدأت المعركة التي كان مقدرًا لها أن تغير مسار التاريخ إلى الأبد

كانت سفينة الساحر تتمتع بأفضلية في الحجم والسرعة وقوة التعويذات ومدى أسلحتها، لكن الفارق لم يكن مستحيل التجاوز، قبل أن يعاد تجهيز حاكم المقدمة، كانوا سيتعرضون بالفعل لوابل من سهام وحراب العدو

“استعدوا يا أصدقائي!”

سحبت دمى البحار روافع عرادات الجانب الأيسر، فأطلقت عدة مسامير أصغر، لكنها ما تزال مدمرة، نحو الأسطول القادم، بينما جهزت أخريات أقواسهن وحدقن إلى الأمام بوجوه خشبية باردة

رفع ساني قوس حرب مورغان، مستعدًا لجذبه، ورمى سؤالًا فوق كتفه:

“وماذا عن سولفان؟ وماذا عن أمير الشمس؟”

ابتسم نوكتيس ابتسامة خبيثة

“ألا تشعر؟ إنهما يقتربان، أغنية الساقطين، يا سيدتي… أخشى أنك ستضطرين لتولي المجاديف قريبًا، لكن لا تقلقي، ما دام القمر يسطع، فسأتولى أمر هذين الاثنين بسهولة”

تريث لحظة، دافعًا السفينة إلى انعطاف آخر، ثم أضاف:

“لكن اقلقي من سفن العدو، إن لم تكونوا حذرين فسيمزقون جميلتي إربًا في وقت قصير… ناهيك عن ملئكم بالسهام”

كانت السفن التي ذكرها على وشك دخول مدى إطلاق منجنيقاتهم وعراداتهم، ومع أن سفينة الساحر كانت رشيقة وسريعة وصامدة، بدا مستحيلًا أن ينجو أي شيء من مطر المقذوفات المدمر، توتر ساني، وضاقت حدقتاه لتصيرا شقين عموديين من ظلام خالص

قبل لحظات من وصول الوابل، طارت 14 ظلال مخيفة فجأة من أسفل الجزر وومضت صعودًا، فاصطدمت بالصف الأول من سفن العدو، تناثرت شظايا الخشب وأطراف ممزقة في الهواء، ولحظة واحدة تكسرت تشكيلات العدو

مستغلًا تلك اللحظة، دفع نوكتيس السفينة إلى غطس حاد، متجنبًا بصعوبة تصويب الأسطول، وفي الوقت نفسه قدم جانبها الأيمن، فأطلقت مجموعة أخرى من العرادات مساميرها، مضيفة المزيد من الفوضى

نظر الساحر إلى ساني وإيفي وكاي بابتسامة جامحة

“حان دورك يا عديم الشمس! الآن أو لن…”

لكنه سكت فجأة وارتد بجسده كأنه تلقى صدمة

كان وجه نوكتيس، وهو شاحب أصلًا، قد صار أبيض كالورق، تأوه، ثم أدار رأسه ببطء، رافعًا نظره إلى الأعلى بتعبير مذهول

بعد لحظة، سمع ساني ذلك الذي يعيش لفترة طويلة جدًا يطلق همسة مشؤومة

“أوه… هذا ليس جيدًا… ليس جيدًا على الإطلاق…”

وقد شعر برعشة باردة تسري على عموده الفقري، فاستدار ساني وتبع نظرة الساحر، إلى أعلى وأعلى، نحو سماء الليل

ثم تجمد

‘م—ماذا؟’

القمر…

كان القمر يختفي

التالي
714/1٬000 71.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.