الفصل 786
الفصل 786: شريان الحياة
سرعان ما وُضع أمامهما على الطاولة وعاءان من الرامن اللذيذ المتصاعد منه البخار، لم يسبق أن دعا ساني أحدا لتذوق رامنِه، لكنه كان مسرورا جدا بالنتيجة
بدت أيامه التي كان يأكل فيها المعجون الصناعي فقط بعيدة إلى حد أنه لم يعد يريد حتى أن يتذكرها
انغمسا كلاهما في الطعام وأنهيا حصتيهما في وقت قياسي، شرب ساني آخر ما بقي من المرق العطر وأطلق تنهيدة فرح، أما نيفيس فبدت أكثر تحفظا، لكنه كان يشعر أنها راضية جدا أيضا
وبعد أن أبعدت الوعاء، ابتسمت النجمة المتغيرة ابتسامة خفيفة ونظرت إليه، وظهرت على وجهها ملامح مترددة
وبعد لحظات قليلة، قالت فجأة:
“مع ذلك… بينما كنت تائهة وأتجول في عالم الأحلام، وأنسى ببطء كيف يكون الشعور بأنني إنسانة… كان هناك شيء واحد تمسكت به وذكرني بأن حياتي السابقة كلها لم تكن مجرد حلم، هل تعرف ما هو؟”
فكر ساني قليلا ثم هز كتفيه
“لا أعرف، ذكرى؟ سيفك، نصل الحلم؟”
توقفت لبرهة ثم هزت رأسها ببطء
“لا، كان… أنت”
تجمد ساني وحدق فيها بدهشة
“هاه؟”
ابتسمت نيفيس ابتسامة خفيفة
“رموزك الرونية، رغم أنني لم أكن أستطيع معرفة ما يحدث لك أو لكاسي أو للآخرين، كنت ما زلت أشعر أنني مرتبطة بك عبر الرموز الرونية، كنت أرى أنك ما زلت هناك، حيا، وتفعل أشياء مذهلة، الذكريات الجديدة التي حصلت عليها أخبرتني قليلا عن نوع الأعداء الذين قاتلتهم، وسرعة تقدم إرث سمتك أخبرتني كم كنت تعمل بجد لصقل مهارتك القتالية، ما دمت أرى الرموز الرونية، كنت أعرف أنني لم أتخيل الماضي… ولم أشعر بتلك الوحدة”
تحركت قليلا ثم أضافت:
“عندما كنت أشعر بالملل، كنت أحب أن أتخيل ما الذي حدث بالضبط ليمنحك تدفقا مفاجئا من الشظايا، وكيف كان شكل المخلوق الكابوسي الذي منحك ذكرى، وكيف هزمته، أشياء… أشياء من هذا النوع، أوه… وكنت أشعر بالملل كثيرا، بينما كانت رحلتي غالبا مليئة بالمشقة والرعب، كانت أيضا رتيبة بشكل مؤلم أحيانا، لذلك… كان ذلك تقريبا الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها تسلية نفسي”
نظرت النجمة المتغيرة إليه، وتوقفت لحظة، ثم قالت:
“أعرف أن ذلك لم يكن شيئا فعلته بوعي، مع ذلك، أردت أن أقول… شكرا لك، لقد ساعدتني كثيرا يا ساني، وجعلت الاستمرار أسهل علي، لن أنسى ذلك”
حدق فيها ساني، وشعر فجأة بعدم الارتياح، ثم أشاح بنظره خجلا وتنحنح
“هل… هل أنت متأكدة أنك لم تتلقي جلسة إرشاد بالفعل؟ أعني، هذا لا يشبهك، إنه… آه… متفتح جدا، على أي حال… على الرحب والسعة، على ما أظن”
ابتسمت نيفيس ولم ترد
ظل ساني صامتا قليلا، ثم أجبر نفسه على القول:
“…في الحقيقة، أنا أيضا قضيت وقتا طويلا أحدق في رموزك الرونية”
نظر إلى الأرض
مَجَرّة الرِّوايَات هي بوابة هذا العمل، والنسخ الخارجية دون إذن لا تمثل النشر الأصلي.
“صحيح أنني لم أكن أفقد صوابي من العزلة مثلك تماما، حسنا… باستثناء فترة قصيرة سقطت فيها وحدي في هاوية بلا قاع، على ما أظن، لكن المقصود هو… بصراحة، كنت… وما زلت… غير راض عن كونك متقدمة علي بهذا القدر، في كل مرة تحصلين فيها على شظية روح، كان ذلك يدفعني لمحاولة الحصول على اثنتين، كلما ازدادت قوتك، ازددت رغبة في أن أزداد قوة أيضا، جزء كبير مما حصلت عليه… كان بسببك، أظن أنك أنت أيضا أبقيتني أواصل، بطريقة ما”
سكت لحظة ثم نظر إلى نيفيس بتعبير مر قليلا
“بالطبع، مهما حاولت، لم أستطع أبدا أن ألحق بك، في كل مرة كنت أتأخر خطوة، لم يكن ذلك شعورا لطيفا أبدا، لكنه أيضا أجبرني على المحاولة أكثر، على ما أظن”
تأملت وجهه للحظات ثم هزت رأسها
“من الأسهل بكثير بالنسبة لي أن أحصل على شظايا الروح، أنت تعرف ذلك، رغم أنني ما زلت متقدمة، أظن أنك قاتلت وقتلت مخلوقات كابوسية أكثر مني بكثير، في الحقيقة، أنا أعرف أنك فعلت”
ابتسم ساني
“ومن يهتم؟ ليست مسابقة تكافأ فيها على الجهد، النتيجة وحدها هي المهمة، في النهاية، الشخص إما قوي وإما ضعيف، والأقوى سيدوس دائما على الأضعف، أليس هكذا يعمل العالم؟”
نظرت نيفيس إلى الأسفل ثم هزت رأسها ببطء
“أنت مخطئ، أظن، النتائج مهمة، نعم… لكن ليس كأن الطريق إليها بلا قيمة، كل انتصار تحققه يعلمك درسا، وكل هزيمة تتعرض لها تعلمك أكثر، أظن أن الأمر كله يتوقف على ما تسميه قوة”
تكشر ساني
“حسنا، دعيني أسألك سؤالا، هل تستطيعين أن تقولي إنني أقوى منك؟”
حدقت النجمة المتغيرة فيه بوجه هادئ، مرت عدة ثوان، لكنها ظلت صامتة
ارتسمت على وجه ساني ابتسامة قاتمة، تنهد ثم جمع الأوعية الفارغة لينظفها
“يبدو أن إيفي لا تعتقد أنني كذلك، بحسبها، ينقصني الثبات، وأنا لا أعرف حقا ما هو الثبات وأين يجد المرء مثله، لكن حتى أنا لا أستطيع بصدق أن أقول إنني أقوى منك، هذا وحده يفترض أن يقول لك شيئا، إذا أخذت في الحسبان… كما تعلمين… ضميري الصافي”
توقفت نيفيس لحظات ثم قالت فجأة بنبرة هادئة:
“أنت أقوى مما تظن”
وضع ساني الأوعية في الحوض وفتح الماء
وبينما كان واقفا وظهره إليها، ظل صامتا لبعض الوقت، وبعد مدة بدأ يغسل الأطباق وقال:
“…جلسة الإرشاد على وشك أن تبدأ، عليك أن تسرعي”
نظرت إلى ظهره لحظات ثم نهضت بصمت وغادرت
وبقي ساني وحده في المطبخ، أنهى غسل الأوعية ووضعها على رف التجفيف ثم مسح يديه بمنشفة
ثم نظر في اتجاه غرفة الضيوف، وهز رأسه وسخر
“آه، ومن يهتم؟ يبدو أنني مذهل…”

تعليقات الفصل