تجاوز إلى المحتوى
عبد الظل

الفصل 86

الفصل 86: الدليل الأخير

كانت طريقة تفكير ساني بسيطة جدا، بصراحة، وفي الحالة التي كان فيها، كانت الأفكار المعقدة التي تعاكس تلقين شجرة الروح شبه مستحيلة التمسك بها، لقد كان بالفعل عند حدوده وهو يحاول فقط تذكر ما حدث في العش العملاق

في طريقه إلى الأسفل، اضطر ساني إلى عض نفسه عدة مرات، تاركا علامات دامية على يديه، وكان الألم الحاد يصفي ذهنه لبضع لحظات ويمنحه راحة مؤقتة من سحب النسيان المستمر

وبالصدفة، كان قد بدأ يلاحظ بالفعل التأثير الذي كان [نسيج الدم] يمارسه عليه، لم تنزف العضات إلا لفترة قصيرة، ثم تحولت بسرعة إلى قشور، كانت سرعة تخثر دمه أعلى بوضوح، كما شعر بطاقة أكبر، وكانت قدرته على التحمل أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل

وكان هذا منطقيا، فجسد الإنسان نظام تؤثر فيه كل قطعة على الأخرى، والتحسن الشامل في إحدى هذه القطع، خاصة قطعة مهمة مثل الدم، لا بد أن يؤدي إلى سلسلة من التحسينات الأصغر في بقية النظام

يبدو أنه كان قد قلل كثيرا من أهمية خاصيته الجديدة

‘ركز أيها الأحمق! لا تشتت نفسك!’

وهو يضغط على أسنانه، ركز ساني على المهمة

أراد أن يستخدم قدرة السمة لدى كاسي ليعرف حقيقة الخاصية المخفية، كانت رؤيتها مختلفة عن رؤيته، ساني لم يكن يرى المعلومات التي توفرها الرموز إلا لأنها وظيفة افتراضية للتعويذة، كان ببساطة يصل إلى تلك المعلومات بعقله

أما رؤية كاسي فكانت تأتي من سمتها، لذلك حتى لو كانت عقولهم مخترقة، فلا يفترض أن يؤثر ذلك على قدرتها على رؤية خصائص الآخرين، كما أن لديها ميلا قويا نحو الإشارات المكشوفة وخيط القدر

لذلك، كانت هناك فرصة كبيرة لأن تنجح كاسي حيث فشل هو

وأخيرا حين وصل إلى الأرض، أيقظ ساني الفتاة العمياء، وبعد حديث قصير، ذكر الخصائص، ثم سأل بحذر

“هل تستطيعين إلقاء نظرة على خصائصي؟”

بدت كاسي مرتبكة بوضوح من هذا السؤال

“ألا تستطيع فعل ذلك بنفسك؟”

ابتسم ساني

“أستطيع، لكني أظن أنك ستتفاجئين حين ترينها”

ترددت الفتاة العمياء، ثم هزت كتفيها

“حسنا، لكن إن اتضح أنك أيقظتني من دون سبب، فسأنزعج جدا، لم يكن هذا لطيفا منك…”

التفتت لتواجهه وتجمدت للحظة، كأنها تحدق في عينيه

“مقدر، طفل الظلال، شرارة العظمة… انتظر، أليست هي علامة العظمة؟ همم، لا بد أنني تذكرت خطأ”

توقفت لثانية، ثم غطت كاسي فمها بخفة بيدها الصغيرة وتثاءبت

“آه، ذاكرتي ليست جيدة كثيرا في الآونة الأخيرة، ربما لأنني أرتاح كثيرا، أين كنت؟ آه نعم، نسيج الدم… همم؟ من أين جاء هذا؟”

أجبر ساني نفسه على ضحكة قصيرة

“هذا الشيء؟ من بيضة، على أي حال، هل هناك شيء آخر؟”

رمشت كاسي مرتين

“بيضة…؟ حسنا، إن قلت ذلك…”

عادة، ظهور خاصية جديدة ليس أمرا يتجاوزه المرء بسهولة، لكن في حالتها، كان مدى انتباه كاسي قد تقلص بشدة، وكانت قدرتها الذهنية مشوشة، عبست لثانية ثم نسيت كل شيء عن التناقض

أما قلب ساني، فكان يخفق كأنه سيتفجر، وبابتسامة مزيفة متجمدة على وجهه، انتظر كلمات الفتاة العمياء التالية، كانت هي التي ستقرر ما إذا كان سيتمكن من الوصول إلى حقيقة الأمور أم لا

وبالتالي، إيجاد طريقة للنهوض من ذلك القاع

وبابتسامة شاردة، قالت كاسي

“أمي تصنع أفضل البيض… آه… عن ماذا كنا نتحدث؟ صحيح، خصائصك، الأخيرة هي مستعبد، انتظر… من أين جاء هذا…”

ولأنه كان يعلم أن الوقت قليل جدا، سأل ساني بسرعة

“الوصف! ماذا يقول الوصف؟”

تسلل شيء من التوتر إلى صوته، وبسبب هذه الحدة، ارتبكت كاسي ولم تكرر السؤال نفسه، واكتفت بأن تقول

“لقد سحرك الشيطان القديم، شجرة آكلة الأرواح، ويتم تحويلك إلى تابعها، وحين تكتمل العملية، لن يكون هناك مفر”

ما إن سمع ساني هذه الكلمات، حتى بدا كأن سلاسل ثقيلة سقطت عن عقله، وفجأة عادت ذكرياته كالسيل الجارف، فترنح، واتسعت عيناه

الآن فقط، بعدما استعاد ذاكرته بالكامل، أدرك ساني مدى تشوه حالته الذهنية، وكم ابتلع من ذاته الحقيقية، وكم اقترب من أن يمحى تماما من دون أن يعرف أن مسخا مرعبا كان يلتهم عقله ببطء

ملأ قلبه شعور جارح بالفزع، وللحظات، فقد ساني القدرة على الكلام، مغمورا بعرق بارد ويرتجف

‘ه—اهدأ، اهدأ، لم يحدث ذلك، لقد أوقفته، أنت عدت، لم يلتهمك’

ببطء، استطاع أن يسيطر على مشاعره ويبلغ قدرا من الهدوء، لقد اقترب جدا من الحافة، لكنه لم يخط الخطوة الأخيرة، ما زال هو نفسه

لم ينته الأمر بعد، ما زالت لديهم فرصة

نظر ساني إلى كاسي، ثم زفر ببطء وقال

“شكرا لك”

ابتسمت الفتاة العمياء ورفعت حاجبيها

“على ماذا؟”

كانت قد نسيت حديثهما بالفعل

كان ساني قد تحرر من سحر آكل الأرواح، لكن كاسي لم تتحرر، كانت ذاكرتها وعقلها وتفكيرها ما تزال مخترقة، وتزداد سوءا وهما يتحدثان

ظهرت على وجه ساني ابتسامة مؤلمة، وهو يكافح ليبقي نبرته خفيفة ومبتهجة قال

“لأنك ساعدتني قبل قليل، آسف لأنني أيقظتك باكرا جدا… عودي للنوم، سأكمل من هنا”

ترددت كاسي لبضع لحظات، ثم تشتتت ونست أنه موجود أصلا، وبالتثاؤب، تمددت الفتاة العمياء وغطت نفسها بعباءتها، وسرعان ما نامت من جديد، سعيدة وغافلة عن أن أيامها معدودة

راقبها ساني لبعض الوقت، وعلى وجهه تعبير قاتم، وأخيرا استدار ومشى بعيدا وهو يفكر

‘على جثتي’

التالي
86/1٬000 8.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.